السبت، 20 سبتمبر 2008

مقال:خريف البوشية ،لا رحيل بوش - بقلم: د.منير القوي

(قراءة أخرى ،لانمطيّة) :
أزمة مصالح فوق ـ امبراطورية، تقودها ايديولوجيا رجعية :
لن أناقش المؤهلات الشخصية للرئيس (بوش الإبن) ،بل أجد في ذلك اختطاف للحظة ـ الرؤية إلى مسار عقيم ، فغباء الرئيس ـ وقد أفاض الكثيرون من مباشري كتابة الحدث ورصده في وصفه ـ لا يمثل شيئاً ، ولو كان نابغة ،لما اختلف الأمر، فصناعة الرئيس الأمريكي ـ وأشدّدُ على صناعة ـ هي تفصيل على المقاس لهدف مرحلي ،في سياق تنفيذ المشروع الأمريكي ، والذي سميّ ( مشروع من أجل قرن أمريكي جديد )، فالقرن الماضي يرونه أمريكياً أيضاً خاصة بالإنتصار الأمريكي على النازي ،والفاشي ،وختاماً على امبراطورية الشّر السوفيتية ،وفق التسميّة الشهيرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي السابق ( رونالد ريغن ) على الإتحاد السوفيتي السابق :
ولنعد للتاريخ القريب القريب ،ففي 03/06/1997 أعلن ما أصبح يعرفون بـ (المحافظين الجدد) برنامجهم المرحلي ،الذي هو بالذات ،المشروع أعلاه ،وأنشؤوا مركز دراسة ( معهد أمريكان انتربرايز) لتحديد الأدوات ،وحشد الإمكانيات المتوفرة ،خاصة بعد انفراد الولايات المتحدة ،بقرار دكتاتوري كوني ،وفرته لها الأحادية القطبية ،منذ نهاية ثمانينيات القرن المنصرم ، بل ربما قبل ذلك بقليل ،منذ الرئاسة الثانية للرئيس الأمريكي ( رونالد ريغن ) ،وبداية ترنّح الإتحاد السوفيتي ،قبل تفككه ،مكرساً الإنتصار الغربي ،الأمريكي ـ الأطلسي ،في الحرب الباردة ،بزعامة مطلقة أمريكية ،بعد قيادة الولايات المتحدة ،ولقرابة نصف قرن ،لمعسكرها الأمريكي ـ الأطلسي ـ وتوابعه وحواشيه ،في تلك الحرب الطويلة ،على امتداد قارات المعمورة ، بحارها وبرّها ، وفضائها الكوني كذلك .
لقد أصبح المركز أعلاه ( معهد أمريكان انتربرايز) ،نقطة استقطاب لمجموعة من الإيديولوجيين الرجعيين العتاة ،متعددي المشارب ،لكنّهم الممثلين ،بآن ، لرؤية أصحاب المصالح في المشروع الأمريكي ،في لحظة انفراده بموقع دكتاتورية القرارالكوني ،ومركزية قطبيته الأحادية في السياسات العالمية ،لم يفوّت هؤلاء ـ ببراغماتية انتهازية ـ التقاط اللحظة السانحة لإطلاق برنامج رؤيوي ،يعتمد :
1 ـ استثمار نتائج الإنتصارات ،التي تحققت أثناء سنوات الحرب الباردة ،وخاصة بانتهائها محسومة لصالح الرؤية السياسية الأمريكية للعالم .
٢ـ التأكيد على تدعيم المشروع المنتصر ،باستمرار الإرادة، وتقويتها ،وتصعيد أدوات تنفيذها ،بما يتفق والمصلحة الأمريكية ،والحلم الأمريكي ،ونموذج الحضارة الأمريكية ، بالمختصر :
أمركة العالم ، لاعولمته فقط ، وحسم المعركة نهائياً ، وربّما تأكيد النظرية السابقة :( نهاية التاريخ )" لفوكوياما "،ليصبح الكون سيرة ذاتية لرأسمالية انتصرت ،وحلم أمريكي تحقق ،ولم يبقى من حدثٍ مهمٍ ،إلاّ مناسبة الإحتفال بعيد ميلاده السعيد .
من أين جاء هؤلاء ،ومن هم هؤلاء، الذين أصبحوا يعرفون بالليبراليين الجدد ؟ إنّ الولايات المتحدة التي قامت ـ ديمغرافياً ـ على الغازي الأوروبي الأبيض ،لتدخل معه ،فيما بعد فى صراعٍ ،كرسها كياناً مستقلاً تحت اسم (العالم الجديد) ،في تسمية ـ تعريف ـ نبوءة، وفي تمايزٍ قاطعٍ مع (العالم القديم ) !! باعتماد عزلتها ،فلسفة وجود ،مع ما عُرف بعقيدة (مونرو) منذ عام 1854 ،لتسقط ،كمبدأ ، بالتدخل الأمريكي في الحرب الإمبريالية الأولى ( الحرب العالمية الأولى )عام 1916 ،مع بداية وراثة متدرجة ،متنامية، للإمبراطوريات الإستعمارية ( البيضاء) القديمة ، وراثة لن تقتصرعلى مواقع النفوذ ،ومواقع القرار ، بل ثقافية أيضاً ، أفكار وتاريخ ، تبني أو رفض ،مما سيظهر إقصائياً ، تطهيرياً ،مع المكارثية المعادية للشيوعيّة في خمسينيات القرن الماضي ،بعقلية محاكم التفتيش ،الموروثة أيضاً :
ففلسفة الأمريكي اليهودي ـ المهاجر الألماني ـ (ليو شتراوس) ،صاحب التوليفة "" الفلسفية ـ الإيديولوجية "" المعاصرة ،بين الفلسفة المحافظة لـ (ادموند بيرك) (1729ـ 1797) ،الإيرلندي ،عدوّ الثورة الفرنسية ،وتلك الليبرالية لـ (جون ستيوارت ميل ) (1806ـ 1873) ،مع ميل نقديٍّ سلبي للعقلانيّة الديكارتيّة ،والمثاليّة الهيغليّة ،والماديّة الماركسيّة ،من موقف نيتشوي ،وثقافة فلسفة هايدغريّة ،يجعلها توليفة تتموضع في نسق أفلاطوني سياسي ،في تضاد مع الفكر السياسي الماكيافيلي ،وتيارات البراغماتية الحداثوية ،بإسقاط ظاهري لمبدأ النفعيّة ،وتبرير الوسائل ،لمصلحة شعار ايديولوجي عصري، تتضمّنه صياغة :( غاية المشروع الأمريكي الرسالي ،والوضوح الأخلاقي فيه) ،بما ينسجم والديمقراطية الليبرالية ،هدف الدور الأمريكي المعلن ،في كل تمظهرات السياسة التدخليّة، للإدارة الأمريكية البوشية ـ التشينية ،وتبريرات حروبها العدوانية المشتعلة ،ليأتي شارحاً لها ومؤطِّراً ،اليهودي الآخر ، الروسي المهاجر إلى (إسرائيل) : (ناتان شارانسكي) في كتابه ( قضيّة من أجل الديمقراطية ) عام ( 2004 )،والذي سيتخذ منه الرئيس الأمريكي (جورج.و. بوش) وفريقه (ديك تشيني ،دونالد رامسفيلد ،لويس ليبي ،آبرامز ، زلماي خليل زاد ،جون بولتون ) انجيلاً سياسياً ،براديكالية يعاقبة الثورة الفرنسية ، وبتقديس مبدأ الإشتراكية عند تيارات اليسار المختلفة ، إلاّ عليه ( المبدأ الإشتراكي )، أمّا المحتوى فموضوع آخر .
على أنّ مِن بعض مَن استقطبهم المركز ،قد جاء من مشارب ثقافية ،فلسفية ،وايديولوجية ،متنوعة ،(بيرل ،فايث ،وولفوفيتز :من الوسط التروتسكي) ، لكنّها كلّها من الموروث الأوروبي ، وتجمع أصحابها إلى سابقيهم نزعة الميل التفوقيّة للإنسان السوبرمان الأبيض ،الذي يقود الإنسانية التي يحتكرتعريفها ،يفصلها على قياس طموحاته ،مصالحه ونموذجه ، مبادئه ورؤيويته ،ويخوض معاركه ،لا الفكرية فقط ،بل والحروب أيضاً ، ضارباً عرض الحائط بالآخر ،بكل منظومة وجوده المادية والقيميّة ،بل وممارساً عليه سياسة إلغاء ،متدرجةً ،من إقصاءٍ وتهميش بوسائل النفي الإيديولوجيّة ـ البرواباغاندية : الإحتقار ،التسفيه ،التشييء، الشيطنة ،التجاهل المتعمّد لحاجاته ،حتى الأساسية منها : صحة ،تعليم ،غذاء ، وإلى إلغائه المادي بقوة النار والبارود ،بما توفره آلة الدمار الأمريكية المرعبة .
هكذا جاء 11 أيلول 2001 ـ ودون الدخول في حيثيات حدوثه ، على يد القاعدة ،حسب الرواية الرسمية ؟، مدبّر حسب المشككين (أصحاب نظرية المؤامرة )؟، وهم كُثُرفي العالم ، وفي الولايات المتحدة نفسها ـ ليوفر الأرضية المثلى ،واللحظة المؤاتية ،للوضع الناشط لمشروعهم في التطبيق ،لإعادة رسم الخريطة الجيوبوليتيكية للعالم، كل العالم ،والذي بدؤوه عملياً ،بتسلمهم المراكز ـ المفاتيح في إدارة الرئيس الأمريكي ( جورج .و.بوش ) عام 2000 ،فبدأت حملة إعلامية تسونامية ،ضد الإرهاب العالمي ،هكذا ،ضدّ منابعه ودينه (صار له دين !! وتحديداً :الإسلام !! حليف الأمس في الحرب المقدسة ضد الملاحدة الشيوعيين !!) ،وضد الأنظمة الراعية له والداعمة ،في (الدول المارقة) ،الشمولية ،الدكتاتورية ،حتى المعروفة تاريخياً ،بالولاء لأمريكا ،قيادة وانقياداً ،بل وتنصيباً ، ولكنّها ضرورة التسويق الإيديولوجي للديمقراطية ـ الذريعة ،والليبرالية الإقتصادية ،وعولمة الحضارة ،بل أمركتها(وهل توجد عولمة أخرى لا أمريكية ؟) ،وبكل أبعادها الثقافية :الفكرية ،الفنية ،الموسيقية ،وحتى اللباس وقصة الشعر وتسريحته ،ووجبة الـ (هامبرغر) السريعة ،وبدأ حشد الأعوان والمتعاطفين مع أمريكا ـ الجريحة المغدورة ،المستهدَفَة بالإجرام المنظم ،والإرهاب الإسلاموي ،ثم الإسلامي ،في تموضعها ضحيّةً أمام الحس الإنساني ،والرأي العام العالمي ،في نسجٍ على منوال الدعاية الصهيونية المجرَّب بفعاليّةٍ ،في دعاوى المحرقة(الهولوكوست) ،والضحية اليهودي الأبدي ،.... إلخ.... من الإسطوانة المعروفة ، وبدأت تظهر شعارات قديمة :( الحرب الصليبية !!،من فم الرئيس بوش ) وجديدة : (الإسلام الفاشي !! ومن فمه أيضاً ) ، أخفيت إرادة السيطرة على البترول ،ومنابع الطاقة ،وقراراتها المتخذة ، إرادة السيطرة على سياسات العالم ،ومخططاتها الجاهزة في المعهد إياه :( معهد أمريكان انتربرايز) ،وحتى تمددات ـ ما أصبح معلناً ـ : المجال الحيوي للمصالح الأمريكية كان توقعاً واستقراءً حتى ذلك الحين ، إذْ غلبت على الموجة الغوبلزية ( نسبة لغوبلز ،وزير الدعاية النازي ) ألوان محتوى : ( غاية المشروع الأمريكي الرسالي ،والوضوح الأخلاقي فيه) ،فكان التدشين باحتلال أفغانستان ،وإسقاط حكم الطالبان ،وتشتيت القاعدة التي يحتضنها ،وهوهدف بحدِّ ذاته ،ولكنّهُ المعلن فقط ، أمّا المضمر فهو وضع اليد الأمريكية على نفط آسيا الوسطى،في الجمهوريات السوفيتية السابقة ،وحقول بحر قزوين ،وحوضه ،بما فيه الإيراني في مرحلة لاحقة من حرب مفتوحةٍ ،مبرمجة ،ليس ذلك فحسب ،بل ضعضعة نواة الإتحاد السوفيتي السابق (روسيا الإتحادية )،الغارقة أنذاك في حربها الشيشانيّة ،والتي اضطرت صاغرة لقبول كل ذلك ،وفوق ذلك قدّمت أجواءها ـ مفتوحةً ـ للطيران الأطلسي ،وقواعدهاـ لوجستياًـ لقواته الغازية، المحتلة ،لأفغانستان !! ، أقل من سنتين ،بعد ذلك التاريخ ،وتغزوالولايات المتحدة العراق عام ( 2003 ) لتحريره من ( الطاغية) وأسلحة (الدمار الشامل) التي يمتلكها ،والتي تهدد الأمن الدولي، والسلام العالمي ،واستجابة لطلب (أحرار العراق)،حملة شرسة من الأكاذيب ،التي أصبحت معروفة ،ومع ذلك لم تنجح الولايات المتحدة في انتزاع تفويض دولي بالحرب على العراق ،بل على العكس ،وقفت شوارع عواصم العالم وحواضره ضدّها ،فلم تبالي ،وغزت العراق واحتلته ،وأعلنت نصرها المؤزر في أيام ، واحتفلت به ،مؤكدة انتهاء الحرب رسمياً ،على لسان القائد الأعلى للجيوش الأمريكية ، الرئيس الأمريكي : جورج.و.بوش ،من على حاملة الطائرات الأمريكية ( اوكلاهوما ) ،ثم لتبدأ معاناة الواقع بعد نشوة نصر عابرة ،حققته حفنة من المغامرين الإيديولوجيين ،في ظرف اجتمعت فيه أسباب تحققه :
1ـ قوة المعتدي الساحقة ،وإرادته المصممة على بلوغ الهدف ،في إطار المخطط المرسوم للمشروع الهمايوني الآمريكي .
2ـ ترنّح وضعف الهدف المراد ،بما لا يقاس ،بالمقارنة مع قوة الأول .
3ـ تسنم المعتدي قمة القرار الدولي ،بدكتاتورية كونية ،وقطبية أحادية بلا منازع.
4ـ آلة إعلامية جبّارة بيد المعتدي ، (بثوب الضحية) ،وخاصة امتلاك قرار توجيهها ،وإظهار وجه الحدث ،بالشكل الذي يخدم مشروع الغزوِ وأصحابه ،ومسرح عالمي معدّ .
5ـ انتماء الأمريكي للحضارة المهيمِنة ، والعراق وأفغانستان لإيديولوجيا أصبحت توصف ،وبالفم الملآن ، بالعنفية ،والإرهابية ،والفاشية ، والخطرة على الحضارة والإنسانية ،لكأن العراق وأفغانستان بشر بدائيون ،ومن ساكني الكهوف!!
6ـ الإستغلال العاطفي لجريمة الحادي عشر من أيلول ،وتوظيفها ايديولوجياً ،واستثمارها شعبوياً ، وحتى عنصرياً بالحض على كراهية معتنقي دين بعينه ،فيما صار يعرف لاحقاً بالـ (اسلاموفوبيا : رهاب الإسلام) .
تلك الحرب الأمريكية ،المتعددة الألوان والذرائع والأهداف ،وضعت الإيديولوجيا النيوليبرالية (اليمينية ـ اليسارية ) ،الهجينة والراديكالية ، بمواجهة الواقع الذي لم يُتعب منظروها النفس ،حتى في محاولة دراسته ،فهو هامشي ،من عالم محيطي هامشي ، من تارخ انقطعت سيرورته ، وإنْ لم تكن ،فهو، وعلى الأكثر ،في تموضع انكفائي يجترُّ الماضي ، إنْ لم يكن في سياق عملية انحلال وتفكك ،تحيله إلى متاحف الإنتربيولوجيا ،في حلقة خَرِقة ، لا تنتمي لروح العصر وحضارته ،حكم قطعي ايديولوجي ،مُسبَق ومُبرَم ، جعل أصحابه يصطدمون بالواقع الذي لا يفهمون ،والأهم بالتاريخ الذي ينفون ولا يعبّرون ،أخطاءٌ راكمتها الإدارة الأمريكية بمجلسها من "" المحافظين الجدد"" المتطرفين ،وبدأت الرؤوس تتدحرج ،فلم يبق منهم في إدارة (جورج.و.بوش ) الثانية ،بعد سنوات خمسة على لإحتلال الأمريكي للعراق ،إلاّ (ديك تشيني ) ،نائب الرئيس ، و(اليوت ابرامز) مسؤول منطقة (الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي) ،فماذا يعني ذلك ؟
ــ هل فشل المشروع الأمريكي ؟ والجواب ببساطة : إن غزو العراق واحتلاله ،واحتلال أفغانستان قبله ،هما صفحة في المشروع الأمريكي الهمايوني "فوق ـ الإمبراطوري" ،فلا يمكن الحكم ـ إلاّ رغبوياً ـ على مشروع توسعي،عمره قرن من الزمان ،بمعاينة صفحة من سفره ،أو خطوة تنفيذية من مخططه ،سواء نجحت أو فشلت ،فكم من الأقلام قد تبارت في الحكم عليه : بالعجز والترهل والهزيمة الماحقة النهائية ،بعد الخروج الأمريكي المذِّل من فيتنام في بداية سبعينيات القرن العشرين ؟ فأين نحن من تلك الأحكام وأمنيات محلليها ؟ بل من واقع العلاقات الوثيقة جداً بين عدوي الأمس ؟!!
ــ هل الخطوة العدوانية الأمريكية الإحتلالية فشلت ،أو بدأت بوادر فشلها ؟ والجواب ببساطة بـ ("نعم" أو "لا") ،يسطّح المسألة ،ويجعل جديّة الجواب موضع تساؤل ،لصدوره عن موقف ارادوي ،وانتماء إيديولوجيٍّ رغبوي ،ولاعلمي ،يتعارض مع الواقع المضطرب البوصلات ،لا البوصلة الواحدة ، ويصادر مسارات المستقبل في قوالب جاهزة ،فإذا كان المقياس هو الإحتلال وتدمير الهدف ؟ فالجواب واضح ،وإذا كان المعيار الإستيلاء على منابع النفط العراقي ،بحصرية أمريكية ،وتمكين السيطرة على نفط الجوار ؟ فالجواب أوضح ،وإذا كان دعاوى نشر الديمقراطية ،ومحاربة الدكتاتورية ،والأنظمة (المارقة) ومحور (الشّر)،وتكريس القيم العصرية ،وبناء دولة المواطنة ،فالفشل مريع ، ولم يكن كل ذلك هدفاً للمحافظين الجدد ،بل ربّما هدفهم هو العكس تماماً ،بتجزئة المجزأ ،وتفكيك المركب ،وتمزيق الملون إلى مفردته البسيطة ،تسهيلا لاستعمالٍ أكثر مطواعية ،وأنجع مردودية ،وهو ماتقرُّه وتقرره وتشهد على مساره نتائج واقع ملموس ، وإذاً فالأجوبة ،لا أحادية الجواب ،برسم المستقبل ،لتعدد العوامل والمؤثرات ،المحليّة والإقليميّة والدولية ، وتدخّل وتداخل المتغيّرات ـ التشابكات ـ الإشتباكات ،وموازين القوى بكل المفردات ، والمصالح المتلاقية ،أو المتقاطعة ،أو المتناقضة ،وما يعتور دينامياتها من تغيّراتٍ واصطفافات.
ولكن تبقى حقيقتان :
ــ الأولى :
أنّ كل خطوة بحجم القرار الأمريكي ،هو إضافة للفعل المؤثر في مسار ومآل حركية التاريخ ،وتطور الحضارة ،وحتى الخطوة الخاطئة ،هي إضافة خاطئة ،تأخذ مكانها وتفعل فعلها ،لأنه لا يمكن استرجاعها للتصحيح والتنقيح ،فهنا لا مجال للإعادة إلى المختبر ،فما وقع قد وقع ،وأصبح من التاريخ ، ولئن كان يستطاع فعل شيء ،فعلى النتيجة ،لا على سببها .
ــ الثانية :
وهنا لا يصدر القول عن موقف ايديولوجي ،ولست مبرّئاً النفس من لوثته بالمطلق ،إنّما القول هنا يرتكز على رصد تاريخيٍّ للإيديولوجيا ،باعثاً ومساراً ،أدواتاً ومآل ـ مصير :
إنَّ أيديولوجيا المحافظين الجدد ،بدأت تظهر ازدواجية لغتها ،وذاتية أنانية ،متورمة بأنا مستعلية ،مستغرقة في تقديس إيكوي ،حتى حدود تصديق ترهاتها واختلاقاتها الدعوية الذرائعية ،بل وأهلاس بعض منظرين ،يفصلون الكون وصراعات البشرية الأزلية ،من فوق مكاتب إحصاء موجهة ،بمعايير وروائز انتقائية ،واستنتاجات تحليلات ،في المعظم من منطقها مصالح ذاتية ،ومهام وظيفية ،وفوق ذلك صناعة ذهنية مبرمجة : صناعة ( كائنٍ ـ إنسانٍ ) مبرمج لوظيفة دعوية ـ دعائية ،لمنتجٍ استهلاكي ،كما لحرب نووية ، باطنية تذكّر بايديولوجيات شرقية ،أصبحت من صفرصفحات التاريخ ،ولكن ،هنا ،بسرعة قياسية ،بحكم تكنولوجيات عصر السرعة وكفاءة أدائها ، وليس ذلك فحسب ،فقد انكشف مقدار النفاق في تدرج تطور شعارها ـ الرسالي الخلاصي ،وحججها ـ الأكاذيب ،حتى المعادة بلا حياء .
وإذاً:
لن يكون لتلك الإيديولوجيا أكثر من وظيفتها المرحلية ،مهما أصرّ أصحابها على إطلاقيتها ،وانطلاقها فلسفة خلاصية ،ونظريّة كاملة التكوين ، فقد سبقتها ،ومنذ فجر المجتمع الإنساني نظريّات إيديولوجية ، وضعية وسواها ، أخذت أدوارها ، وأنتجت مفاعيلها ،سادت أم بادت ،فقد التزمت حيّزاً في مرحلة ما ،في مكان ما ،ودوراً ، سواء انقضى لعجزها عن قسر واقع ،بكل مكوناته ،وميكانيزمات ديمومته ،لمنطوقها ،فسقطت أمامه وفيه ،لمصلحة أخرى صاعدة ،أم يحافظ على استمراريةٍ ،باستجابةٍ تطوريةٍ ديناميةِ التغير ،لتحولات الواقع ومستجدات إضافات حاجاته المتجددة ؟
وعلى ما يبدو فإنَّ ايديولوجيا المحافظين الجدد ليست من الصنف الأخير .
تبقى الكلمة الأخيرة للمستقبل ، وربّما لن تتأخر كثيراً ( ؟ ؟ ؟ !!! ) . داسك سيريا

ليست هناك تعليقات: