(المقـاومـة والنهـوض الـعربـي) : بقلم المفكر عزمي بشارة
ليس مجرد نقاش حول الوسائل: لم تتجذر فكرة المقاومة في أذهان ووجدان الشعوب العربية كما في هذه المرحلة منذ انسحاب إسرائيل من لبنان دون اتفاق سلام في العام ٢٠٠٠ وحتى فشل العدوان الإسرائيلي على لبنان. وكان آخر عناوين هذا الفشل صفقة تبادل الأسرى الأخيرة. ومن خلالها اعترفت إسرائيل للمرة الثانية بفشل عدوانها على لبنان في تموز من العام .٢٠٠٦ وطبعا ساهمت حركة »حماس« والمقاومة العراقية التي انطلقت في زمن قياسي بعد الاحتلال في ترويج الإعجاب بالمقاومة والتفاعل مع المقاومة شعبيا. لم تكن هذه التيارات المقاومة ظواهر موحدة، وهي ليست موحدة الآن. والأهم من ذلك أنه حتى مجتمعاتها الوطنية غير مجمعة عليها. فالخلاف ينشب حولها في مجتمعاتها المحلية أساسا كتعبير عن الصراع السياسي في هذه المجتمعات. ويكاد الخلاف على المقاومة في هذه المجتمعات يتحول إلى تعبير عن هويات ثقافية أو سياسية أو طائفية، أو يستخدمها. وحتى لو تألفت المقاومة من حركات دينية أو مذهبية، فلا شك أن المزاج الشعبي العربي العام الذي يرنو إليها، ويتوق لها، وينفعل لأخبارها هو مزاج موحد... لا ينفصل فيه الإسلام عن العروبة عن الموقف الوطني. إنه مزاج شعبي عربي رافض للاحتلال الأجنبي لأي بلد عربي، ومحبط من رد فعل الأنظمة العربية على احتلال فلسطين والعراق ولبنان، ويعول على المقاومة لتحرير الأراضي المحتلة، أو على الاقل لتدفيع الاحتلال ثمنا يحفظ للواقعين تحت الاحتلال إنسانيتهم وللشعوب العربية كرامتها... إنه مزاج فقد الأمل بتسوية سياسية عادلة مع إسرائيل، ولا يثق بالنوايا الأميركية، ولا بالأنظمة العربية. ربما بدا ما نقول وصفا لمزاج يبدو بلغة العصر وصفا غير عقلاني لحالة هلامية، ولكني لا أقترح على أحد الاستخفاف به. فلنمعن الفكر قليلا بما يدفع شعوبا إلى احترام مقاومة حتى لو لم توحٍ برامجُها، أو سلوكُها، أو ظروفُها بأفقٍ سياسيٍ واضح. خذ مثلا حالة المقاومة العراقية البطولية، فإن سرعة نهوضها وتطورها تكاد تكون غير مسبوقة في التاريخ قياسا بموعد الاحتلال. ولكنها غير قادرة على طرح أفق سياسي مقنع بسبب تعدديتها، وإقصائية بعض فصائلها الطائفية، وفوضى البيانات التي تحجب عن المواطن العربي الرؤية لما يجري فعلا على الأرض في العراق... ومع ذلك نراه يقف مع المقاومة (ما عدا حالة فصائل تنفذ عمليات قتل ضد المدنيين العراقيين). ما هو الأفق السياسي الذي تطرحه حركة حماس حاليا؟ يصعب تحديد هذا الأفق، أهو الحفاظ على السلطة ام فك الحصار عن غزة، أم غيرها من الأهداف التي لا تشكل أفقا سياسيا حقيقيا مقنعا للناس. ومع ذلك تتضامن الأمة مع حماس كحركة مظلومين تواصل المقاومة تحت الاحتلال وتتحدى طريق التسوية غير العادلة بعد أوسلو. لا اعتقد ان الجمهور العربي يدعم حماس ويتضامن معها لأنه يرى أفقا قريبا لتحرير فلسطين على يدها. ليست هنالك علاقة دائمة وضرورية بين دعم المقاومة وبين الأفق السياسي الذي تفتحه المقاومة. وطبعا تحاول حركات المقاومة الجدية والتي تحترم نفسها وجمهورها ان تبني دعم الجماهير لها على أسس سياسية اصلب من المزاج السياسي الاحتجاجي القائم، وذلك بواسطة تحقيق انجازات فعلية أو خسائر حقيقية للاحتلال لا تحققها الأنظمة بالمفاوضات مثلا... يجب التمييز بين المزاج الشعبي الداعم للمقاومة وبين توفر رؤية استراتيجية للمقاومة على المدى البعيد تتجاوز إغراء الاكتفاء بالمزاج الشعبي الآني المؤيد دون قيد أو شرط، مع أنه مزاج يعبر عن نبل الفئات الشعبية عندما يتعلق الأمر باحتلال أجنبي. ولكن تبرير المقاومة عقليا باستراتيجية بعيدة المدى للتحرير، لا يعني التبرير البراغماتي في ظل ما هو قائم من منطق الأنظمة الحاكمة. فهذا قد يؤدي إلى السقوط في الذرائعية التي تطمس الفرق في الأهداف وإلى الإسراع في إعلان الانتصارات بهدف التبرير. وأحيانا يفترض هذا الجهد السياسي والخطابي الذي يحاول ان يثبت نجاعة المقاومة أن النقاش مع الأنظمة هو نقاش على الأساليب وليس على الأهداف. فتجد المقاومة نفسها مضطرة أن تفترض لغرض مثل هذا النقاش مثلا: أن الأنظمة تريد تحرير فلسطين، أو المناطق المحتلة كأولوية، وتفشل، فتلجأ إلى الوسائل الدبلوماسية. ويقدم نفس الخطاب المقاومة في المقابل كنموذج للتحرير بالسلاح دون اعتراف ولا دبلوماسية. ولكن النقاش الحالي مع الأنظمة العربية هو في الواقع صراع على الأهداف ذاتها وتترتب عنه سلوكيات وحتى منظومات قيمية مختلفة. وتقاس العقلانية البراغماتية، اي الأداتية المتعلقة بنجاعة الوسائل، بالأهداف التي تخدمها هذه الوسائل وليس قياسا بأهداف الآخرين... لا توجد بهذا المعنى معايير موحدة قائمة بغض النظر عن الأهداف للحكم على عقلانية الأدوات. وكمثال على ذلك انتشر مؤخرا خطاب مستقى من حالة تحرير الأسرى ومفاده أن الدول العربية التي عقدت سلاما مع إسرائيل لم تنجح في تحرير أسراها في إطار اتفاقيات سلام، في حين حررت المقاومة الأسرى بواسطة عمليات مقاومة تلخصت بأسر الجنود والتبادل. ويزداد هذا الخطاب قوة إزاء موقف ما يسمى بقوى »الاعتدال« التي عارضت علنا عمليتي الأسر الأخيرتين (من العام ٢٠٠٦) في لبنان وفلسطين، واعتبرت »تجاوب« إسرائيل مع »الخاطفين« بالتبادل دعما لقوى التطرف يقوي نفوذها على الساحة... هذا وصف متواضع وحرفي لسلوك قوى السلطة السياسية في فلسطين وسلوك الأنظمة العربية حاليا في قضية الجندي المختطف في غزة، ما يزيد من آلام الأسرى ويؤخر تحريرهم. وقبل ان نلج لب موضوعنا، نود ان نتريث هنا قليلا. فإن شرح الموقف من هذه المقارنات سوف يضيء الطريق إلى صلب موضوع المقاومة وما يميزها. .١ لا يدور النقاش مع الأنظمة العربية حول الوسائل، بل هو غالبا نقاش على الأهداف. فمن قال أصلا ان الأنظمة العربية التي عقدت اتفاقيات سلام مع إسرائيل مهتمة بتحرير مواطنيها الأسرى، خاصة أولئك الذين تعتبرهم هي ايضا مجرمين بمعنى أنهم قبلوا أن ينتظموا ويحملوا السلاح في إطار غير جيشها (أو غير قواتها الأمنية في حالة السلطة الفلسطينية)؟ تعتبر هذه الدول تلقي مواطنها أوامر من تنظيم فلسطيني او عربي سلوكا يمس بسيادة البلد وبالمواطنة. ليس السؤال بحاجة الى جواب ونحن نرى بعض محرري غوانتانامو يعاد اعتقالهم في دولهم العربية بعد تحريرهم. وهذا مصير بعض محرري السجون الإسرائيلية الذين هم في أفضل الحالات يخضعون للمراقبة في دولهم. الدول العربية لا تريدهم اصلا. ولو كانت تريدهم لحررتهم في إطار علاقاتها مع إسرائيل، وهي قادرة على ذلك لو أرادت. .٢ أسر العرب والفلسطينيين بالنسبة لإسرائيل ليس هدفا بذاته بل هو جزء من الصراع. فإذا قبل الفلسطينيون شروط إسرائيل السياسية يتم تحرير أسراهم. ولا مانع لدى اسرائيل من تحرير أسرى في إطار اتفاق مقابل التنازل عن القدس مثلا... في هذه الحالة اي اذا تحول تحرير الاسرى الى هدف سياسي قائم بذاته فإنه بدل أن تنبت فائدة من التضحية تصبح التضحية والأسر عبئا على النضال والقضية التي من أجلها اسر الانسان. يناضل الناس ويتعرضون للأسر من أجل قضية، وهذه القضية هي ليست التحرر من الأسر. والتحرر من الأسر مقابل تنازلات سياسية تقدمها القيادة، وفي إطار اتفاق سياسي يجري فيه التنازل عن القضية هو انجاز للسجان. فهو الذي أخذ المناضلين رهائن بهذا المعنى، وهو يطالب صاحب القضية ان يتنازل عنها مقابل تحرير رهائنه. هل حاولنا مرة ان نرى الأسرى العرب والفلسطينيين كرهائن تحتفظ بهم إسرائيل في إطار الصراع؟ من هذه الزاوية فإن النظام الرسمي العربي الذي يساوم عليهم، ويحررهم في إطار قبول الشروط السياسية الاسرائيلية يُنجِح عملية الخطف الاسرائيلية ويقبل بالشروط وينفي هدف النضال الذي دفع الأسير ثمنه. فالتنازل السياسي العربي والفلسطيني هو أيضا انجاز إسرائيلي تتم التغطية عليه وإظهاره كإنجاز فلسطيني او عربي بزغاريد استقبال الأسرى، وهي تعبير عن فرحة مفهومة. أما التحرير في إطار النضال، بالتبادل مقابل أسرى إسرائيليين مثلا، فهو مسار آخر لا يخضع للشروط. .٣ من هنا لا يدور النقاش في قضية تحرير الاسرى حول من يستطيع ومن ينجح في تحريرهم وكيف؟ بل هو نقاش حول الهدف، هدف النضال الذي في سياقه اسروا، وفي سياقه حرروا. الاسر والسجن ليسا هدفا قائما بذاته. وهنالك فرق بين تحرير الاسرى في خضم النضال كإنجاز يجري اثناء النضال، وبين تحرير الأسرى في اتفاق سياسي دبلوماسي بعد الانتهاء من الصراع. هذا هو الفرق بين إطلاق سراح الاسرى في عملية التبادل الاكبر حتى الآن بين »الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة« وإسرائيل عام ،١٩٨٥ وعملية التبادل الأخيرة التي فرضها حزب الله من جهة، وبين ما يمكن لأنظمة ان تفعله في إطار السلام مع إسرائيل. .٤ وأخيرا نريد ان نضيف أن الأسر والتحرر من الاسر ليسا ولم يكونا هما الهدف الأصلي، بل جرى هذا كله من أجل هدف. وفي كافة الحالات لا يسمى اطلاق سراح اسرى في عملية اسر وتبادل او حتى باقتحام سجن كما فعلت حركات تحرر في الماضي انتصارا، طالما لم يتحقق أي انتصار يتعلق بالهدف ذاته... تحرير الأسرى هو إنجاز في مسيرة النضال وليس انتصارا. وهذه ليست مجرد كلمات. فالنصر يقاس نسبة بالتقدم نحو هدف النضال. كانت عملية التبادل التي قامت بها »الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة« في العام ١٩٨٥ أكبر وأهم عمليات التبادل حتى اليوم. أطلق فيها سراح اكثر من الف اسير فلسطيني وعربي. وكان اثرها السياسي المباشر هائلا اذ شكلت بالكوادر التي أطلقتها إحدى مولدات الانتفاضة الأولى. ومع ذلك، لم يسمها احد انتصارا. لا يجوز استخدام كلمة انتصار بهذه السهولة حتى صار هنالك نصر يسجل كل بضعة أيام مرة على إسرائيل. تبادل الأسرى مع إسرائيل هو إنجاز على طريق النضال. وعملية التبادل الأخيرة ليست الإنجاز الأكبر. فقد جرت في الماضي عمليات تبادل من هذا النوع بل أضخم بكثير ودفعت فيها إسرائيل، بلغتها، ثمنا أعلى مما دفعت هذه المرة، ولم يعقبها هزائم لإسرائيل ولا انتصارات للعرب. والحقيقة أنه رغم وجاهة النقاش حول بقاء جثامين الشهداء في أرض فلسطين حتى التحرير وبعد التحرير، فلا شك ان العرس الجماهيري في كل دولة عربية تستقبل جثامين الشهداء هو إحراج للأنظمة المعادية لطريق المقاومة وهدفها. وما بدا كأنه تقليد لا حاجة له لاسرائيل التي تستعيد جثامين قتلاها ولو بثمن تحرير الأسرى، تبين كتعطش عربي حقيقي لتكريم الإنسان البسيط، المواطن، خاصة إذا كانت عودته شهيدا تشكل كفيلا لمشروعية هذا الفعل. مرة أخرى يتأكد ما قلناه أعلاه عن عمق دوافع دعم الناس للمقاومة. لا تقف الشعوب العربية إذاً مع المقاومة بسبب نجاعتها كما نعتقد. هذا، رغم ان المقاومة اللبنانية تميزت عن سابقاتها بدرجة التنظيم والنجاعة ووضوح الهدف عندما يتعلق الامر بالصراع مع إسرائيل. وقد نجحت بطرد إسرائيل من لبنان دون اتفاق بسبب استراتيجيتها النضالية المثابرة التي لا تحاول أن تثير إعجاب الغرب وتدفِّع الاحتلال ثمنا بأقل كلفة ممكنة للبنان ذاته، يضاف إلى ذلك في حينه عدم توصل سوريا وإسرائيل الى اتفاق سلام إثر جولة المفاوضات المباشرة بينهما في تلك المرحلة. تقف الشعوب العربية مع المقاومة معبرة عن هويتها وكرامتها في النضال ضد الاحتلال الأجنبي، وتعبيرا عن سخطها واحتجاجها ضد الوضع العربي الرسمي القائم العاجز أو غير الراغب في مقاومة الاحتلال الاجنبي أو المتحالف معه موضوعيا. وطبعا من واجب المقاومة أن تقدم برامج سياسية واستراتيجيات تصلِّب هذا الدعم الشعبي وترسيه على قاعدة النجاعة والنجاح في مهمة التحرير، فتحول هذا الدعم الى رأس مال سياسي حقيقي. مسألة ثقافة؟ لا شك أن المقاومة كحركة إنسانية هي اكثر من فعل ورد فعل فيزيائي مثل أصلها اللغوي في قانون »لكل فعل رد فعل«، أو في مقاومة الاحتكاك أو الجاذبية مثلا. إنها فعل عنف ثانوي، رد فعل، مضاد لفعل عنف الاحتلال الأولي الاصلي. ولكنها اكثر من ذلك ايضا، لانها ليست مباشرة بل متوسطة تمر عبر الفكر والعاطفة والتنظيم الاجتماعي وغيره. ولكن المقاومة ليست ثقافة مميزة ومحددة كما يروج جزء من معسكر المقاومة حاليا. بل هي موقف وممارسة. وهي غالبا موقف برفض الخضوع للاحتلال الأجنبي ويرفض التواطؤ معه. ويتم التعبير عن هذا الرفض بدرجات أرقاها الكفاح المسلح المنظم وصاحب الاستراتيجية الموحدة. ويرافق هذا الموقف تأكيدٌ على الوطنية وحرية الوطن وفهمٌ وطني لتاريخه، ورفضٌ للخيانة وتعبيراتها الأخلاقية والسلوكية والسياسية، متحولا الى مكون ثقافي على مستوى الهوية وتعريف الذات. ولكن ليس هنالك بالضرورة ثقافة سياسية محددة هي ثقافة المقاومة. فقد ثبت أن المقاومين يحملون ثقافات سياسية مختلفة ومتناقضة. وقد شهدنا في التاريخ مقاومات حملت ثقافة قومية، وأخرى يسارية، وثالثة دينية، وحتى مذهبية. لا يمكن الحديث عن ثقافة سياسية واحدة للمقاومة، أو عن ثقافة بعينها تحملها المقاومة. أما إذا كان الحديث حول »ثقافة المقاومة« كمصطلح، فالمقصود هو موقف سياسي يرفض التعامل مع الاحتلال ويرفض العزوف عن السياسة في ظل الاحتلال، ويؤمن بأنه يجب فعل شيء لكي يندحر. ويترتب على هذا الموقف، كما يترتب على نقيضه، مجموعة مسلكيات... وكل هذا لا يكفي لكي يعيِّن ثقافة تميز المقاومة وتتميز عن غيرها. من الواضح مثلا أن غالبية التيارات المقاومة المنظمة حاليا في الوطن العربي هي تيارات دينية. وطبعا هذا لا يعني ان كل تيار ديني هو تيار مقاوم... فهنالك تيارات دينية او تتلبس بالدين تتعاون مع (وفي) حكومة الاحتلال في العراق وتعارض المقاومة في غيره. ولا تشكل الإيديولوجية الدينية بالنسبة للمقاومة مفارقة او صدفة، بل تستخدم هذه التيارات الإيديولوجية الدينية في النضال ذاته ولا تحيِّدها عنه، إن كان ذلك في شرح معاني الجهاد والاستشهاد، وإن كان ذلك في قدسية الهرمية التنظيمية، أو الاستفادة من الولاء الأهلي الطائفي. ولا يمكن القول ان اي قومي او وطني عربي (إن كان متدينا او علمانيا) مساند للمقاومة يشارك في هذه الثقافة. إنه يشارك المقاومة الموقف، ولكنه لا يشاركها الثقافة نفسها، ولا التصور نفسه لما يجب ان يكون عليه المجتمع في الدولة العربية. وهذا ليس موضوعا مؤجلا بعيدا، كما كان في عصر حركات التحرر. إنه موضوع راهن في دول عربية مستقلة ومجتمعات قائمة وغير منشغلة ولا مستنفدة في المقاومة. فماذا يفعل علماني عربي يدعم المقاومة؟ إنه لا يستطيع ان ينضم اليها لأنها مؤدلجة بثقافة سياسية وتصورات لكيفية تنظيم المجتمع لا يوافق عليها. وهي أيضا ترفض أن تدفع وحدتها الإيديولوجية وانسجامها الفكري القائم، والذي يشكل احد مصادر قوتها، ثمنا لانضمام الآخرين إليها. علينا ان نتخيل موقف متدين اصولي من الانضمام الى منظمات علمانية قومية وماركسية عندما كانت تلك تتميز بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين ولبنان، وكان المزاج الشعبي معها في حينه. وتذكرنا حاليا بذلك جثامين شهدائها. ولذلك فإن الإنسان القومي او الوطني إذ يدعمها ويقنع الناس بالانضمام إليها إنما يدفعهم في الواقع عن ثقافته السياسية إلى الإعجاب بثقافتها. فالقومي او الوطني لا يستطيع ان يستخدم المقاومة كمجرد مرحلة يلتقي معها حتى يصل مرحلة الافتراق. فسوف يكتشف في حينه انه لا توجد قاعدة شعبية يستند اليها لانه تخلى عن هذه القاعدة وساهم في دفع القاعدة للتخلي عنه. ما ميز حركات التحرر الوطني، خلافا لحركات المقاومة حاليا، هو ان حركة التحرر كانت تضم تيارات سياسية وفكرية عدة تمثل المجتمع وتجتمع على برنامج للمقاومة وللتحرير، وغالبا حتى لما بعد التحرير. ولا يغير في ذلك وقوع انشقاقات وحتى احتراب أهلي بينها بعد الاستقلال، أو عشية الاستقلال، صراعات على الزعامة أو على السلطة التي باتت قاب قوسين مثلا. المهم ان لحظة حركة التحرر كانت لحظة وحدة وطنية بين تيارات فكرية وسياسية مختلفة يجمعها برنامج المقاومة والتحرير، ويجمعها تصور حد أدنى لبناء الدولة. وغالبا ما كان النضال والتنوع والنقاش في إطار هذين البعدين يولِّد برامج وقيما تحررية تشمل تصورات لتحرير الإنسان والمجتمع إضافة لتحرير الوطن. وشكل هذا تحديدا اساسا للتحالف والتضامن من قبل قوى معادية للنظام الاستعماري في الغرب والشرق. حركات المقاومة الحالية إن كانت في دول مستقلة او في بلاد محتلة هي حركات مؤدلجة دينيا. وهي غالبا ما تحاول عدم بحث العلاقة بين إيديولوجيتها الحالية وسلوكها السياسي في مرحلة ما بعد التحرير، فهذا كلام يفرق ولا يساعد على الوحدة طبعا. ويجب ان نذكر أنها لا تتجنب هذا الموضوع مع جمهورها. في المقابل فإن ما ميز حركات التحرر الوطني أن الوحدة كانت تتم من خلال التنوع والاتفاق على برنامج حد ادنى لما بعد التحرير. ولذلك فهنالك مكان للتمييز بين المقاومة وحركات التحرر الوطني. أما من ناحية القوى القومية فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحا. يجري الحديث عن تعميم نموذج المقاومة. تعميمه؟ كيف إلى اين؟ المقاومة التي يجري الحديث عنها هي كفاح مسلح ضد احتلال أجنبي. (ونحن نقصد هذا المفهوم الضيق للمقاومة، وليس كل معارضة سياسية أو ثقافية للاحتلال) والدول العربية التي تحيط بإسرائيل ليست دولا ضعيفة بل دول مركزية تمنع تطور مقاومة مسلحة تكسر احتكارها للعنف والسلاح ولا تسمح بعمليات مقاومة ضد إسرائيل منذ العام .١٩٧٣ لقد انتهت حالة الضبابية بين مقاومة إسرائيل وسلوك الأنظمة العربية التي كانت تسمح بوجود مقاومة ضد إسرائيل على اراضيها أو تشجع او تتغاضى عن تجند مواطنيها في اطر مسلحة من أجل فلسطين. وحدها فلسطين كانت تبرر ذلك. وهي لم تعد تبرر ذلك بالنسبة للنظام الرسمي العربي وثقافته السياسية. وهو تغير جوهري في موقف النظام الرسمي العربي من القضية الفلسطينية ومما كان يسمى الالتزام القومي. الحالة الوحيدة التي تستمر منها المقاومة هي لبنان (والسلطة الفلسطينية)، وسبب تمكن المقاومة من الاستمرار في هذه الحالات خارج نطاق الدولة (او السلطة في الحالة الفلسطينية) هو ضعف الدولة. وحتى في لبنان نشك ان تستمر المقاومة اللبنانية بمبادرات هجومية فلسطينية الأهداف ضد إسرائيل بعد حرب تموز وقرار ،١٧٠١ وإلا فما المقصود بالانتقال لتبرير وجودها لبنانيا من القدس وفلسطين الى لغة الدولة، أو الى لغة تحاول ان تكون مقبولة على منطق الدولة: الاندماج الاستراتيجية الدفاعية. ما التعميم إذاً؟ نحن لا نشهد نضالا تخوضه القوى القومية أو الإسلامية يطالب الدول العربية بفتح حدودها والسماح للمقاومة الشعبية بالعمل (من دول أخرى غير لبنان والسلطة الفلسطينية). وحتى في لبنان مُنِعَت المقاومة الفلسطينية من تنفيذ اي عملية منذ العام ،١٩٨٢ فلبنان الضعيف في العلاقة مع الطوائف، بات دولة قوية في العلاقة مع الفلسطينيين. ولا بد للقوى العربية المؤيدة للمقاومة ان تنظر في هذا الموضوع إذا أرادت تعميم النموذج. أما إذا كان المقصود بتعميم المقاومة تعميم ثقافة تقاوم الظلم والتعسف والقهر ولا تقف إزاءه مكتوفة الأيدي ولا تتواطأ معه، ففي هذه الحالة لا يفترض أن المقصود هو القمع الاجنبي بالضرورة، بل المقصود هو الظلم والتعسف والاستبداد، حتى ذلك القائم في دول عربية مستقلة. ولكن ثقافة المقاومة ضد الأجنبي، وهي القائمة حاليا لا تفي بهذا الغرض. فلدى المقاومة، أية مقاومة في العراق ولبنان وفلسطين، علاقات متفاوتة بدول استبدادية تتطلَّبها وتحتِّمها أولويات النضال. وكل »المقاومات« الحالية تتوق الى توسيع علاقاتها مع الدول العربية القائمة وتسعى الى اعتراف النظام العربي الرسمي القائم. وهي بنفسها تدعو الى تأجيل النضال من أجل العدالة إلا اذا كان ضد احتلال اجنبي. وإضافة الى ذلك فإن فكرها وثقافتها السياسية لا تشكل بديلا اكثر عدالة من الأنظمة القائمة في إدارة المجتمعات. هذا هو منطق المقاومة ضد احتلال أجنبي. ولا شك ان القوى القومية مقتنعة تماما أن النهوض العربي غير ممكن دون إذكاء روح مقاومة الاحتلال الأجنبي في الأمة. هذا شرط للنهضة. فالخنوع للاحتلال ينشر قيما تقبل الظلم وتقبل المس بالسيادة واعتبار الخيانة واقعية أو وجهة نظر، كم ينشر عقد النقص امام المحتل، ويكرس قيم الاتكالية وأجواء التخلف الاجتماعي التي تساهم في تهميش الجمهور تماما عن قضاياه... وكلها قيم تعيق النهضة. وهذا صحيح. وفي المقابل فإن المقاومة ضد الاحتلال الاجنبي قد تولد روحا تحررية في الامة حتى في الدول المستقلة، خاصة في قضية إرادوية الفعل السياسي. ولكنها لا تولد بالضرورة جرأة ضد الظلم المحلي ولا تولد بالضرورة نضالا وبرامج ضد الدكتاتورية ولا من اجل المواطنة المتساوية، ولا تساهم بالضرورة حتى في نشر العقلانية، ناهيك بالوحدة العربية... وكلها قيم ضرورية للنهضة العربية في عصرنا. المقاومة ورفض الاحتلال الأجنبي بما فيه القيم الاجتماعية التي تسانده مثل الخنوع وقبول الوصاية والتعاون مع الاحتلال، هي شروط ضرورية لأية نهضة عربية. ولكنها ليست شروطا كافية. فيمكن أن تشمل المقاومة برامج غير ديموقراطية في بناء المجتمع بعد الاحتلال، وفكرا مذهبيا يفرق الأمة، ويشق وحدة الوطن، ويفرغ المواطنة من أي مضمون. أما من يدعون طرح برامج تحررية وحدوية وديموقراطية للمجتمع، ويدّعون التحلي بالقيم العقلانية والمنهج العلمي، فلا يستطيعون تتميم الشروط الكافية وتكميل المقاومة من خارجها، كأن هنالك تيارات وظيفتها أن تقاوم وأخرى وظيفتها أن تنظِّر. لا بد ان يتم التفاعل والتكامل الفكري من خلال المقاومة. ولذلك ففي البلدان التي تتعرض لاحتلال أجنبي مباشر لا يجوز للتيار القومي الديموقراطي أن يتغنى بالمقاومة من خارجها. من ناحية أخرى يخطئ هذا التيار إذ يعود على مقولة وعرف »لا صوت يعلو فوق صوت« المقاومة. ويتجلى هذا الخطأ في شكلين رئيسيين: .١ تجنب أي نقاش مع اي تنظيم أو طرف مقاوم، مما يؤدي الى الاكتفاء بالتغني به وبإنجازاته دون نقاش يميز الفكر عن الفكر، ودون نشر مواقف من أخطاء ترتكبها المقاومة داخليا وخارجيا. .٢ السكوت عن كل من يدعم المقاومة ولو كان الدعم بالكلام فقط. إن الثقافة السياسية الكلامية التي تغفر حتى لمن يتآمر على المقاومة إذا صرح فقط تصريحا لصالحها، هي نفس الثقافة السياسية الني كانت تكتفي بالتزامات لفظية للوحدة العربية مانعة النقاش حول جوهر السلوك والسياسات الفعلية... إنها ثقافة تقع أسيرة صنمية اللفظ والشعار السياسي. إن من يسمح أن يختزل نفسه من مقاوم الى متضامن مع المقاومة في بلد تحتل اراضيه لا يمكنه ان يحصد نتائجها، فهو لا يتصرف كتيار سياسي بل كأنه عبارة عن فرد لا يطرح برنامجا سياسيا للمجتمع. أما التيار السياسي في بلد محتلة أراضيه فلا يمكن ان يكون متضامنا فقط. وكذلك فإن تيارا سياسيا في بلد لا يتعرض لاحتلال اجنبي وتتلخص مساهمته ضد الظلم في بلده بالتضامن مع المقاومة في بلد عربي آخر يتعرض للاحتلال الأجنبي، ولا يجسد »ثقافة المقاومة« هذه بمقاومة الظلم في بلده، مصيره ان يتواطأ مع الظلم في ذلك البلد. فهو يحول المقاومة الى تبرير لكي لا يناضل ضد النظام بل ليطالب النظام ان يدعم المقاومة ضد إسرائيل أو ضد اميركا. وهو يعلم ان النظام لا يعادي إسرائيل وأميركا، بل يتحالف معهما. وحتى لو دعم المقاومة لفظيا نظامٌ معاد لها بعد ابتزازه شعبيا أو نتيجة لحاجة لحظية لمسايرة المزاج الشعبي العام، فإن وظيفة التيار السياسي المقاوم هي فضح لفظية هذا الدعم وتناقضه مع الممارسة وليس التحجج به ليشعر بالشراكة مع النظام. لم تعد مسألة الموقف من المقاومة مسألة ترف لدى قوى النهضة العربية، فأمامهم شارع يستخدم قناة التضامن مع مقاومة ضد الاحتلال الأجنبي لكي يعبر عن ضيق بالأوضاع السائدة، ولكنه لا يجد مشروعا سياسيا فكريا منظما يوجه هذه الطاقة الهائلة باتجاه تحرري. وقد آن الأوان للتفكير مليا بهذا التفاوت وسبل معالجته وطرح البديل الفكري السياسي في ظروف نضجت له. ([) نص المحاضرة التي ألقيت يوم ٢٥ تموز ٢٠٠٨ في بيروت بدعوة من المنتدى القومي العربي
ليس مجرد نقاش حول الوسائل: لم تتجذر فكرة المقاومة في أذهان ووجدان الشعوب العربية كما في هذه المرحلة منذ انسحاب إسرائيل من لبنان دون اتفاق سلام في العام ٢٠٠٠ وحتى فشل العدوان الإسرائيلي على لبنان. وكان آخر عناوين هذا الفشل صفقة تبادل الأسرى الأخيرة. ومن خلالها اعترفت إسرائيل للمرة الثانية بفشل عدوانها على لبنان في تموز من العام .٢٠٠٦ وطبعا ساهمت حركة »حماس« والمقاومة العراقية التي انطلقت في زمن قياسي بعد الاحتلال في ترويج الإعجاب بالمقاومة والتفاعل مع المقاومة شعبيا. لم تكن هذه التيارات المقاومة ظواهر موحدة، وهي ليست موحدة الآن. والأهم من ذلك أنه حتى مجتمعاتها الوطنية غير مجمعة عليها. فالخلاف ينشب حولها في مجتمعاتها المحلية أساسا كتعبير عن الصراع السياسي في هذه المجتمعات. ويكاد الخلاف على المقاومة في هذه المجتمعات يتحول إلى تعبير عن هويات ثقافية أو سياسية أو طائفية، أو يستخدمها. وحتى لو تألفت المقاومة من حركات دينية أو مذهبية، فلا شك أن المزاج الشعبي العربي العام الذي يرنو إليها، ويتوق لها، وينفعل لأخبارها هو مزاج موحد... لا ينفصل فيه الإسلام عن العروبة عن الموقف الوطني. إنه مزاج شعبي عربي رافض للاحتلال الأجنبي لأي بلد عربي، ومحبط من رد فعل الأنظمة العربية على احتلال فلسطين والعراق ولبنان، ويعول على المقاومة لتحرير الأراضي المحتلة، أو على الاقل لتدفيع الاحتلال ثمنا يحفظ للواقعين تحت الاحتلال إنسانيتهم وللشعوب العربية كرامتها... إنه مزاج فقد الأمل بتسوية سياسية عادلة مع إسرائيل، ولا يثق بالنوايا الأميركية، ولا بالأنظمة العربية. ربما بدا ما نقول وصفا لمزاج يبدو بلغة العصر وصفا غير عقلاني لحالة هلامية، ولكني لا أقترح على أحد الاستخفاف به. فلنمعن الفكر قليلا بما يدفع شعوبا إلى احترام مقاومة حتى لو لم توحٍ برامجُها، أو سلوكُها، أو ظروفُها بأفقٍ سياسيٍ واضح. خذ مثلا حالة المقاومة العراقية البطولية، فإن سرعة نهوضها وتطورها تكاد تكون غير مسبوقة في التاريخ قياسا بموعد الاحتلال. ولكنها غير قادرة على طرح أفق سياسي مقنع بسبب تعدديتها، وإقصائية بعض فصائلها الطائفية، وفوضى البيانات التي تحجب عن المواطن العربي الرؤية لما يجري فعلا على الأرض في العراق... ومع ذلك نراه يقف مع المقاومة (ما عدا حالة فصائل تنفذ عمليات قتل ضد المدنيين العراقيين). ما هو الأفق السياسي الذي تطرحه حركة حماس حاليا؟ يصعب تحديد هذا الأفق، أهو الحفاظ على السلطة ام فك الحصار عن غزة، أم غيرها من الأهداف التي لا تشكل أفقا سياسيا حقيقيا مقنعا للناس. ومع ذلك تتضامن الأمة مع حماس كحركة مظلومين تواصل المقاومة تحت الاحتلال وتتحدى طريق التسوية غير العادلة بعد أوسلو. لا اعتقد ان الجمهور العربي يدعم حماس ويتضامن معها لأنه يرى أفقا قريبا لتحرير فلسطين على يدها. ليست هنالك علاقة دائمة وضرورية بين دعم المقاومة وبين الأفق السياسي الذي تفتحه المقاومة. وطبعا تحاول حركات المقاومة الجدية والتي تحترم نفسها وجمهورها ان تبني دعم الجماهير لها على أسس سياسية اصلب من المزاج السياسي الاحتجاجي القائم، وذلك بواسطة تحقيق انجازات فعلية أو خسائر حقيقية للاحتلال لا تحققها الأنظمة بالمفاوضات مثلا... يجب التمييز بين المزاج الشعبي الداعم للمقاومة وبين توفر رؤية استراتيجية للمقاومة على المدى البعيد تتجاوز إغراء الاكتفاء بالمزاج الشعبي الآني المؤيد دون قيد أو شرط، مع أنه مزاج يعبر عن نبل الفئات الشعبية عندما يتعلق الأمر باحتلال أجنبي. ولكن تبرير المقاومة عقليا باستراتيجية بعيدة المدى للتحرير، لا يعني التبرير البراغماتي في ظل ما هو قائم من منطق الأنظمة الحاكمة. فهذا قد يؤدي إلى السقوط في الذرائعية التي تطمس الفرق في الأهداف وإلى الإسراع في إعلان الانتصارات بهدف التبرير. وأحيانا يفترض هذا الجهد السياسي والخطابي الذي يحاول ان يثبت نجاعة المقاومة أن النقاش مع الأنظمة هو نقاش على الأساليب وليس على الأهداف. فتجد المقاومة نفسها مضطرة أن تفترض لغرض مثل هذا النقاش مثلا: أن الأنظمة تريد تحرير فلسطين، أو المناطق المحتلة كأولوية، وتفشل، فتلجأ إلى الوسائل الدبلوماسية. ويقدم نفس الخطاب المقاومة في المقابل كنموذج للتحرير بالسلاح دون اعتراف ولا دبلوماسية. ولكن النقاش الحالي مع الأنظمة العربية هو في الواقع صراع على الأهداف ذاتها وتترتب عنه سلوكيات وحتى منظومات قيمية مختلفة. وتقاس العقلانية البراغماتية، اي الأداتية المتعلقة بنجاعة الوسائل، بالأهداف التي تخدمها هذه الوسائل وليس قياسا بأهداف الآخرين... لا توجد بهذا المعنى معايير موحدة قائمة بغض النظر عن الأهداف للحكم على عقلانية الأدوات. وكمثال على ذلك انتشر مؤخرا خطاب مستقى من حالة تحرير الأسرى ومفاده أن الدول العربية التي عقدت سلاما مع إسرائيل لم تنجح في تحرير أسراها في إطار اتفاقيات سلام، في حين حررت المقاومة الأسرى بواسطة عمليات مقاومة تلخصت بأسر الجنود والتبادل. ويزداد هذا الخطاب قوة إزاء موقف ما يسمى بقوى »الاعتدال« التي عارضت علنا عمليتي الأسر الأخيرتين (من العام ٢٠٠٦) في لبنان وفلسطين، واعتبرت »تجاوب« إسرائيل مع »الخاطفين« بالتبادل دعما لقوى التطرف يقوي نفوذها على الساحة... هذا وصف متواضع وحرفي لسلوك قوى السلطة السياسية في فلسطين وسلوك الأنظمة العربية حاليا في قضية الجندي المختطف في غزة، ما يزيد من آلام الأسرى ويؤخر تحريرهم. وقبل ان نلج لب موضوعنا، نود ان نتريث هنا قليلا. فإن شرح الموقف من هذه المقارنات سوف يضيء الطريق إلى صلب موضوع المقاومة وما يميزها. .١ لا يدور النقاش مع الأنظمة العربية حول الوسائل، بل هو غالبا نقاش على الأهداف. فمن قال أصلا ان الأنظمة العربية التي عقدت اتفاقيات سلام مع إسرائيل مهتمة بتحرير مواطنيها الأسرى، خاصة أولئك الذين تعتبرهم هي ايضا مجرمين بمعنى أنهم قبلوا أن ينتظموا ويحملوا السلاح في إطار غير جيشها (أو غير قواتها الأمنية في حالة السلطة الفلسطينية)؟ تعتبر هذه الدول تلقي مواطنها أوامر من تنظيم فلسطيني او عربي سلوكا يمس بسيادة البلد وبالمواطنة. ليس السؤال بحاجة الى جواب ونحن نرى بعض محرري غوانتانامو يعاد اعتقالهم في دولهم العربية بعد تحريرهم. وهذا مصير بعض محرري السجون الإسرائيلية الذين هم في أفضل الحالات يخضعون للمراقبة في دولهم. الدول العربية لا تريدهم اصلا. ولو كانت تريدهم لحررتهم في إطار علاقاتها مع إسرائيل، وهي قادرة على ذلك لو أرادت. .٢ أسر العرب والفلسطينيين بالنسبة لإسرائيل ليس هدفا بذاته بل هو جزء من الصراع. فإذا قبل الفلسطينيون شروط إسرائيل السياسية يتم تحرير أسراهم. ولا مانع لدى اسرائيل من تحرير أسرى في إطار اتفاق مقابل التنازل عن القدس مثلا... في هذه الحالة اي اذا تحول تحرير الاسرى الى هدف سياسي قائم بذاته فإنه بدل أن تنبت فائدة من التضحية تصبح التضحية والأسر عبئا على النضال والقضية التي من أجلها اسر الانسان. يناضل الناس ويتعرضون للأسر من أجل قضية، وهذه القضية هي ليست التحرر من الأسر. والتحرر من الأسر مقابل تنازلات سياسية تقدمها القيادة، وفي إطار اتفاق سياسي يجري فيه التنازل عن القضية هو انجاز للسجان. فهو الذي أخذ المناضلين رهائن بهذا المعنى، وهو يطالب صاحب القضية ان يتنازل عنها مقابل تحرير رهائنه. هل حاولنا مرة ان نرى الأسرى العرب والفلسطينيين كرهائن تحتفظ بهم إسرائيل في إطار الصراع؟ من هذه الزاوية فإن النظام الرسمي العربي الذي يساوم عليهم، ويحررهم في إطار قبول الشروط السياسية الاسرائيلية يُنجِح عملية الخطف الاسرائيلية ويقبل بالشروط وينفي هدف النضال الذي دفع الأسير ثمنه. فالتنازل السياسي العربي والفلسطيني هو أيضا انجاز إسرائيلي تتم التغطية عليه وإظهاره كإنجاز فلسطيني او عربي بزغاريد استقبال الأسرى، وهي تعبير عن فرحة مفهومة. أما التحرير في إطار النضال، بالتبادل مقابل أسرى إسرائيليين مثلا، فهو مسار آخر لا يخضع للشروط. .٣ من هنا لا يدور النقاش في قضية تحرير الاسرى حول من يستطيع ومن ينجح في تحريرهم وكيف؟ بل هو نقاش حول الهدف، هدف النضال الذي في سياقه اسروا، وفي سياقه حرروا. الاسر والسجن ليسا هدفا قائما بذاته. وهنالك فرق بين تحرير الاسرى في خضم النضال كإنجاز يجري اثناء النضال، وبين تحرير الأسرى في اتفاق سياسي دبلوماسي بعد الانتهاء من الصراع. هذا هو الفرق بين إطلاق سراح الاسرى في عملية التبادل الاكبر حتى الآن بين »الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة« وإسرائيل عام ،١٩٨٥ وعملية التبادل الأخيرة التي فرضها حزب الله من جهة، وبين ما يمكن لأنظمة ان تفعله في إطار السلام مع إسرائيل. .٤ وأخيرا نريد ان نضيف أن الأسر والتحرر من الاسر ليسا ولم يكونا هما الهدف الأصلي، بل جرى هذا كله من أجل هدف. وفي كافة الحالات لا يسمى اطلاق سراح اسرى في عملية اسر وتبادل او حتى باقتحام سجن كما فعلت حركات تحرر في الماضي انتصارا، طالما لم يتحقق أي انتصار يتعلق بالهدف ذاته... تحرير الأسرى هو إنجاز في مسيرة النضال وليس انتصارا. وهذه ليست مجرد كلمات. فالنصر يقاس نسبة بالتقدم نحو هدف النضال. كانت عملية التبادل التي قامت بها »الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة« في العام ١٩٨٥ أكبر وأهم عمليات التبادل حتى اليوم. أطلق فيها سراح اكثر من الف اسير فلسطيني وعربي. وكان اثرها السياسي المباشر هائلا اذ شكلت بالكوادر التي أطلقتها إحدى مولدات الانتفاضة الأولى. ومع ذلك، لم يسمها احد انتصارا. لا يجوز استخدام كلمة انتصار بهذه السهولة حتى صار هنالك نصر يسجل كل بضعة أيام مرة على إسرائيل. تبادل الأسرى مع إسرائيل هو إنجاز على طريق النضال. وعملية التبادل الأخيرة ليست الإنجاز الأكبر. فقد جرت في الماضي عمليات تبادل من هذا النوع بل أضخم بكثير ودفعت فيها إسرائيل، بلغتها، ثمنا أعلى مما دفعت هذه المرة، ولم يعقبها هزائم لإسرائيل ولا انتصارات للعرب. والحقيقة أنه رغم وجاهة النقاش حول بقاء جثامين الشهداء في أرض فلسطين حتى التحرير وبعد التحرير، فلا شك ان العرس الجماهيري في كل دولة عربية تستقبل جثامين الشهداء هو إحراج للأنظمة المعادية لطريق المقاومة وهدفها. وما بدا كأنه تقليد لا حاجة له لاسرائيل التي تستعيد جثامين قتلاها ولو بثمن تحرير الأسرى، تبين كتعطش عربي حقيقي لتكريم الإنسان البسيط، المواطن، خاصة إذا كانت عودته شهيدا تشكل كفيلا لمشروعية هذا الفعل. مرة أخرى يتأكد ما قلناه أعلاه عن عمق دوافع دعم الناس للمقاومة. لا تقف الشعوب العربية إذاً مع المقاومة بسبب نجاعتها كما نعتقد. هذا، رغم ان المقاومة اللبنانية تميزت عن سابقاتها بدرجة التنظيم والنجاعة ووضوح الهدف عندما يتعلق الامر بالصراع مع إسرائيل. وقد نجحت بطرد إسرائيل من لبنان دون اتفاق بسبب استراتيجيتها النضالية المثابرة التي لا تحاول أن تثير إعجاب الغرب وتدفِّع الاحتلال ثمنا بأقل كلفة ممكنة للبنان ذاته، يضاف إلى ذلك في حينه عدم توصل سوريا وإسرائيل الى اتفاق سلام إثر جولة المفاوضات المباشرة بينهما في تلك المرحلة. تقف الشعوب العربية مع المقاومة معبرة عن هويتها وكرامتها في النضال ضد الاحتلال الأجنبي، وتعبيرا عن سخطها واحتجاجها ضد الوضع العربي الرسمي القائم العاجز أو غير الراغب في مقاومة الاحتلال الاجنبي أو المتحالف معه موضوعيا. وطبعا من واجب المقاومة أن تقدم برامج سياسية واستراتيجيات تصلِّب هذا الدعم الشعبي وترسيه على قاعدة النجاعة والنجاح في مهمة التحرير، فتحول هذا الدعم الى رأس مال سياسي حقيقي. مسألة ثقافة؟ لا شك أن المقاومة كحركة إنسانية هي اكثر من فعل ورد فعل فيزيائي مثل أصلها اللغوي في قانون »لكل فعل رد فعل«، أو في مقاومة الاحتكاك أو الجاذبية مثلا. إنها فعل عنف ثانوي، رد فعل، مضاد لفعل عنف الاحتلال الأولي الاصلي. ولكنها اكثر من ذلك ايضا، لانها ليست مباشرة بل متوسطة تمر عبر الفكر والعاطفة والتنظيم الاجتماعي وغيره. ولكن المقاومة ليست ثقافة مميزة ومحددة كما يروج جزء من معسكر المقاومة حاليا. بل هي موقف وممارسة. وهي غالبا موقف برفض الخضوع للاحتلال الأجنبي ويرفض التواطؤ معه. ويتم التعبير عن هذا الرفض بدرجات أرقاها الكفاح المسلح المنظم وصاحب الاستراتيجية الموحدة. ويرافق هذا الموقف تأكيدٌ على الوطنية وحرية الوطن وفهمٌ وطني لتاريخه، ورفضٌ للخيانة وتعبيراتها الأخلاقية والسلوكية والسياسية، متحولا الى مكون ثقافي على مستوى الهوية وتعريف الذات. ولكن ليس هنالك بالضرورة ثقافة سياسية محددة هي ثقافة المقاومة. فقد ثبت أن المقاومين يحملون ثقافات سياسية مختلفة ومتناقضة. وقد شهدنا في التاريخ مقاومات حملت ثقافة قومية، وأخرى يسارية، وثالثة دينية، وحتى مذهبية. لا يمكن الحديث عن ثقافة سياسية واحدة للمقاومة، أو عن ثقافة بعينها تحملها المقاومة. أما إذا كان الحديث حول »ثقافة المقاومة« كمصطلح، فالمقصود هو موقف سياسي يرفض التعامل مع الاحتلال ويرفض العزوف عن السياسة في ظل الاحتلال، ويؤمن بأنه يجب فعل شيء لكي يندحر. ويترتب على هذا الموقف، كما يترتب على نقيضه، مجموعة مسلكيات... وكل هذا لا يكفي لكي يعيِّن ثقافة تميز المقاومة وتتميز عن غيرها. من الواضح مثلا أن غالبية التيارات المقاومة المنظمة حاليا في الوطن العربي هي تيارات دينية. وطبعا هذا لا يعني ان كل تيار ديني هو تيار مقاوم... فهنالك تيارات دينية او تتلبس بالدين تتعاون مع (وفي) حكومة الاحتلال في العراق وتعارض المقاومة في غيره. ولا تشكل الإيديولوجية الدينية بالنسبة للمقاومة مفارقة او صدفة، بل تستخدم هذه التيارات الإيديولوجية الدينية في النضال ذاته ولا تحيِّدها عنه، إن كان ذلك في شرح معاني الجهاد والاستشهاد، وإن كان ذلك في قدسية الهرمية التنظيمية، أو الاستفادة من الولاء الأهلي الطائفي. ولا يمكن القول ان اي قومي او وطني عربي (إن كان متدينا او علمانيا) مساند للمقاومة يشارك في هذه الثقافة. إنه يشارك المقاومة الموقف، ولكنه لا يشاركها الثقافة نفسها، ولا التصور نفسه لما يجب ان يكون عليه المجتمع في الدولة العربية. وهذا ليس موضوعا مؤجلا بعيدا، كما كان في عصر حركات التحرر. إنه موضوع راهن في دول عربية مستقلة ومجتمعات قائمة وغير منشغلة ولا مستنفدة في المقاومة. فماذا يفعل علماني عربي يدعم المقاومة؟ إنه لا يستطيع ان ينضم اليها لأنها مؤدلجة بثقافة سياسية وتصورات لكيفية تنظيم المجتمع لا يوافق عليها. وهي أيضا ترفض أن تدفع وحدتها الإيديولوجية وانسجامها الفكري القائم، والذي يشكل احد مصادر قوتها، ثمنا لانضمام الآخرين إليها. علينا ان نتخيل موقف متدين اصولي من الانضمام الى منظمات علمانية قومية وماركسية عندما كانت تلك تتميز بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين ولبنان، وكان المزاج الشعبي معها في حينه. وتذكرنا حاليا بذلك جثامين شهدائها. ولذلك فإن الإنسان القومي او الوطني إذ يدعمها ويقنع الناس بالانضمام إليها إنما يدفعهم في الواقع عن ثقافته السياسية إلى الإعجاب بثقافتها. فالقومي او الوطني لا يستطيع ان يستخدم المقاومة كمجرد مرحلة يلتقي معها حتى يصل مرحلة الافتراق. فسوف يكتشف في حينه انه لا توجد قاعدة شعبية يستند اليها لانه تخلى عن هذه القاعدة وساهم في دفع القاعدة للتخلي عنه. ما ميز حركات التحرر الوطني، خلافا لحركات المقاومة حاليا، هو ان حركة التحرر كانت تضم تيارات سياسية وفكرية عدة تمثل المجتمع وتجتمع على برنامج للمقاومة وللتحرير، وغالبا حتى لما بعد التحرير. ولا يغير في ذلك وقوع انشقاقات وحتى احتراب أهلي بينها بعد الاستقلال، أو عشية الاستقلال، صراعات على الزعامة أو على السلطة التي باتت قاب قوسين مثلا. المهم ان لحظة حركة التحرر كانت لحظة وحدة وطنية بين تيارات فكرية وسياسية مختلفة يجمعها برنامج المقاومة والتحرير، ويجمعها تصور حد أدنى لبناء الدولة. وغالبا ما كان النضال والتنوع والنقاش في إطار هذين البعدين يولِّد برامج وقيما تحررية تشمل تصورات لتحرير الإنسان والمجتمع إضافة لتحرير الوطن. وشكل هذا تحديدا اساسا للتحالف والتضامن من قبل قوى معادية للنظام الاستعماري في الغرب والشرق. حركات المقاومة الحالية إن كانت في دول مستقلة او في بلاد محتلة هي حركات مؤدلجة دينيا. وهي غالبا ما تحاول عدم بحث العلاقة بين إيديولوجيتها الحالية وسلوكها السياسي في مرحلة ما بعد التحرير، فهذا كلام يفرق ولا يساعد على الوحدة طبعا. ويجب ان نذكر أنها لا تتجنب هذا الموضوع مع جمهورها. في المقابل فإن ما ميز حركات التحرر الوطني أن الوحدة كانت تتم من خلال التنوع والاتفاق على برنامج حد ادنى لما بعد التحرير. ولذلك فهنالك مكان للتمييز بين المقاومة وحركات التحرر الوطني. أما من ناحية القوى القومية فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحا. يجري الحديث عن تعميم نموذج المقاومة. تعميمه؟ كيف إلى اين؟ المقاومة التي يجري الحديث عنها هي كفاح مسلح ضد احتلال أجنبي. (ونحن نقصد هذا المفهوم الضيق للمقاومة، وليس كل معارضة سياسية أو ثقافية للاحتلال) والدول العربية التي تحيط بإسرائيل ليست دولا ضعيفة بل دول مركزية تمنع تطور مقاومة مسلحة تكسر احتكارها للعنف والسلاح ولا تسمح بعمليات مقاومة ضد إسرائيل منذ العام .١٩٧٣ لقد انتهت حالة الضبابية بين مقاومة إسرائيل وسلوك الأنظمة العربية التي كانت تسمح بوجود مقاومة ضد إسرائيل على اراضيها أو تشجع او تتغاضى عن تجند مواطنيها في اطر مسلحة من أجل فلسطين. وحدها فلسطين كانت تبرر ذلك. وهي لم تعد تبرر ذلك بالنسبة للنظام الرسمي العربي وثقافته السياسية. وهو تغير جوهري في موقف النظام الرسمي العربي من القضية الفلسطينية ومما كان يسمى الالتزام القومي. الحالة الوحيدة التي تستمر منها المقاومة هي لبنان (والسلطة الفلسطينية)، وسبب تمكن المقاومة من الاستمرار في هذه الحالات خارج نطاق الدولة (او السلطة في الحالة الفلسطينية) هو ضعف الدولة. وحتى في لبنان نشك ان تستمر المقاومة اللبنانية بمبادرات هجومية فلسطينية الأهداف ضد إسرائيل بعد حرب تموز وقرار ،١٧٠١ وإلا فما المقصود بالانتقال لتبرير وجودها لبنانيا من القدس وفلسطين الى لغة الدولة، أو الى لغة تحاول ان تكون مقبولة على منطق الدولة: الاندماج الاستراتيجية الدفاعية. ما التعميم إذاً؟ نحن لا نشهد نضالا تخوضه القوى القومية أو الإسلامية يطالب الدول العربية بفتح حدودها والسماح للمقاومة الشعبية بالعمل (من دول أخرى غير لبنان والسلطة الفلسطينية). وحتى في لبنان مُنِعَت المقاومة الفلسطينية من تنفيذ اي عملية منذ العام ،١٩٨٢ فلبنان الضعيف في العلاقة مع الطوائف، بات دولة قوية في العلاقة مع الفلسطينيين. ولا بد للقوى العربية المؤيدة للمقاومة ان تنظر في هذا الموضوع إذا أرادت تعميم النموذج. أما إذا كان المقصود بتعميم المقاومة تعميم ثقافة تقاوم الظلم والتعسف والقهر ولا تقف إزاءه مكتوفة الأيدي ولا تتواطأ معه، ففي هذه الحالة لا يفترض أن المقصود هو القمع الاجنبي بالضرورة، بل المقصود هو الظلم والتعسف والاستبداد، حتى ذلك القائم في دول عربية مستقلة. ولكن ثقافة المقاومة ضد الأجنبي، وهي القائمة حاليا لا تفي بهذا الغرض. فلدى المقاومة، أية مقاومة في العراق ولبنان وفلسطين، علاقات متفاوتة بدول استبدادية تتطلَّبها وتحتِّمها أولويات النضال. وكل »المقاومات« الحالية تتوق الى توسيع علاقاتها مع الدول العربية القائمة وتسعى الى اعتراف النظام العربي الرسمي القائم. وهي بنفسها تدعو الى تأجيل النضال من أجل العدالة إلا اذا كان ضد احتلال اجنبي. وإضافة الى ذلك فإن فكرها وثقافتها السياسية لا تشكل بديلا اكثر عدالة من الأنظمة القائمة في إدارة المجتمعات. هذا هو منطق المقاومة ضد احتلال أجنبي. ولا شك ان القوى القومية مقتنعة تماما أن النهوض العربي غير ممكن دون إذكاء روح مقاومة الاحتلال الأجنبي في الأمة. هذا شرط للنهضة. فالخنوع للاحتلال ينشر قيما تقبل الظلم وتقبل المس بالسيادة واعتبار الخيانة واقعية أو وجهة نظر، كم ينشر عقد النقص امام المحتل، ويكرس قيم الاتكالية وأجواء التخلف الاجتماعي التي تساهم في تهميش الجمهور تماما عن قضاياه... وكلها قيم تعيق النهضة. وهذا صحيح. وفي المقابل فإن المقاومة ضد الاحتلال الاجنبي قد تولد روحا تحررية في الامة حتى في الدول المستقلة، خاصة في قضية إرادوية الفعل السياسي. ولكنها لا تولد بالضرورة جرأة ضد الظلم المحلي ولا تولد بالضرورة نضالا وبرامج ضد الدكتاتورية ولا من اجل المواطنة المتساوية، ولا تساهم بالضرورة حتى في نشر العقلانية، ناهيك بالوحدة العربية... وكلها قيم ضرورية للنهضة العربية في عصرنا. المقاومة ورفض الاحتلال الأجنبي بما فيه القيم الاجتماعية التي تسانده مثل الخنوع وقبول الوصاية والتعاون مع الاحتلال، هي شروط ضرورية لأية نهضة عربية. ولكنها ليست شروطا كافية. فيمكن أن تشمل المقاومة برامج غير ديموقراطية في بناء المجتمع بعد الاحتلال، وفكرا مذهبيا يفرق الأمة، ويشق وحدة الوطن، ويفرغ المواطنة من أي مضمون. أما من يدعون طرح برامج تحررية وحدوية وديموقراطية للمجتمع، ويدّعون التحلي بالقيم العقلانية والمنهج العلمي، فلا يستطيعون تتميم الشروط الكافية وتكميل المقاومة من خارجها، كأن هنالك تيارات وظيفتها أن تقاوم وأخرى وظيفتها أن تنظِّر. لا بد ان يتم التفاعل والتكامل الفكري من خلال المقاومة. ولذلك ففي البلدان التي تتعرض لاحتلال أجنبي مباشر لا يجوز للتيار القومي الديموقراطي أن يتغنى بالمقاومة من خارجها. من ناحية أخرى يخطئ هذا التيار إذ يعود على مقولة وعرف »لا صوت يعلو فوق صوت« المقاومة. ويتجلى هذا الخطأ في شكلين رئيسيين: .١ تجنب أي نقاش مع اي تنظيم أو طرف مقاوم، مما يؤدي الى الاكتفاء بالتغني به وبإنجازاته دون نقاش يميز الفكر عن الفكر، ودون نشر مواقف من أخطاء ترتكبها المقاومة داخليا وخارجيا. .٢ السكوت عن كل من يدعم المقاومة ولو كان الدعم بالكلام فقط. إن الثقافة السياسية الكلامية التي تغفر حتى لمن يتآمر على المقاومة إذا صرح فقط تصريحا لصالحها، هي نفس الثقافة السياسية الني كانت تكتفي بالتزامات لفظية للوحدة العربية مانعة النقاش حول جوهر السلوك والسياسات الفعلية... إنها ثقافة تقع أسيرة صنمية اللفظ والشعار السياسي. إن من يسمح أن يختزل نفسه من مقاوم الى متضامن مع المقاومة في بلد تحتل اراضيه لا يمكنه ان يحصد نتائجها، فهو لا يتصرف كتيار سياسي بل كأنه عبارة عن فرد لا يطرح برنامجا سياسيا للمجتمع. أما التيار السياسي في بلد محتلة أراضيه فلا يمكن ان يكون متضامنا فقط. وكذلك فإن تيارا سياسيا في بلد لا يتعرض لاحتلال اجنبي وتتلخص مساهمته ضد الظلم في بلده بالتضامن مع المقاومة في بلد عربي آخر يتعرض للاحتلال الأجنبي، ولا يجسد »ثقافة المقاومة« هذه بمقاومة الظلم في بلده، مصيره ان يتواطأ مع الظلم في ذلك البلد. فهو يحول المقاومة الى تبرير لكي لا يناضل ضد النظام بل ليطالب النظام ان يدعم المقاومة ضد إسرائيل أو ضد اميركا. وهو يعلم ان النظام لا يعادي إسرائيل وأميركا، بل يتحالف معهما. وحتى لو دعم المقاومة لفظيا نظامٌ معاد لها بعد ابتزازه شعبيا أو نتيجة لحاجة لحظية لمسايرة المزاج الشعبي العام، فإن وظيفة التيار السياسي المقاوم هي فضح لفظية هذا الدعم وتناقضه مع الممارسة وليس التحجج به ليشعر بالشراكة مع النظام. لم تعد مسألة الموقف من المقاومة مسألة ترف لدى قوى النهضة العربية، فأمامهم شارع يستخدم قناة التضامن مع مقاومة ضد الاحتلال الأجنبي لكي يعبر عن ضيق بالأوضاع السائدة، ولكنه لا يجد مشروعا سياسيا فكريا منظما يوجه هذه الطاقة الهائلة باتجاه تحرري. وقد آن الأوان للتفكير مليا بهذا التفاوت وسبل معالجته وطرح البديل الفكري السياسي في ظروف نضجت له. ([) نص المحاضرة التي ألقيت يوم ٢٥ تموز ٢٠٠٨ في بيروت بدعوة من المنتدى القومي العربي
وقفة حوار مع المفكر العربي الدكتور عزمي بشـارة حول بعض ما جاءهُ في محاضرتِه.. المقـاومـة والنهـوض الـعربـي..
بقلم : د. منـير القـوي
بقلم : د. منـير القـوي
ابتغاء حوار واضح ،يُستخلَصُ منه ،ويُبنى عليهِ ـ ربّما ؟ ـ أجدُني مُلزماً بتحديد جملة: مسلّمات ـ مصطلحات ـ وقائع ومواقف ـ حقائق ،ربّما ؟ ،ولكنّها تعابير ـ مفاتيح لإدارة حوارٍ ، بلا مبهمات ، تلك وجهة نظري ، بتواضع ، وهي ليستْ مُلزِمة لأحد ، وبالخاصة للمفكر العربي الدكتور (عزمي بشـارة) ، الذي لم يُلزمْني ، بدوره ، بقراءة ماكتبه ، فهو قدمه لمستمعين وقارئين ، ولم يفرض عليَّ أحد، أنْ أكون في عدادهم ، لكنْ يحدوني أمل أنْ أكونَ من المقبولين حوارياً ، فوجهة نظر لا أكثر ، وهي حقٌّ طبيعي ، لي وللجميع . فلنعدْ إلى البداية : لجملة المسلّمات ـ المصطلحات ـ والوقائع ـ المواقف:١ـ الكيان الصهيوني ،حتى قبل إعلان كيانه السياسي، بقرار الجمعية العامّة للأمم المتحدة ، (الأشهر والوحيد) ، بخلقه كيان سياسي ـ وطن ، حلاً (" للمشكلة اليهوديّة ") ،الأوروبيّة الموقع ، والإنتاج ، والمعضلة ،هو جزءٌ من التصميم الجيوبوليتيكي للمشرق العربي ،على الجسر الواصل لهذا المشرق بالجزء الإفريقي من الوطن العربي ، تماماً ،كأنظمة سايكس ـ بيكو القائمة ، وإنْ بتعديلات طفيفة . ٢ـ الكيان الصهيوني ، كيان وظيفي، وشريك ،في منظومة المصالح الدولية المهيمِنة، والطامعة بثروات العرب ، والبترول في المُلِّح من أولوياته ، وضروراته ،وبالتالي : فإضعاف العرب ، بالجملة والمفرق ، هو وسيلة استسهال النهب للثروة العربية ، وهنا تجد إسرائيل مكانها ، مصلحة وأداة : مصلحة وجود صهيوني، وأداة تمزيق لأرض العربية ، وقمع إرادة بلورة (وجود) كيان عربي ، نقيض ، ومتناقض ، بالضرورة مع الكيان الوظيفي المزروع ، ومع المصالح الكولونيالية ، قديمها والجديد .وأزيد : هذه الدّول العرجاء الكسيحة المسنودة ،كيانات قلقة ،لامستقبل لها ، إلاّ الزوال، وهي زائلة : إمّا إيجابياً باتجاه حركة التاريخ المستجيب لإرادة الأمّة وكيانها ، أو سلبيّاً نحو تفتيت المفتت ، وتجزئة المجزأ،لعوامل لامجال لاستعراضها ، فالدعم الخارجي الذي تلقاه من قوى الهيمنة ، مرهون بالحاجة إلى دورها الوظيفي ، الزبائني التابع ، وبتحولات موازين القوى ، على مسرح الفعل الدوليّ ، وبوادر تغيّراته ليستْ في الأفق للامرئي ، في زمن الأنترنيت وسرعة الضوء ، ومصير الكيان الصهيوني كمصرها ،مربوط قرين .٣ـ (إسرائيل) ،كما أنظمة (حكم الأمر الواقع) ، الأنظمة الإقليمية ،على التراب العربي ،بمخافرها الـ (٢٢ ) ،بتواريخ ميلادها المتوالية، اللامباركة، هي بالمحصّلة ، نتيجةٌ ـ مُعطى لما يسمى : " استقلالات دول عربية " في إطار حقائق موازين قوى لدول استعمارية مهيمِنة، فرضت نواميسها عصبة الأمم ،ووريثتها:منظمة الأمم المتحدة ،وتوابعها)،ومصالحها، والتزاماتها ، ومنها (وعد بلفور) الشهير ،وبالتالي تكوّن لدينا هذا : النظام الإقليمي (اللاعربي)ـ السايكسبيكوي ـ البلفوري الصهيوني ، المتكامل تصميماً ونشأة ، ولادة ورعايةً، ومسارتطورٍ موضوعي التكامل . بناءً على ماتقدّم ، تبرز الحقائق ـ النتائج التالية : ١ـ النظام الإقليمي (اللاعربي)ـ السايكسبيكوي ـ البلفوري الصهيوني ، لم ، ولنْ ، ولا يمكنْ أنْ يدخل في تناقض مع طبيعته ، ووظيفيته ، ففي ذلك بداية نهايةٍ لوجوده اللامشروع ،ومشروع ولادةٍ لبديله الوجودي الشرعي: الكيان العربي المجسّد للتطلعات المشروعة لأجيال أمّة العرب ، وما محاولة كسر قواعد اللعبة ، بقيام (الجمهوريّة العربيّة المتحدة )المعلنة في ٢٢ شباط ١٩٥٨، على يد (مصر ـ عبد الناصر ) ،والجماهير العربيّة الوحدويّة ، وأحزابها القومية ( خاصة حزب البعث العربي الإشتراكي ) في سورية ، في هجومٍ وحدويٍّ مضاد لمشاريع الهيمنة، والأحلاف المرتبطة بالمشاريع الكولونيالية الغربية ( النقطة الرابعة ، والحلف المركزي ، والإسلامي و... و... و ) ، إلاّ تعبير عن إرادة القوى الحيّة لأجيال أمّة العرب ، الرافضة لكيانات سايكس بيكو ـ ، وما قتْلُ دولة الوحدة، بمسرحيّة الانفصال الجريمة في٢٨ أيلول ١٩٦١ إلاّ تعبير أيضاً عن شراسة المعركة ، بين أمة العرب وأعدائها ، في الدّاخل والخارج ، وعدوّ الدّاخل ،قبل عدوّ الخارج .ولذلك نرى باستمرار تكالب قوى الهيمنّة ، وتُبَّعِها ، واستنفار كل أدوات الإعاقة والتخريب والتشويه ،بمواجهة كل بارقة أمل ، أو موقف مشرِّف، أو إنجاز تحققه القوى الحيّة في أجيال أمّة العرب ، وموقف هؤلاء ، وسفور استشراسهم، بأمرٍ يوميٍّ كولونديزاويٍّ ، على المقاومة ، والموقف العربي السوري القوميّ ، الداعم والشريك ، أثناء عدوان تمّوز 2006 ، لدليل جرم مشهود ،تام الأركان ، بلا حتى محاولة إخفاء أداة الجريمة ، لإبقاء ستر ورقة التوت ، لكنْ حتى هذا ،لم يعُد مهماً كما أظهرت أفعالهم الوقحة، قبل اقوالهم الفضيحة .٢ـ لم يطلب نظام اقليمي واحد، مجسد لوظيفة إقليمه واقليميّته ،يوماً ، تحرير فلسطين فعليّاً ، أو شارك في إرساء استراتيجية ـ هدف ( تحرير فلسطين) ، بل كان النظام البورقيبي ، أصدق الحكام الإقليميين ، حين دعا رأسهُ ورئيسهُ ، الرئيس (الحبيب بورقيبه ) إلى القبول بقرار التقسيم ، أمّا في سورية ،ومصر في بعض مرحلة المدّ القومي ، ففلسطين شكلت، وتشكل رافعةً لمحاولة نهوضٍ قوميّ ، واستنهاض إرادة عربيّة في السمت ،من أهدافها الوحدة وتحرير فلسطين ، وهما هدف واحد لا يتبعّض ، ولا يحتمل قسمة ولا اقتسام .٣ـ إنّ السياسات الرسميّة للنظام الإقليمي ، وخاصة عبر قرارات تجمعه الكسيح ( جامعة الدول العربية ـ البريطاني الفكرة ) ، وتلك الصادرة عن ( مؤسسة القمة العربية ) فقد أفضت إلى التنصل من كل موقف ، أو التزام بتحرير فلسطين ، خاصة بعد قمة ١٩٧٤ ، التي أقرت لمنظمة عرفات ( منظمة التحرير الفلسطينيّة ) بحصريّة التمثيل للقضية الفلسطينيّة ، كممثل شرعيّ ووحيد ، وفي ذلك ، ليس الحكم على الوسيلة ( منظمة التحرير) بالعجز والعقم ، كأداة إقليميّة ،عاجزة لألف سبب ،وفي اولها: إقليمية إمكاناتها ،ووجودها على أراض سلطة أقاليم لن تقبل لها شراكة في سلطانها ،عن تحقيق تحرير فلسطين ( الهدف القومي ) ،المستهدَف صهيونياً ـ امبريالياً بذات الرؤية والتعريف ، بل همّشتْ ،ونفت عن فلسطين ونكبتها ، البعد العربي القومي ، وحجّمته إلى (قضية عدالة ،ومأساة إنسانية ) في الجوار ، تستحقُّ التأييد الخطابي والإعلامي ، والمساندة الممكنة ، لكنْ لا الإلتزام المقاوم ، ولا المالي المخصص الدائم ، بل بما تجود به عطايا المحسنين!! ، وما الغرابة ؟ فالقضيّة بالنسبة لهؤلاء ، لتعيس فهمهم ، لوظيفيّة أنظمتهم ،لمصالح عروشهم ، وبنوكهم ، وكروشهم ، أصبحت قضيّة لاجئين ! ، لا حقوق أمّة عربيّة ! ، ولا تشريد جزءٍ من شعبٍ عربي! ، ولا اغتصاب للقلب من التراب العربيّ ! ، إنّها قضيّة الإنتماء المزيف لهؤلاء ، ولإيديولوجيا أوطان مصطنعة على يد سيدهم المستعمر ، راعي ( اسرائيل ) وحاضنة وجودها ، بعد إذ كان ( القابلة اللاقانونيّة ) لولادة الإبن السفاح .٤ـ أمّا المنظمات والأحزاب القومية ، بتقدميتها وتقليديتها ،بعلمانيتها وغيبيتها ، من وصل منها إلى استلام سلطة في دول الأمر الواقع ، أو من صارع ويصارع لاستلامها ، فالجميع لم يقدّم لفلسطين مشروع (تحرير ـ هدف) قابل للتحقيق ، بل استثمر ،ـ في الغالب الأعم ـ ، قضيّة فلسطين لأغراض سلطانه ، لخدمة دعويته ،ودعاويه ، وتسفيه خصومه المنافسين لمطامحه ،بمساهمةٍ غالباً ، من فصيل فلسطيني ، متواطئٍ ـ عميل ،أومقتنعٍ ـ شريك ، أو مضطرٍ بحكم التواجد اللوجستي خارج تراب فلسطين .وإذاً فالحرب على فلسطين ، أشرسها ،مصدره هذا "النظام الإقليمي (اللاعربي)ـ السايكسبيكوي ـ البلفوري الصهيوني " الذي يعمّدُ وجوده ، كل صباح ، بدم النكبة القوميّة في فلسطين ، منذ تصميمه الجنيني ، وحتى قبل رؤية ابن السفاح ضوء الشمس ، ونور القمر ، بكل مالديه من امكانيّات هو عدوّ فلسطين ـ القضيّة القوميّة ، هو عدوّ كلّ منتمٍ إليها بهذا المعنى ، عدوه بالمال المسروق ، باعلامه الموجّه ، بفنّه الهابط ، بايديولوجيات الحرب على المفهوم القومي،وتسقط عثراته وانتكاساته ، بالمناهج التربوية المعدّلة وفق مقتضيات مصلحة السيّد ، الإنكليزي بالأمس ، والأمريكي ـ اليانكي اليوم ،حملة تشويه عقول وحقائق ومفاهيم تُصرف عليها ميزانيّات فلكيّة بترودولارية ، وشعب عربي يموت جوعاً في غزّة والصومال والعراق والسودان ، في حملة إبادة للجنس (العربي) ، قتلاً بالحصار، بالتهجير ،بالجوع ،بالذُّل ، بقهرالإحتلال ، وبأصوات النّشاز !!!! والدكتور (عزمي بشارة) يتحدث عن مزاج شعبيٍّ عربيّ ، يقول : (فلا شك أن المزاج الشعبي العربي العام الذي يرنو إليها، ويتوق لها، وينفعل لأخبارها هو مزاج موحد... لا ينفصل فيه الإسلام عن العروبة عن الموقف الوطني ) ، في تجاوزٍ إرادويٍ لكل ماساقه قبل قوله ـ الأكيد من معوقات إرثية،وخلافات حدّيّة صراعيّة، واختلافات هويّة ( لم تكن هذه التيارات المقاومة ظواهر موحدة، وهي ليست موحدة الآن. والأهم من ذلك أنه حتى مجتمعاتها الوطنية غير مجمعة عليها. فالخلاف ينشب حولها في مجتمعاتها المحلية أساسا كتعبير عن الصراع السياسي في هذه المجتمعات. ويكاد الخلاف على المقاومة في هذه المجتمعات يتحول إلى تعبير عن هويات ثقافية أو سياسية أو طائفية، أو يستخدمها. ) ، أولستَ متفائلاً قليلاً يا دكتور عزمي ؟ ومأخوذ بمزاج اللحظة لمجموعةٍ تنتمي إليها ؟ خاصةً في ستخلاصك ـ الوصيّة ( ربما بدا ما نقول وصفا لمزاج يبدو بلغة العصر وصفا غير عقلاني لحالة هلامية، ولكني لا أقترح على أحد الاستخفاف به.) ، أتمنى مشاركة الدكتور عزمي بشارة ، التفاؤل، والإستنتاج ، واليقينيّة ، ولكنْ ما أراه فهو أمزجة ، لكلٍ منها شارعه ، وشرعيته ، وأهله ، فالمزاج المؤيد للمقاومة هو ذاته الذي عاضدها ، وشاركها ، وتماهى بها ، بل هو مزاجها في تصدّيها للعدوان الصهيوني في تموز ـ آب 2006 ، وهو الذي عبّر عن انتمائه وفرحته ،في عيد تحرير جسامين الشهداء ، أسرى المقابر الرقميّة منذ سنوات وعقود ، بالمقابل هناك مزاج الذي رأى في أسر الجنديين الصهاينة ، في 12/07/2006 ، حماقة ،ومغامرة ، وأصّر، رغم البراهين،على أنَّ العدوان مبرمج أمريكياً ، و" إسرائيل " أداة تنفيذ ، بل أكثر من ذلك ،لم يغادر ،أصحاب المزاج إيّاه ، مائدة ، قابلة الشرق الأوسط الكبير ، التي بشّرت بولادته (كوندوليزا رايس ) ، وقدّموا الشاي احتفالاً ،في ثكنة (مرج عيون) ، لأبطال تنفيذ مشروع (الشرق الأوسط الكبير ) ، ولم يتردد "كبيرهم" في إطلاق توعدّه ـ الوعيد بالحساب ، وسوء العاقبة ، ولمن ؟ لرجال عاهدوا الله والوطن ، وتحت جنون نار العدوّ الوجودي للبنان ، ولأرض وأمّة العرب ، وعِيدٌ ،قرارهُ تبين في موقف أنظمةٍ عاضدت المعتدي، وبررت عدوانه ، وإني لأعجب ممن يتفاجأُ بمواقفها ، أو ينتظرُ منها غير ذلك ، سلطاتُ النظام الإقليمي (اللاعربي)ـ السايكسبيكوي ـ البلفوري الصهيوني . ثم إنَّ المزاج آنيٌّ ، لا عقلاني ، لا تفسير معيّن له ، ارتكاسيّ في الأغلب الأعم ، لظرف تختلف تأويلات بواعثه وحيثيّاته ، ربّما بهذا المعنى أتفق مع (الدكتور عزمي) بعدم الإستهانة به ، قوة اندفاع هيجان عواطف وأحاسيس لا عقلانيّة ، غريزية ربّما ،وبذلك فتوظيفها ، يحتمل الشيء ونقيضه ، وفق جمهورها ، وشارعها ،وايديولوجيات أهلها الذين صلّبوا هلاميّته ، في ماديّة فعل بنّاءٍ ، أو كارثيٍّ هدّام .أمّا فيما خصّ حماس ، موقفها والموقف منها : إنَّ الدكتور بشارة لم ينصفها ـ حسب رأيي ، وكما استطعتُ الفهم ، فربّما أنا مخطئ ؟ !! ـ فلقد اختزلها في التقييم النهائي إلى السلطة المحاصَرة، المجوَّعة في غزّة ،المتواضعة تدرجيّاً في أهدافها،لتصل إلى الحفاظ على السلطة ،ربّما، كهدف ممكن ؟ بل أكثر من ذلك ،إلى تجريدها من الأفق السياسي !! وفي ذلك قصور تحليلي ، فحماس ليست حبيسة غزّة ، فهي في عموم فلسطين ،وعلى امتداد الشتات الفلسطيني ، وقيادتها السياسية في (دمشق ) ، وأكثر من ذلك ، فالدكتور عزمي يقع في التناقض حين يقول : (وتتحدى طريق التسوية غير العادلة بعد أوسلو.) ، بماذا تتحدى ؟ وكيف تتحدّى إنْ كانت كما تراها بلا أفقٍ سياسي ؟ لكنْ حسب معرفتي المتواضعة : هدف حماس : تحرير فلسطين ،وهو الأفق الذي تسترشدُ به ، إلاّ إذا كان وراء الأكمة ماوراءها ، مما لاعلم لي بهِ ، وتعلمهُ ، والعلم عند الله ؟ !! . أمّا فيما خصَّ ثقافة المقاومة ، ومقاربة الدكتور عزمي لها ، يقول : ( لا شك أن المقاومة كحركة إنسانية هي اكثر من فعل ورد فعل فيزيائي ) ،( ولكنها اكثر من ذلك ايضا، لانها ليست مباشرة بل متوسطة تمر عبر الفكر والعاطفة والتنظيم الاجتماعي وغيره.) ، ( ولكن المقاومة ليست ثقافة مميزة ومحددة ) ، ( بل هي موقف وممارسة ) ،( متحولا الى مكون ثقافي على مستوى الهوية وتعريف الذات ) ، مع كلّ ذلك يصل الدكتور بشارة إلى استخلاص قطعيّ ، مرتبك ، بل مناقض لمقدماته : ( ولكن ليس هنالك بالضرورة ثقافة سياسية محددة هي ثقافة المقاومة ) ؟ !! معتدّاً بالقرينة التالية : ( فقد ثبت أن المقاومين يحملون ثقافات سياسية مختلفة ومتناقضة. وقد شهدنا في التاريخ مقاومات حملت ثقافة قومية، وأخرى يسارية، وثالثة دينية، وحتى مذهبية. ) ، إنْ دلَّ ذلك على شيء ، فعلى الرؤية الإيديولوجية التي يصدرُ الدكتور عزمي بموجبها ، قطعية أحكامه ، وأحاديّة المنهج ( سلم تصحيح الإمتحانات ) الذي يستخدمه ، مطلقاً من الزمان والمكان ، كليّ الصواب محدده ، وهذا لا يختلف عن قطعيّات الأديان المنزلة، وأحكام فقهائها ومفسريها، مع فارق أنَّ الأديان من عالم الغيوب ، أمّا الدكتور (بشـارة) ففقيه بمنهجٍ بشري الإستنباط ، وكتابه ايديولوجيا وضعيّة ، وستبقى كذلك ، نقدها مباح ، ورفضها اختيار ، بلا خوف من التكفير ، ولا عقوبة المرتد ، بلى يوجد ثقافة مقاومة من الكلمة ،إلى الأغنية ،إلى الفن بأشكاله ،إلى الموقف ، من سلبية الإضراب عن الطعام ،مروراً بسيرة غاندي ،وصولاً إلى حمل السلاح ، وحتى الأبسط ـ الأصعب : كلمة الحق أمام سلطانٍ جائر ... أمّا إعطاء المقاومة بعداً إيديولوجياً محدَّداً في لحظة اشتباكها ، والاشتراط عليها في رؤية مستقبلية انتصارها ،إنْ تحقق ، وكيفية اقتسام مغانم الإنتصار !!، فهو وضع للعربة أمام الحصان ، و عمل إعاقة مضاف ،على كاهل المقاومة ، فمن يستطيع الجزم بشكل المجتمع المنتصر ودينامياته ؟ من يستطيع قراءة حقيقة التحوّلات ونتائجها ؟ في زمن مختلف ، بمعطيات مختلفة ، ربّما مناقضة تماماً ، على الأقل بخلوّها من العدوّ المندحر ، أشتم في شرطيّة الإنتماء لثقافة المقاومة في الميدان ، رائحة عدوى بعض ( دكاكين النضال) التي كانت وما زالت عالية السقوف في ضجيجها ، وفعلها في خبر كان ، بالتأكيد ليس ذلك غمزاً من قلم الدكتور عزمي ، الذي أحترم فيه الإنسان المناضل ، القومي العربي " الناصري " ، لكنني أخاف العدوى ،و(فيروسات) نضالاتها التنظيرية الإحتفالية ، وإننا بشر . تبقى نقطة أخيرة ، وقد أطلت ، بالتأكيد إن قضية فلسطين ليست قضيّة تحرر وطني ، وما كانت يوماً ، إنها قضيّة تحرر قومي عربي ، نوعيّة المنطلق، والأداة ، والهدف ، غير مسبوقَةٍ فتقلِِّد ، ولا منجزَةٍ فتُوَّلِّد ، هي قضيّة مختلفة عمّا سبقها من قضايا الحريّة والتحرر ، ربّما أدليتُ فيها بمساهمةٍ متواضِعةٍ ذات يوم ، آمل ألاّ يكون بعيد .
يادكتور منير: اترك لنا بصيص أمل !!!!!!!!، حسناً فليكن بينك وبين الدكتور عزمي بشارة اختلاف في وجهات النظر ، حلوُّها بينكم ،معشر،المثقفين ،اعملوا ندوة حوار مثمر ، لكنْ لا تجعلوا من كل اجتهاد منبر اتهام .القراءة الصحيحة بشجاعة18:16:09 , 2008/08/01 ابن البلديسلم تمّك يا دكتور منير ، قارئ بجد أنت ، قبل أنْ تكتب وبعده ، كبير الدكتور المناضل عزمي بشارة ، لكنْ صدقاً وجدت نفسي غير متفق معه في عدّة نقاط ، شكراً لك ، كأنك في قلبي ،و شكراً لشامبريس ، يبقى سؤال ، هل تعتقد أنَّ الدكتور المناضل عزمي بشارة قد أنصف المواطن العربي ؟
بخصوص القضية الفلسطينية18:32:58 , 2008/08/01 ماركسي منفتح:
تتلمذتُ على الخطاب القومي في اعتبار قضية فلسطين قضية العرب المركزية ، وعاينت واقع ممارسات أنظمة ،وقادة سياسيين ،لم تكن فيها فلسطين لامركزية حتى ولا من الأولويات ، وجدت في الفهم الماركسي ومنهجه التحليلي ، أنّ قضية فلسطين هي قضية تحرر وطني ، ونضال طبقي ، وجبهة مواجهة متقدمة لقوى الإمبريالية ، وكان ولا زال يثير حيرتي الإعتراف السريع من قبل الإتحاد السوفيتي السابق بإسرائيل ، ربّما أجد جواباً في مساهمتك الموعودة قريباً ، شكراً لك .
ما ****18:59:57 , 2008/08/01 قارئ منزعج:
يا دكتور منير تبحث عن الخلاف حتى مع الدكتور عزمي بشارة المناضل المُشّرد ،شو بدّك ؟
هذا المنتدى القومي العربي.19:14:51 , 2008/08/01 فهمان:
أليس هو نفسه الذي انعقد في بغداد لدعم العراق ضد الحصار،طبعاً مجاناً ؟ يظهر أنّ خطابه تحول إلى موضة الديمقراطية ، ما الأمر ؟ هل هو تطوّر طبيعي ؟ أم مصدر تغطية المصاريف قد تغيّر ؟ ما عدت أصدق أهل التنظير ،فقد قال الشهداء كلمتهم ، وما عداها ،لعي ومضيعة وقت .والسلام
ثقافة المقاومة19:23:41 , 2008/08/01 حنّا ماضي :
فعلاً عجبت كيف ينفي الدكتور عزمي بشارة وجود ثقافة المقاومة ، لكن نقد الدكتور منير القوي أوضح لماذا ،شكراً لك ، وللدكتور عزمي بشارة ،شكراً شامبريس
أكره الوحدة19:57:37 , 2008/08/01 سجين في منتهى السعادة:
أحبّ النظام الإقليمي (اللاعربي)ـ السايكسبيكوي ، وأنا سعيد بسجونه الـ bb وأطالب برفع جدرانها ،خاصة مع لبنان سعد الحريري وتياره ، مع لبنان السنيورة ودموع التماسيح ،مع صاحب ديوان العدل سمير جعجع وقواته ، ومؤتمراته الصحفية وتحليلاته ، ومع وليد جنبلاط ،الكذاب باعترافه لمدة be سنة ، فقط لا غير ،وتعمير الطاسة ،وتاريخ نضالاته وتقلباته ، يا دكتور منير اتق الله فينا ، جماعة صرعوا الدنيا بعنصريتهم ،وبجنون عظمتهم ،حمّلوا الربّ ( منيّةْ وجْميلةْ ) أنّه خلقهم ، فهم حجّته ، وشاهد خلقه البديع ، الكامل المكمل ،وبرهان وجوده (أستغفر الله) على العالمين ، وخاصة السوريين ، هم في لبنان "السيّد الحرّ المستئَل" ،وراسنا منهم ( شوي وشويات) ،ناقصنا وجودهم بينا ؟ أنا سعيد بسجون سايكس بيكو ، والله يديمها نعمةألف... باء... سياسة...
04:58:05: , 2008/08/02 مبتدئ:
يبدو أنّني في خريف العمر " عمري fb سنة " مضطر لمراجعة المفاهيم والقناعات !! ، لماذا الوضوح والبساطة غطته الضبابية والضجيج ؟ هل ذلك مقصود ؟ وهل بعد ذلك يُشكُّ بالمؤامرة ، ومن كل وجهة ، على مصير أمّة العرب ؟ وأخصُّ أُميّة المثقف المقولب ايديولوجياً ، في ظهراني أمّة الضاد النكوبة .
كتابتك ليست لي12:42:15 , 2008/08/02 محتّج مانو مسموع :
يا دكتور منير ،عسير عليّ اسلوبك ، يبدو أنكَ تكتب (للنخبة) ، ولستُ منها ، شكراً لك على كل حال ، أرجو أن تنتبه للغتك المعقدة غالباً ، بسطها أحسن .
وقفة حوار "ثانيّة" مع المفكر العربي الدكتور عزمي بشـارة حول بعض ما جاءهُ في محاضرتِه :
(المقـاومـة والنهـوض الـعربـي)...// مقالة رديفة من وحيِّ القرّاء المهتمّين// :
بقلم د . منـير القـوي
وقفة حوار "ثانيّة" مع المفكر العربي الدكتور عزمي بشـارة حول بعض ما جاءهُ في محاضرتِه :
(المقـاومـة والنهـوض الـعربـي)...// مقالة رديفة من وحيِّ القرّاء المهتمّين// :
بقلم د . منـير القـوي
وقفة الحوار مع المفكّر ،والعربيّ المناضل ،الدكتور (عزمي بشـارة) ،وإنْ توجهت إليه ، إلاّ أنّها بالقطع لا تحملُ سمة الحصريّة بمعنىً ما ، ولا قالب الخصوصيّة بشكلٍ ما ، إنّها لكل مهتمٍّ بالموضوع ـ الأصل : (المقـاومـة والنهـوض الـعربـي) ،فإليه تَوَجّه صاحب المحاضرة الدكتور ( بشـــارة ) ، وإليه توجّهتُ سياقاً واتساق ، من فهمي المتواضع هذا ، أجدُ وقفة الحوار تتموضع حيث يجب ، وتستدعي بالتداعي ، استدراكاً ،ومحاولة إتمامٍ ـ ما أمكن ـ ، مدعوٌّ إليه أنا ، أمام مساهمات المعلّقين ، وما أوحتهُ آراؤهم ، وتطّلبتهُ بعض تساؤلاتهم ، في إغناء حوارٍ ، ابتدأ وقفةً ، لينتقل بمنطق تطوُّره ، إلى شبه منتدى ، مرسحه موقع شامبريس المتكرّم ،المشكور ، وللتبسيط والوضوح سأحاول محاورة كلّ مساهم ، احترامًا لدلوٍ أدلاه ، ومحاولةً تأطّيرٍ بحدود المنتظر ـ ربّما ـ من غائيّة الحوار . فإلى المشاركين : ١*المشارك :أستاذ ( تعليق : الأمر بالمعروف ) : نعم بيني وبين الدكتور ( بشـــارة ) اختلاف في وجهات النظر ، لكنّه لا طابع شخصيٍّ له ، تماماً كاختلافي معك الآن ،سواء في تشخيصك طبيعة الإختلاف ، شخصنتهُ ، أو حصريّة الحلِّ بقطاعٍ بعينه (معشر،المثقفين) ، أو في النفي القاطع لِما ذهبتَ إليه من استنتاج ـ حكم ( لا تجعلوا من كل اجتهاد منبر اتهام ) !!. فلنحاول أن نكون لبعضنا متفهّمين ، ببعضنا رُحَماء !!٢* المشارك :ابن البلد ( تعليق :القراءة الصحيحة بشجاعة ) :إجابتي على تساؤلك ـ السؤال : هل تعتقد أنَّ الدكتور المناضل عزمي بشارة قد أنصف المواطن العربي ؟ ستكون ختاماً لوقفتنا هذه ، سؤال في وقته ومكانه ، استدركَ ما سهوتُ عنه ، أو ما لم تتسع له وقفة الحوار الأولى مع المناضل عزمي بشارة .٣* المشارك :ماركسي منفتح ( تعليق :بخصوص القضية الفلسطينية ) : اتفاقنا عفوي بما عرضته عن الخطاب (القومي) ، والأقوم: القوماوي ، سطحيته ، وفجاجة جعجعة طواحين بؤسه ، نفاقه وذرائعيته، واستثماره الإنتهازي ،وتعيُّشه من بائر تجارته بالألم القومي ، في الجرح الصديدي الفلسطيني المزمن . وأمّا الفهم الماركسي ،ومنهجه التحليلي ،في رؤيته للقضية الفلسطينيّة ، ومنه : الإعتراف السريع من قبل الإتحاد السوفيتي السابق بإسرائيل ،فحديث ذو شجون ، طويل بمنحنيات وتعرجات ، بمحطات وتراجعات ، بمراجعات وانشقاقات في الحركة الشيوعية (على الأرض العربية) ، ولا يمكن تسميتها بالعربيّة ، إلاّ بعض فصائلها التي تمايزت في موقفها عن الموقف الستاليني في رفضها قرار تقسيم فلسطين عام ١٩٤٨ والذي قبِله الإتحاد السوفيتي، وساهم به ،ودعمه ، وبالتأكيد لم يكن الحزب الشيوعي السوري ،بقيادة الرفيق بكداش بينها ، بل كان بحماسةٍ في الصف الستاليني ،وبراغماتيّة دولته، التي لم يرها الماركسيون المقولاتيون، المؤمنون الكتابيون ،الإيديولوجيون المُسَلِّمون ،الغيبيون اللاعلميون، رغم ضجيج الدعوية ،والمعياريّة المدّعاة للمنهج الديالكتيكي العلمي،(الذي لاينطق عن الهوى ،"أستغفر الله" ) حسب زعمهم ،ودقّة الماديّة التاريخيّة، في تحديد المسارات المجتمعيّة، وسيروراتها الحتميّة الوجوب ؟!!،كلّ تلك الترسانة الإيديولوجيّة ،لم تمكِّنْ شيّوعيو المنطقة العربيّة ،أنذاك ،من رؤية الواقع في منطقتهم، وحجم النكبة ـ الجريمة ،بل الألعن أنّ بعض المنظِّرين رأى في المهاجر اليهودي إلى فلسطين طليعة بناةٍ ،لمجتمعٍ اشتراكي، بكيبوتزاتة، ومستوطناته، ومجتمعه التعاوني !! لم ير هؤلاء ، أنذاك ،حقيقة مصلحة الدولة الستالينيّة ، ورددوا كالببغاوات خطابها الإيديولوجي ،وحتى عندما أقرت الحل " التاريخي" للـ (مسألة اليهودية) الأوروبيّة ،استمراراً لتفاهمات (مؤتمر يالطا) بين المنتصرين، وساهمت فيه ،في حلِّ مشاكل ومخلفات ماسُمِيَّ بـ ( الحرب العالميّة الثانيّة ) ،والمنطق أنْ تُسمى (الحرب الإمبرياليّة الثانيّة) حتى ولو كان ساحها كلَّ الكون وفضاء اته ، لم ير الرفاق الموسكوبيون، أنذاك، ذلك ، فتموضعوا نقيض مناخات مجتمعاتهم ،ولصيق معناتها، فخسَّروها واتُهِموا ، وأخطؤوا بحق أمتّهم، التي بوجودها شككوا ، بل لهُ أنكروا ، وبذلك نكبة شعب فلسطين لم تعنهم ،فلم يروا ، وكانوا قوماً من المخطئين ، حتى لا أقول أكثر .... ولذلك فحتى عندما قدّموا أنفسهم ثوار تحرير فلسطين ، لم يفارقهم قصورهم المفاهيمي الإيديولوجي، ولا كلالة منهجهم التحليلي ( الديالكتيكي العلمي ) ، فلم يتجاوزوا كلاسيكية المقولة الماركسيّة ،قضية فلسطين (قضية تحرر وطني ، ونضال طبقي ، وجبهة مواجهة متقدمة لقوى الإمبريالية ) ، سبحان الله ، ذات المشروع يتطوَّر عكساً ، أو بأعجوبةٍ ،يعكس التطور وحتميّاته ، من نواة مجتمع تعاونيٍّ اشتراكي إلى قاعدة متقدّمة للقوى الإمبرياليّة ! ! ! إذاً عاشت الماركسيّة وأسفار علميّتها ... وإلى مزيدٍ من انتصاراتها الحتميّة ، حتى في حيازة قصب سبق الخائبين !!! وبالتأكيد لستَ من هؤلاء يا صديقي ، أقلهُ : لاستهجانك الدور الستاليني ، فلستَ كتابيّاً مقولاتيّاً ، بل كما تقول من المتفتحين . ٤* المشارك :قارئ منزعج ( تعليق : ما **** ) : أولاً ،لا يوجد خلاف ، ولستُ عن ذلك من الباحثين ، ففي الحياة أشياء أهم ، أجملها " برأيي" تلاقي البشر المختلفين حتماً ، وثانياً ، أنَّ الدكتور (عزمي بشـارة ) مُشـرَّد ، فإننا جميعاً شركاؤه في " نعمته " ، كلُّ عربيٍّ محرومٍ من الإنتساب إلى هويته العربية ، محكوم بالنفي والتشرد ، كلُّ عربيٍّ ممنوعٍ من الإنتماء ،وحصريّاً ،إلى أمته العربيّة ،وقضايا إنسانه العربي ،وبالمِحْرَق منها قضية فلسطين، هو سجين وأسير، ومخلوق مُهَرَّب ببطاقة مزوّرة اسمها بطاقة شخصيّة ( عددها المضبوط : ٢٣ ، بإضافة واسطة عقدها ، تلك "الإسرائيليّة" التي أُجْبِرَ على حملها الدكتور عزمي بشـارة ) ،إذاً التشرُّد فقد ميزته ، وتميزه ، بتعميم " نعمته " على الإنسان العربي ، ذو الحق الأساسي المصان ،وبحكمٍ اكتسب الدرجة القطعية ،في : السجن ، والتشرّد ،والأسر ، والنفي الداخلي والخارجي ، والغربة "في الوطن ،وفي الذّات" ، وفي إلغائه جسداً وروح ، وفي انكاره أمّة وفرد ، وله الحق " الطبيعي " في المتلازمة الثلاثيّة : ""الفقر والجوع والمرض"" ،وله حقّ الموت قهراً ، وفطيساً إذا أراد !!!أبعد كلّ هذا تراني أبحثُ عن خلاف ؟ وهل لديَّ الوقت ؟ أمّا العمر فمفروض عليّ ولم أُسْتّشَرْ ( لبستُ ثوبَ العيشِ لم أُسْتّشَرْ..... ) .٥* المشارك :فهمان ( تعليق : هذا المنتدى القومي العربي.) : نعم هو نفسه الذي انعقد في بغداد لدعم العراق ضد الحصار،و المُلفتُ للنظر :توالي الخيبات التي تعقبُ انعقاده !!، وغالباً استدعاءً لأنظمة بعينها ، تُكثر الضجيج القوماوي ، وتُحجم عن العمل القومي ، أمّا تغطيّة مصاريفه : فلم أشارك به ،وككل عربيّ عادي أشارككَ السؤال ، وأمّا تطوُّر الخطاب فلا أراه ،وإنْ كانت المقبلات تتبع المواسم ،ويبقى أهلُ التنظير وضرورتهم ،فالآراء فيهم متباينة ، وهم في كلّ العصور والأمم ، وسيبقون .٦* المشارك :سجين في منتهى السعادة ( تعليق : أكره الوحدة ) : مساهمتكَ أيّها المتألّم رسالة بالبريد المضمون ،مع إشعارٍ بالإستلام، للدكتور المناضل (عزمي بشارة ) ،تؤكّدُ وجود أمزجة متعددة،لامزاج واحد،ولو أضيف إليه وصف (العام) ،باعثها لحظة انفعال ،آنية هي ،لاعقلانية هي ، وتحتمل في ترجمتها أفعالاً في كلّ اتجاه ،وأما الصورة البانوراميّة للبنان الذي ترى ، فأرى عكسها طردياً ، وبالمرآة ، لاتوازياً بالتلازم ، فلبنان في جوهره ،هو المقاومة التي هزمت المحتل ، وحررت التراب والإنسان ، حيّاً وميّتاً ،وأصرّت على عروبة هذا الإنسان في صفقات تبادله ، وأنكرها ،بل جرّمها ( الإقليميون ،وعربان الإعتدال ،والمطبّعون ) ،ورفاة بعض الشهداء ـ اسرى المقابرالرقميّة الصهيوية ،ناطقة ،في انتظار وصولها إلى مساقط رأسها ، في عقوبة لم يصل إلى ابتكارها الإجرامي، إلاّ بعض حكّام هذا : النظام الإقليمي (اللاعربي)ـ السايكسبيكوي ـ البلفوري الصهيوني ، وسدنته "الميامين" ، لبنان الحقيقي هو الذي أكّد على حقوق الأمّة ،بالدم الزكيّ ، ولغة المقاوم ، ولتكنْ الأمّة بكل تعاريفها : السـوريّة ، العـربيّة ، الإسـلاميّة ، فكلّها متقدّمة على الإقليميّة المصطنعة، والإنغلاق الديني المستحدَث، والتمترس الطائفي والفئوي ، الذي تراه في لبنان ، إنَّ هؤلاء لترجمة ""مزيِّفة ،مزيَّفة "" وظاهرة مرضيّة ،من ظواهر واقعٍ لاطبيعي ، مُفَبْرَك ومفروض ،على التاريخ والجغرافيا ،وعلى إرادة الإنسان في التطور ،وإنهم لزائلون ،ككل الموانع والعوائق التي تعترض إرادات الشعوب ،في الحريّة والتقدم والعيش الكريم .٧* المشارك :مبتدئ ( تعليق :ألف... باء... سياسة....) : أتفق معك 100% ، في أسئلتكَ التي تحمل أجوبتها ، وقديماً كما قيل : (العلم في الصّغر كالنقش في الحجر) ، قيل أيضاً : ( طلبُ العلم ،من المهد إلى اللحد ) ،والصين ليست ببعيدة بوجود الإنترنيت ، فكيف والتعّلم لا يحتاج الذهاب بعيداً ، بل رؤية واقعنا المعاش كما هو ؟!! ٨* المشارك :محتّج مانو مسموع ( تعليق : كتابتك ليست لي) :أعترفُ أنّها ليست المرّة الأُولى التي أُنبّهُ فيها إلى أسلوب كتابتي ، محقٌّ أنت ، وبمحبّة أجيب :(من شبَّ على شيءٍ ،شاب عليه) ،فهل تنفعُ الأصباغُ ؟ سأُحاول ،ورجائي ألاّ أكوننّ من الخائبين !! .وأعود إلى السؤال المُحّق :هل أنَّ الدكتور المناضل عزمي بشارة قد أنصف المواطن العربي ؟ والجواب ببساطة : (لا)،لأنّ المثالية التي تذهب في طلب بلورة التيار السياسي المقاوم، دون اعتبار المعوقات التي تعترضه ،تحديدها ،واقتراح الحلول العملية لها ، هي من صنف ذات القصائد العصماء المنابرية ،التي تشدُ الحضور المتجانس ، أو بعضهُ ، قد تُثير حماسهُ وتصفيقهُ استحساناً،وتُرضي مُعتلي المنبر المُحتفى بهِ ، ولكنْ تُترَك في القاعات ،حين الذهاب إلى المآدب الإعتياديّة ،في مثل تلك المناسبات الشعائريّة ، ويبقى السؤال الأهم : أينَ الجماهير المُعوَّل عليها ؟ لنجد الجواب عند الدكتور المناضل (عزمي بشارة ) ذاتيّاً نرجسيّاً، كمعظم المثقفين ، اتهاميّاً تطهريّاً ،في جلدٍ للذات ،يجيده بامتيازٍ الهاربون إلى الأمام ، والمفوهون الشعبويون ، فالنضال في سبيل الحريّة كلٌّ لايتجزأ، صحيح بالمطلق ،ومثالي الهدف مشروعه، ولكنّ مرحلية برامجيتة ، في سبيل مقاربة الحريّة ـ الهدف ،ولا أقول بلوغه لاستحالته واقعياً ، تقتضي في رأس أولوياته : رؤيةً واقعية ،علمية ،للإنسان المعني ، أداة النضال وغايته ، فلا يكفي من المثقف مطالبتُهُ ، في محيط نخبوي ، ولا تُقبَلُ منهُ لغةً رغبويةً تنظيرية ، وكلُّ ذلك مارسه الدكتور (عزمي بشارة ) وزاد عليه اتهام الإنسان العربي بالتواطؤِ مع أنظمته :( وكذلك فإن تيارا سياسيا في بلد "عربي" لا يتعرض لاحتلال اجنبي وتتلخص مساهمته ضد الظلم في بلده بالتضامن مع المقاومة في بلد عربي آخر يتعرض للاحتلال الأجنبي، ولا يجسد »ثقافة المقاومة« هذه بمقاومة الظلم في بلده، مصيره ان يتواطأ مع الظلم في ذلك البلد. فهو يحول المقاومة الى تبرير لكي لا يناضل ضد النظام بل ليطالب النظام ان يدعم المقاومة ضد إسرائيل أو ضد اميركا. وهو يعلم ان النظام لا يعادي إسرائيل وأميركا، بل يتحالف معهما. وحتى لو دعم المقاومة لفظيا نظامٌ معاد لها بعد ابتزازه شعبيا أو نتيجة لحاجة لحظية لمسايرة المزاج الشعبي العام، فإن وظيفة التيار السياسي المقاوم هي فضح لفظية هذا الدعم وتناقضه مع الممارسة وليس التحجج به ليشعر بالشراكة مع النظام ) !! يا سبحان الله لايرى الدكتور (عزمي بشارة ) ،لا السجون ، ولا مزري الواقع العربي ، ولا أنظمة الأمر الواقع وفاتك أدواتها ، يريدُ إنسانا عربياً ،متخيلاً (سوبرمان) ، وليس هذا الإنسان ،من لحم ودم ومعاناة ، والمستلب في هويته وانتمائه ووجوده ، والذي يصفهُ صراحة بالمتواطئ الخانع المقعد ،وكل ذلك بإرادته الجبروتية السوبرمانية !!!،التي يعطّلها إرادوياً وبخيارٍ حرّ !!، هكذا يظهر استعلاء المثقف ، وهكذا تنكشف نرجسيته الهشة ، وتطهريته من مسؤوليتة عن واقع هو صنع (الآخر) المخطئِ أبداً ، بمقابل ( الأنا) المتورمة ،والتي تمتلك الحقيقة ،فهي الصواب المطلق ، المحِقُّ دائماً ، إنَّ الدكتور(عزمي بشارة ) في اتهام الضحيّة بمسؤوليتها عن ساديّة جلاّدها ، لم يصفها بالمازوشية المرضيّة فقط ، بل بارتكابها التشاركي التواطئي ،فعلاً إجرامياً مداناً ،لا خُلُقياً فحسب ، ولكن بنصوص قوانين العقوبات الوضعيّة ، وهنا يمارس الدكتور(عزمي بشارة ) أقصى درجات جلد ذاته (الفردية) ، باسقاط ممارسته على الذات (الجمعيّة) التي تتفاعل معها بديناميّة لا واعيّة ،في تقييمٍ (ذات) شخصيّة انتماء مشترك، منتقصة الإحترام ،مهزوزة الثقة ، حائرة البلورة ، مترددة الإنتماء ، فهل غريب في منظومة منطقٍ كهذا أنْ تُقتلَ الضحيّة ثانية ، وثالثة ، وعشرة ، لا مرّتين فقط ؟ !! كلمة أخيرة ،أجدني ملزماً بقولها : كلمة شكرٍ للراحل الكبير الأستاذ (ممدوح عدوان )،الإنسان الكليّ ، قبل المفكر، والشاعر، والأديب، والمنتمي ، فله الفضل في السبق وتحبيذ اللغة الحواريّة النقديّة ، وبضراوة رأس المخرز حين تقتضي الضرورة ، وللعربي السرمدي ،المفكر القومي : الدكتور (عصمت سيف الدولة ) خاصة في مؤلفه :( حـوار الشـــباب الـعــربي ) الذي كانت مقارباته لكتابات كتّاب جيلنا : على السّفود ، ماتا ،رحمهما الله ، وشاخ جيلنا ، لكنَّ الشباب العربي متجدِّدٌ كلّ يوم .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق