الحلقة الثالثة :
لعلَّ سورية (إقليم الشّام)، هو السّباق إلى تحسس الأمن القومي العربي ،قبل الكيانات السياسيّة الحالية ،بقرنٍ من السنين على الأقل ، منذ وصول جيوش ( ابراهيم باشا) إلى مضيق (قونية) في جبال طوروس ، وتوقيع اتفاقيّة ( كوتاهية ) مع السلطنة العثمانية في أيارـ تموز 1833 ،الأمر الذي حدا بأوروبا الطامعة للتدخل،حيث تحالفت ضده الدول الأوروبيّة (بريطانية وروسية وبروسية والنمسة التي عقدت فيما بينها معاهدة لندن "تموز 1840م" وقضت بإجبار محمد علي على سحب قواته من بلاد الشام حتى عكا. والاكتفاء بولاية مصر وراثية لـه ولأولاده من بعده) ،صفحة طوت طموح قائد عربي الإنتماء ،ونهضة خذلها الحليف الفرنسي ،وخانها ملوك الطوائف في لبنان ـ وما أشبه اليوم بالأمس ،ويقال التاريخ لا يعيدُ نفسه !! ـ ليبدأ القرن العشرون مع محاولة الحركة الصهيونية الحصول على موافقة السلطان العثماني ( عبد الحميد الثاني ) بتسليمهم أوتسهيل بيعهم (فلسطين) ،لإقامة وطنهم القومي ،بعد المؤتمر الصهيوني الأول 29ـ31/8/1897 المنعقد في مدينة (بازل) السويسرية ،والذي دعا رسمياً لإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين ،ولكنّ السلطان ( خليفة المسلمين ) لم يستجب للمحاولة ، ليبدأ ( يهود الدولما ) بالتغلغل في مؤسسات الدولة العثمانيّة ،وخاصة مؤسسة الجيش ، والتنظيمات السياسية ،وخاصة المعارِضة لمؤسسة الخلافة والسلطان ( جمعية الإتحاد والترقي ، جمعية تركيا الفتاة )،التي أعلنت بعد خلع السلطان (عبد الحميد الثاني ) سياسة التتريك في البلاد العربية ، الأمر الذي حمل شباباً عرباً ، تحسسوا الخطر القادم على الوجود العربي ، بالحرب الطورانيّة على لغة الضّاد ، إلى تأسيس جمعيّة ( العربيّة الفتاة ) ،التي قادهم نشاطها إلى مشانق السّفاح ( جمال باشا ) في 06/05/1916 ،ليكونوا دفعة مبكرة من ثمن ( الأمن القومي العربي ) ،الذي سيدخل ،دون انتظارٍ ،في علاقته الحصرية ،بعد ذلك مع النفوذ الإستعماري الغربي المهيمن ،والوارث لرجل أوروبا المريض ( الدولة العثمانيّة ) ،ولتصبح (سوريا ـ إقليم الشّام) ميدان استباحة (الأمن القومي العربي المستقبلي) ،بتقطيع أوصالها إلى : دولة لبنان الكبير عام 1920 ،سلخ لواء اسكندرون عام 1936 ،مشاريع الدويلات (الإستشراقيّة الساقطة) : دويلات المدن ( دمشق ،حلب ) ،والدويلات الطائفيّة ( الدروز ، العلويون ) ،وصولاً إلى إمارة (شرقي الأردن) ـ المملكة الأردنية الهاشميّة فيما بعد ،وتوأم الكيان الصهيوني عند قيامه عام 1948على الجزء السوري الجنوبي ( فلسطين ) ،ليبقى من (سورية ـ اقليم الشام )،ما يعرف حالياً : بالجمهورية العربية السورية ،وليصبح النظام الإقليمي (اللاعربي) ـ السايكسبيكوي ـ البلفوري ـ الصهيوني أمراً واقعاً رغم التضحيات ،والثورات ،والنضالات ،وارادة المقاومة ،وصدق الإنتماء العربي التي أبداها الشعب العربي على امتداد جغرافية بلاد الشام ، والتي عمدها بالدم شهداء السادس من أيار 1916في ساحتي شهداء (بيروت ودمشق) ،ودم شهداء معركة الشرف في ميسلون في 24/تمّوز/1920 .وتسهيلاً للعرض ،سأحاول تلخيص الحوادث والمواقف ـ الصوى ،وتوجيزالمراحل وأوجه تمظهراتها ،(وربما سيكون مفيداً إلحاق مقال لي منشورٍ على موقع شامبريس (*) في جلاء ما عانته سورية ،والأثمان التي تحمّلتها في سبيل (الأمن القومي العربي ) ،مما يسمح بالدخول الفوري إلى العلاقات (السورية ـ التركية ) الحاليّة ،واقعها وواقعيتها ، آفاقها ،والمفهوم الأشمل للأمن القومي العربي ، ففي :١ـ ،واقعها وواقعيتها : مرت العلاقات (السورية ـ التركية ) بمراحل متعددة ،سادتها ،في الأغلب الأعم ،تجاذبات وتوترات ،بخلفيّات تاريخية ،ايديولوجية ،سياسية محاورية ،بل وتناحرية كادت تصل إلى حروب ساخنة ، قبل المرحلة الحالية من علاقات حُسن الجوار، والصداقة المبنية على حقائق الجيوبوليتيك ومقتضياته (التي لم يخترها أحد) ،ومن هنا تأخذ واقعيتها ،وعقلانيتها ، بل وكلّ بنّاء براغماتية الدول الباحثة عن مصالحها ، صحيح أنَّ اللواء السليب مازال سليباً ، ولا يفكِّرْن أحد أنَّ عربياً سورياً واحداً قبل بسلبه ، أو يقبل باستمرار الحال الشاذّة، بل يرفضه تماماً ،كما يرفض كيانات الأمر الواقع : مخافرالنظام الإقليمي (اللاعربي) ـ السايكسبيكوي ـ البلفوري ـ الصهيوني ،ولكنْ :ــ هل يفيد أهلنا في اللواء السليب (قبل خلق الكيان السياسي السوري الحالي) قطع علاقات ذوي الأرحام والقربى ،وجعل التواصل بين عرب اللواء ووطنهم الأمّ ، عبر حقول ملغمة ،وعلاقات مقطوعة ،وحدود مغلقة ،بين سورية وتركيا ؟ــ هل يفيد سورية أن تساق المياه التركية إلى الكيان الصهيوني عبر المتوسط ،وأنْ تجفف بحيرة سدِّ الفرات ( بحيرة الأسد ) بسياسات النكاية والمحاور بأنواعها ؟ ــ من المستفيد الأول من تحوُّل الجيش العربي السوري إلى جبهة شمالية ساخنة مع تركيا ، بغض النظرعن انتمائها الأطلسي، أليس الكيان الصهيوني ؟ ــ هل من الحكمة ترك الأمور ،كما رُسمت في الدوائر (الإمبريالوـ صهيونية )، أنْ تذهب سورية ـ بحماقة ـ إلى الدخول في حربٍ صهيونية بالوكالة ،تخوضها تركيا المتحالفة عسكرياً مع الكيان الصهيوني ،في حرب احتواءٍ مزدوج من نوعٍ جديد ؟ حرب تجعل الجولان وراءنا ، وتجعل تركيا أكثر تبعيّة أطلسية ـ صهيونية ، وتترك للكيان الصهيوني يداً مطلقة في لبنان ، فضلاً عن شلِّ كل فعل فلسطينيٍّ مقاومٍ لسياسات البطش العنصري ،والإستيطان القضمي الإبتلاعي المبرمج للأرض العربية .ــ هل يجوز،أوتسمح سياسة عقلانيّة مسؤولة ألاّ تأخذ في المركز من اعتباراتها ما يطبق من مخططاتٍ معلنة ،وخرائط جاهزة ،بتجزئة المجزأ ،وتمزيق الممزق ،والعراق شاهد بقيام الكيان الكردي ـ المنجزتقريباً ـ في شماله ؟ــ هل يطلب من سورية الإستسلام والمشاركة في نحرها ،وخنقها ،وحرقها ،بحزام نار معادية ،فالكيان الصهيونيّ المغتصب لفلسطين والمحتل للجولان،ونظام التطبيع الأردني ،في جنوبها ،وأمريكا المحتلة للعراق في شرقها ،ومحاولة اختطاف لبنان (أمريكوـ صهيونياً) في غربها ،وفي المتوسط (س .س. كول ) وشقيقاتها ،فهل يطلب من سورية ،أنْ تتبع سياسة ايديولوجية شوفينية حمقاء ،معادية للجار التركي ـ بغض النظرعن خلل موازين القوة ـ فتغلق الدائرة على نفسها ،لتنفذ إرادة أعدائها ،انتحاراً ،وبيدها ؟ سؤال للأصوات البائسة التي تريد تحرير اللواء السليب ،اليوم اليوم وليس غداً ، تماماً كما نادت بالأمس بتحرير عربستان في معركة البوّابة الشرقيّة المجنونة ، فتخلعت البوّابة وطارت الديار ، وارتاح الكيان الصهيوني من كابوس الجبهة الشرقية ،ومن تكرارمعركة الكرامة ،ومن ذكر الزعيم (محمود عْريْم) ،الذي كان ضابطاً في جيش عراقي حُلَّ بقرار ( بريمر) رقم (1) بعد الإحتلال الأمريكي للعراق .ــ ثمَّ أليس من الحكمة ،وعالي المسؤولية ،استثمار الوجود العربي في الجنوب التركي ،وليس في اللواء السليب فقط ،كجسر تفاهم بين أمتين ،تركية وعربية ؟ أوليس في ذلك تقوية لانتماء ذاك الوجود بعروبته ،وإشعاره بمرجعيّة هويته القوميّة ؟ ــ ثم مالفرق بين بطاقة تعريف تركية ،وتلك التي يقدمها النظام الإقليمي (اللاعربي) ـ السايكسبيكوي ـ البلفوري ـ الصهيوني لإنساننا العربي بين المحيط الأطلسي(الخائر) والخليج العربي (العاقر) ،(طبعاً عربيّاً )،ما دامت كلها بطاقات تعريف مؤقت ،إنْ بالنسبة للعربي القومي ،أو بالنسبة لصاحب مشاريع الشرق الأدنى السابق ،أو الأوسط الحالي ، أو الجديد ،أو الكبير ،أو... أو ... إلخ ، وإنها لنقطة تلاق صدفوية ،ولكن موضوعيةً تاريخياً ، بين متقابلَين عكسيّاً ،متناقضَين رأسياً ،متلاغييَن صراعيّاً ،متنافيَين وجودياً ،كإرادة قدر واجبة النفاذ ،وكأساطير آلهة الإغريق الملحمية.٢ـ آفاقها : إنّ الدولة التركية ثقل إقليمي ،صحيح أنّها مشروع دولة يبحث عن بلورة كيانه ،بين ماضٍ امبراطوريٍّ عثمانيٍّ انقضى ،ولازال له بعض دعاته النستالجيين من تيار اسلاميٍّ موجود ،وبين تطلعٍ إلى انضمام أوروبيٍّ معاقٍ بعقد التاريخ والجغرافيا ،وبين تجانس اجتماعيٍّ إشكالي بتعدد قومي وإثني ،تمظهر ويتمظهر حتى عنفيّاً، لكنَّ الحقيقة الجيوبوليتيكيّة أنَّ تركيا هي جارة سوريا الشمالية ،وأنَّ التداخل الديمغرافي ،والمعاشي اليومي، والتبادل حتى التسوقي السلعي ،والتمويني المنزلي،والعادات ،والتقاليد ،والمعتقد ،والمشاكل الأمنية شبه وحيدة المصدر وعلى امتداد كل الحدود الشمالية السورية (والعراقية) ،ومصادر المياه الرئيسية السورية (والعراقية)، أنهار : دجلة ،والفرات ،والخابور ،كلها تفرض حقائق ،وتقرر سياسات : أنّ تركيا عمق سوري يوصل إلى قلب أوروبا الوسطى والقوقاز ، وأنَّ سورية (والعراق الواحد) جسر تركيا ومصالحها، نحو العمق العربي ،ومحطة لابدّ من الإستثمار في تدعيمها، وتقوية الصلات والتعاون معها ، وفي كل مجالات علاقات الدول الجارة ،المسؤولة عن تحسين شروط حياة مواطنيها ،كهدف أسمى لكل دولة مواطنٍ :احترامهُ، ورقيهُ ،ورفع سوية معيشته ، هدف كل سياسة ، وكل خطة إنماء .٣ـ المفهوم الأشمل للأمن القومي العربي : صحيح إنَّ امتلاك الجيوش القوية يشكل ضمانة (لازمة) للأمن القومي ، حدودياً ضدّ العدوان ،وداخلياً ضدّ الإخلال بالسلم الإجتماعي ،ولكنها ضمانة (غير كافية) ،خاصة في الحالة العربية السورية ،التي يتجاوز همّها واهتمامها الأمني القومي حدود (الدولة ـ القطر) ، إلى امتداد (الوطن ـ الأمّة) : (الوطن العربي والأمّة العربية ) ،وإنّه لهم كبير ،ومسؤولية ثقيلة على دولة كالجمهورية العربية السورية ، بالغ ما بلغ الإيمان بالإنتماء العربي ، وعظيم ما عظمت الإرادة المصممة ،فحقائق القوة وموازينها تفرض محصلات معادلاتها ، ولقد كان للسياسة العربية السورية فلسفة رؤيتها ،التي تجسدت في العلاقة الإستراتيجية بالجمهورية الإسلامية الإيرانية ،بموقف متفرّدٍ ،مخالف لسياسات سلطات النظام الإقليمي (اللاعربي) ـ السايكسبيكوي ـ البلفوري ـ الصهيوني التي تضامنت مع الحرب الصدامية المجنونة ،على النظام الذي أقامته الثورة الإسلامية الإيرانية المنتصرة ،على أنقاض النظام الشاهنشاهي الوظيفي ـ الزبائني المعادي لأمّة العرب ،والصديق الصدوق للكيان الصهيوني ، وكان ذلك من طبيعة الأشياء ، فهذا النظام لايمكنه أن يكون ضد نفسه ودوره ،مما أصبح جلياً في موقفه من العدوان الصهيوني على لبنان صيف عام 2006 ، وبلا ورقة التوت ،ولا برقع الحياء الخادع . بذات الفلسفة وذات الرؤية الإستراتيجيّة ،وفي استمرارية حمل مسؤولية الهم القومي العربي ،بادرت السياسة العربية السورية إلى التواصل مع الجار التركي ، لا بعُقَد العلاقة مع العثماني وجرائمه ، وهي ثابتة مثبتة ، ولا بنسيان اللواء السليب ،وهو كذلك ،ولا باشتراطٍ على سياسات وتحالفات تركيّة ،تعرف أنّها ليست في موقعٍ آنيٍّ يسمح لها بالفرض في مجرياتها ،فضلاً عن احترام سيادة الدولة التركية ،وخياراتها النابعة من مصالحها ، التي يعود لها وحدها حقُّ تقديرها، لكن بتطلع إلى المستقبل ،إلى المصالح المشتركة التي يمكن تنميتها ،والخلافات القائمة التي يمكن مناقشتها وحلحلتها ، والمشاكل التاريخية التي يمكن انتظار ظروف أوان مقاربتها ،بصيغة أو أخرى ، ربما بالمنطق التقليدي البسيط للسياسة في الممارسة : حصّل وطالب ، ولا تضع عقبة : كلّ شيء أو لا شيء ، وقد كان لتلك السياسة الحكيمة بعض ثمارها :ــ سياسياً : انتقل الحليف التركي لـ (إسرائيل) من موقع الحليف لها ،إلى موقع الوسيط بينها وبين سورية ،وعلى مسافة واحدة ، وهذا إنجازٌ يسجّل ، ثم إلى موقع الناقد لها ،لعدم جديّتها وتسويفها ،في مفاوضات السلام غير المباشرة التي تلعب تركيا فيها دور الوسيط النشط ،وهذا إنجاز آخر وتقريب أكثر للجار التركي في فهمه معاناة العرب مع سياسات الكيان الصهيوني الغاصب ، بل أصبح الموقف التركي بخصوص الحصار على غزّة ،متقدّم على معظم مواقف سلطات الأمر الواقع في أصقاع الوطن العربي ، فيا للخزيِّ !!ــ اقتصادياً : أصبح التعاون السوري ـ التركي واقعاً حيوياً ،مبشراً وواعداً ، مؤطراً باتفاقيات متكافئة في المجالات كافة : التجارية والجمركيّة وقمع التهريب،الصناعية ومشاريع التطوير،الزراعية على الحدود المشتركة ،والمائية (وفق القوانين الدولية للمشاطأة) بلا السياسات الكيدية ،والسلوكيات الإبتزازية الغابرة .ــ أمنياً : مشروع تنظيف الحدود المشتركة من الألغام ، وفتح المزيد من المعابر النظاميّة ،والإشراف المشترك عليها ، وتسهيل إجراء ات العبور،والعلاقات والزيارات للأهل على طرفي الحدود ،والإتفاقيات الأمنية ووضعها موضع التطبيق بالتعاون بين الطرفين ، لما فيه أمن البلدين ،وسلامة مواطنيهما.ــ إنسانيّاً : تنظيم الزيارات الجماعيّة ،ورعايتها من مسؤولي المحافظات الحدودية ،في الأعياد الرسمية ،والمناسبات الفلكلورية الإجتماعية ، مما يعيد اللحمة والأواصر للأهل على طرفي الحدود .وبالمحصلة : فإنّ توفرالنوايا الطيبة ،ورجالات الدولة عند الجانبين ،والإرادات السياسيّة ،المسؤولة المصممة ،على التعاون البنّاء ، أدت إلى خطوات متقدمة جداً في علاقات التعاون وحسن الجوار ، لابمعرفة مايُتَّفَقُ عليه فقط ، فينفذ ، ولكنْ بتحديد ما يختلف فيه أيضاً ،فيتفاوض بشأنه ، وهكذا تبنى علاقات البشر في إطار حضاري ، يحترم الذات فيعليها ، ويحترم الآخر فلا يحط من سوية قيمته ، فيكون لقاء الإنسان بذاته ،قيمة بذاتها ،ومعيار تقييم ، حيث كل مصادر الأمن والأمان ، ومنها الأمن القومي العربي ، ولكن أين العربي ؟ فعربي سورية موجود ،ولكنه رغم لزوميته إلاّ أنّه غير كاف ، وتلك حقيقة ويا للأسف .
(*):
الســّاركوزية و سـاركوزي وسـياسـة فـرنســا الخـارجيـّة.. رؤية من الـدّاخل: الجزء الرابع - القسم الثاني.. بقلم : د. منـير الـقوي
جدلية الحب والكراهية ، تاريخ علاقة...وعلاقة تاريخ ... من اللاتوازن العلائقي التاريخي ،للآني ،إلى استشراف علاقة توازن مستقبلي .. القسم الثاني :
العلاقة الفرنسيّة ـ العربيّة ،من الحرب الإمبريالية الأوروبية الأولى ، وإلى يومنا مع انطلاقة السّاركوزيّة :
في بداية القرن المنصرم ،حيث الإمبراطورية العثمانية المتهاوية ،أو رجل أوروبا المريض ، (ولماذا أوروبا فقط ؟! ) ،تصل مع الإرهاب الحميدي ، وحركة جنرالاتها، الغلاة طورانياً ،المنتسبين إلى الجمعيّة العلمانية ( تركيا الفتاة) ،القومية المتطرفة ،والمعادية للسلطان ـ الخليفة : عبد الحميد الثاني ،كانت الإمبراطورية البريطانية ، في أوج قوتها ، لا تغيب الشمس عنها ، وتحتل موقعاً في السياسة الدولية ،شبيه إلى حدٍّ كبير، بالموقع الذي تشغله الولايات المتحدة في حقبتنا ،خاصة وأنها صاحبة البحرية الإمبراطورية، المسيطرة على الممرات والمضائق البحرية الإستراتيجية ، ومناطق أعالي البحار والمحيطات ،مستفيدة من انكفاء الولايات المتحدة ،واكتفائها بحديقتها الخلفية ( الأمريكتين : الوسطى والجنوبية ) ،التزاماً بعقيدة (مونرو ـ الرئيس الأمريكي الخامس :1817ـ 1825) ،والمؤكد عليها بمبدأ (ولسون ـ الرئيس الأمريكي الثامن والعشرين : 1914ـ 1922) الذي أعلن في رئاسته الأولى : سياسة أمريكية ""حياديّة ولاتدخليّة ""،في السياسات والصراعات الأوروبية ، قبل أنْ أنْ يعود للطلب من الكونغرس ،في رئاسته الثانية : إقرار سياسته للتدخل في الحرب الإمبريالية الغربية الأولى ( المعروفة بالحرب العالمية الأولى ) ،في إسقاط نهائي لمبدئه بالذات ،وبداية ظهور للتدخلية الأمريكية على المسرح العالمي اعتباراً من 06/04/1917 ،تاريخ دخول أمريكا الحرب المذكورة . في تلك الحرب التي كانت فيها فرنسا وبريطانيا حلفاء، وكانت الإمبراطورية العثمانية ـ المحتلة لمعظم القسم الآسيوي من الوطن العربي ـ حليفة لألمانيا في المحور المعادي ،مما أعطى لفرنسا سبباً إضافياً،ومباشراً ،في زيادة اهتمامها بالمنطقة العربية المشرقية ،منذ الحروب الصليبية ، إلى حملة (نابوليون) على مصـر والشـام ،إلى دعم فرنسا لـ ( محمد علي باشا القوني)، والي مصـر،في صراعه مع السلطنة العثمانية ،إلى تبني بعض المسيحيين بسياسات الإرساليات، والتبشير،والمنشآت التعليمية ،والمنح ... إلخ... وأول وثيقة رسميّة ظهرت ،مبيِّنة حقيقة السياسة الفرنسية، ومشروعها المستقبلي للمشرق العربي ،أعلنها البولشفيك ،بعد ثورة أكتوبرعام 1917 ،والتي لم تكن إلاّ إياها : ( اتفاقية سايكس ـ بيكو) ،مكملة( بوعد بلفور) ،في تأسيس جيوبوليتيكي ،يضمن للكيان الصهيوني المستقبلي شرعية وجود سياسي ،بذات السوية التي للكيانات الإقليمية الأخرى ،على خريطة سايكس ـ بيكو ،لا بل يجعل منه واسطة عقدها ،وهو ما وُضِع موضع التطبيق ،بالسياسات الإستعمارية ،قبل ، وبعد وضع الحرب الإمبريالية الغربية الثانية (المسماة :الحرب العالميّة الثانية ،أو الكونية الثانية ) أوزارها ،هكذا شهدنا على مراحل ولادة الكيان الغاصب اللاشرعي : النظام الإقليمي اللاعربي ـ الصهيوني ،بكل مآسيه وجرائمه ،بحق الإنسان العربي ،ليس أقلها : تمزيق وطنه ، وأدماها نكبة فلسطين ،وتزويرهويته، بإعطائه 23 بطاقة تعريف ،بعدد السجون ـ سلطات الأمر الوقع ، بما فيها ،الكيان العنصري ( اسرائيل) ، هكذا شاركت السياسة الفرنسية الإستعمارية ،في رسم مستقبل أمتنا الذي نعيش واقعه ـ الوقيعة ، فبانتهاء الحرب الإمبريالية الأولى، وبعد عامين من الحكم الفيصلي في دمشق 1918ـ 1920 ،تصل الجيوش الفرنسية ،بقيادة الجنرال (فيلكس ماري غورو) ،لتعبر إلى دمشق فوق جثث شهداء ميسلون ،تطبيقاٌ للإتفاق الإنكليزي الفرنسي ،الذي جعل سورية ولبنان ،نصيباً فرنسياً في شراكة ( سايكس ـ بيكو ) ،لتبدأ السياسة الإنتدابية، بقرار(عصبة الأمم)المنتصرة، تطبيق مفاهيم استشراقيتها ،خاصة الدورالذي لعبه المستشرق (ماسينيون)، زميل (لورنس العرب ،يا للمصادفة )،والضابط في (جيش الشرق الفرنسي)،وعالم الإسلاميات ، المتخصص في دراسة المتصوِّف (الحسين بن منصور الحلاّج ـ 244هـ ) ،بالإضافة لما يُروى من حقد (غورو) المتعصّب (؟!) ، وتعاون معظم أعضاء الحكم العربي الفيصلي ،الذين تركوا (الملك فيصل الأول) يهرب بحاشيته ،وينسحب إلى بغداد تنفيذاً لتعليمات الإنكليز الملتزمة بـ ( اتفاقية سايكس ـ بيكو)، هؤلاء الذين تركوا الشهيد (يوسف العظمة) ،يذهب إلى ميسلون ليستشهد في معركتها في 24 تموز 1920 ،والرعاية التي أولاها المندوب السامي (غورو) لمطالب البطريرك الماروني (الياس الحويك) ،حيث كانت أوّل الخطوات ، إعلان دولة ( لبنان الكبير) ،بضم الأقضية الثلاثة (حاصبيّا ،راشيّا، والبقاع )إلى المتصرفية ،الخطوة التي مازلنا نعاني مفاعيل نتائجها إلى يومنا هذا .إذاً بدأ الإنتداب الفرنسي بتمزيق الممزق ، ليكمله بإعلانه مجموعة دويلات(مستقلة ؟!) تنهي الحلم العربي السوري ،بالطبع انفجرت بوجه المستعمر الفرنسي قوى الأمّة العربية الحيّة ، رافضة غدر الوعود ، ونقض العهود ،وخاصة وثيقة ( اتفاقية سايكس ـ بيكو) ،وتشويه التاريخ العربي ، ومسخ المجتمع التاريخي الجامع لأمّة العرب ،إلى مجموعة من الكيانات الإثنية ، الدينية ـ الطائفية ، ودويلات المدن ، فكانت الإعتراضات المدنية ،والعرائض الإحتجاجية ، في طول سورية وعرضها ، لتصل إلى العصيان ، فالثورة المسلحة ،حيث تحركت الثورة في ،ومن كل أصقاع سوريا بقياده عدد من الابطال المجاهدين ، منهم :المجاهدون ( سلطان باشا الأطرش ، ابراهيم هنانو ، حسن الخراط ،الشيخ صالح العلي )واشترك فيها كافة فصائل الشعب وسُميَّ المجاهد (سلطان باشا الاطرش )عام 1925، قائداً عاماً للثورة السورية الكبرى،والتي لم تتوقف ،رغم تعزيزات الجيوش الفرنسية ،لا بالفرنسيين فقط ، بل بأبناء المستعمرات ،حيث عرفت شوارع سوريا العسكري السنغالي ،والمدغشقري ،وحتى الجنوب شرق ـ آسيوي ،( من كلّ الألوان) ،ورغم جسيم التضحيات ،وموازين القوى اللامتكائة ،بما لا يقاس، لم تتوقف الثورة حتى تراجع المستعمر الفرنسي عن مخططات تقسيم سوريا، والدول الأربع المهزلة ،والقبول بالمفاوضات مع السوريين الوطنيين ،وإقامة المجالس التمثيلية، بإسقاط حكومات المندوبين ،ورؤساء الدولة المعينين المتعاونين ، وصولاً إلى إتفاقية عام 1936 مع الإنتداب الفرنسي ،وقيام الحكم البرلماني ،الذي دخل في نزاع مع سلطات الإنتداب بسبب سلخ لواء اسكندرون وتسليمه لتركيا عام 1936،وقد استغلّت سلطات الإنتداب قيام الحرب الأمبريالية الأوروبية الثانية ( المسماة :الحرب العالمية الثانية ) لتحل كل المؤسسات الشرعية المنتخبة ،وتضع سورية تحت الحكم العسكري الفرنسي المباشر ،ورغم الموقف السوري المؤيد لحركة فرنسا الحرّة بزعامة الكولونيل( شارل دوغول) الفار إلى لندن ، متمرداً على حكومة (فيشي) المتعاونة مع الألمان الذين احتلوا فرنسا ، معلناً المقاومة ، واستقباله في سورية ، قائداً لجيوش فرنسا الحرة ، فإنَّ الفرنسيين لم يتركوا سورية في 17نيسان عام 1945 إلاّ بحمام من الدم ،في هجومهم ـ العدوان على البرلمان السوري ،وتدخل الإنكليز ضد عدوانهم ، لا حباً انكليزياً بالإستقلال السوري ، ولكن استمرار تصفية حساب بين الأخوين ـ اللدودين ،انكلترا وفرنسا . على أنّه لابُدَّ من الوقوف عند بضعة نقاط ،أثبتتها حقبة ماسميت فترة الإنتداب الفرنسي في الواقع ،والنسيج المجتمعي السوري :١ـ اتباع سياسة تعليمية موجهة ،تنطلق من قاعدة ثقافيّة استشراقية ،ونشاط تبشيري لافت ،بالتركيزعلى التنوع الإثني والديني ،والتشكيلات المجتمعية الضيقة المنكفئة التي تطورت في مرحلة الإستعمار العثماني المديد ،وخاصة في مرحلته التتريكية الأخيرة ،التي تُوِّجت بمشانق أحرار العرب ،في السادس من ايار ،عام 1916 ،على يد (جمال باشا) ،المعروف بالسّفاح .٢ـ التركيز في العلائق النفعية على ربط لونٍ دينيٍّ بالذات ( العنصر العربي عيسويِّ الدين )،وبعض المذاهب الإسلاميّة التي عانت أكثر من غيرها ،ظلم التعصّب العثماني وزبانيته ، خاصة في جبل العرب ،وجبال الساحل ،ولبنان ،وتخوم الباددية .٣ـ التركيز على أبناء العائلات المدينية ،والزعامات الدينية والدنيوية، ذات الثقل الإجتماعي ،وزعماء العشائر ، ووجهاء الأرياف ،بتخصيصهم بالتعليم ،طبعاً المفرنِس ،كليّا أو جزئياً ،وبرقابة جزويتية غالباً ، في المدارس التبشيرية والمعاهد الإرسالية ،وحتى الجامعات / جامعة القديس يوسف / ،وعلمانية عابراً ،كمدارس اللاييك (العلمانية) ، وتفضيلهم في استلام الوظائف والإدارات .٣ـ إجراء تعدادٍ سكاني ،يركّز عوضاً عن عدد السكّان الصحيح، على أرقام غير دقيقة بل مزورة أحياناً،وعلى اعتماد معايير دون المواطنية ، تعتمد الأديان والطوائف والمذاهب ،وتسييسية عمادها التعاون مع سلطة الإنتداب ،وولاؤها لسلطاته .٤ـ نشر شبكة طرقات وجسور ،ومدارس منتقاة التموقع ،ترسّخ للوجود الفرنسيّ القدم ، وللمرتبطين به الرفعة الإجتماعية ، والهيمنة المؤسساتية ، ربّما برسم الآتي من الأيام (؟!!) .٥ـ التمكين للمتعاونين من تملك الأرض ، لا المشاع فقط ، بل والمشغولة توارثاً ،منذ أجيال لأسرٍ فلاحية ، فيما عُرف بتوثيق (الطابو التركي) وإنشاء دوائر السجل العقاري ،مما أورث سورية، شكل الإقطاع التركي الريعي وعلاقاته ، في خطوة هي معاكسة بل معادية لكل ما بشّر به الإنتداب من مبادئ التنوير ،وشعارات وأدبيّات الثورة الفرنسية ، لكنْ على ما يبدو هذا يعني إنسانهم ، هم ، لا بشر ،أو أشباه بشر المستعمرات،وفق مفاهيم التفوق والتحضر لديهم ، وربما التصنيف العنصري للبشر،الذي بمفاهيمه يتصرفون ،وبعكسه دعاوياً يعلنون ، فيكون (هتلر) ونازيته وعنصرييه ، أنظف وأشرف وأصدق أبناء الكلب ،كما يقال .على أنَّ فترة الإنتداب الفرنسي ،ورغم أهدافها الإستعمارية ،لم تكن صفحة سوداء بالمطلق ، رغم سواد الإستعمار،فقد تبلورت مفاهيم وبنى ،بتوجهات عصرية ،وحركية تقدميّة مجتمعية ،وسياسية ،وإدارية ، لا شكلية فقط ، بل بنيوية مؤسسة ،بحكم منطق الأمور،مؤيدها أو الرافض:١ـ على الصعيد الإجتماعي : ساعد الإنتداب بعدوانيته ومقاومتها ،على تنشيط فتح المجتمع السوري وانفتاحه على بعضه ، وكانت (الثورة السورية الكبرى )،أكبرتعبيرعن الحراك الإجتماعي الوطني ،لا السياسي فقط ، مما أتاح للوعي الوطني امتلاك وعائه ـ الأداة ،مجتمع الوطن ، لا العائلة ولا القبيلة ، ولا العشيرة ،أو الدين أو الطائفة ، وترسخ الشعار المؤسس سياسياً ( الدين لله ،والوطن للجميع). ٢ـ سياسة نشر التعليم،ولوالإنتقائي النخبوي ،لم تخرِّج للمنتدب كوادره فقط ،بل أنتجت عقولاً متفتحة ،بل معادية للإنتداب وسياساته ،فأبناء أجيال شهداء السادس من ايار، وشهيد ميسلون ، والثورة السورية الكبرى ، باحتكاكهم بأحرار فرنسا ومثقفيها ،المعادين للإستعمار والمستفيدين منه ،من عتاة الرأسمالية الأوروبية الدموية ، قد طوروا حركيتهم السياسية ،وأشكال التعبير عنها ،في أحزاب تعدت في أهدافها ،وحتى في أدواتها حدود الإنتداب ، لا الفرنسي فقط ،ولكنْ الإنكليزي أيضاً ، فكانت الأحزاب لا الوطنية فحسب ، بل القومية والأممية أيضاً .٣ـ الأنظمة الإدارية التي أدخلها الإنتداب لخدمة أهدافه بلا شك ، قد زرعت مفهوم الدولة والإنتماء إليها ، في تجاوز لمفاهيم الإنتماء للبنى قبل ـ دولة ، وبالتالي مفهوم المواطنية بحقوق وواجبات الإنتماء ، ومنها مفهوم الإنتخابات وآلياتها ،الجديدة كلياً على ذهنية مجتمعات الرعيّة ومبايعة وجهائها .٣ـ تبلورالشعور القومي العربي ،في صراعه مع المستعمِر المنتدَب ، بمفاهيم محددة متمايزة في الموقف القومي من قضايا : تقسيم الوطن العربي ، وسلخ لواء اسكندرون ، ومن ثورات عرب فلسطين الرافضين بالثورات المتتالية للتواطؤ البريطاني وقلّة من باعة الضمير التُّبَّع ،في إقليم بلاد الشام ،مع الوكالة اليهودية في هدفها الإستيلائي على التراب الفلسطيني ، واستجلاب كل يهود الأرض ، إذا أمكنها ، إليها ،بل وصل العرب القوميون في سوريا ،ومثقفيهم إلى تبني مطالب الشعب العربي في الجزائر ،والتضامن معه في معركته ضد الوحشية الإستعمارية الفرنسية ،قبل عقدين تقريباً ،من انطلاقة الثورة الجزائرية ، التي تُوجَت بالإستقلال .بجلاء المستعمر الفرنسي عن سورية في 17 نيسان 1946 ،تدخل العلاقات السورية ـ الفرنسية طور علاقات الدول السياديّة ، يطبعها مدٌّ وجزر ، والأخير هو الغالب ،خاصة بعد دخول الولايات المتحدة بنفوذها إلى سياسات المنطقة ،ودخول المصالح البترولية ، شركات وإنتاج ،وخطوط نقل ،وصراع الإستعمارين القديم والجديد على النفوذ ووراثته ،وبروز الإتحاد السوفيتي ،أحد قطبي السياسة الدولية ، وخاصة بعد قيام الكيان السياسي الصهيوني (اسرائيل) في فلسطين ،والنكبة العربية ، وهزائم أنظمة النظام الإقليمي عام 1948 ، والتزام الغرب والشرق ، لا فرنسا فقط ،بأمن الكيان المغتصِب ، لكن كان لفرنسا خصوصية موقف ، معادي للعرب والعروبة ، لا لسورية فقط ،نابع من سياساتها الإستعمارية في الشمال الإفريقي العربي ،وخاصة في الجزائر،ومن العداء لحركة التحرر العربية ،في مرحلة المد والصعود القومي العربي في المرحلة الناصرية ، وتصدر الجماهير العربية وأحزابها القومية العربية في الساحة السورية لحمل لوائها ،وقد تجلى الموقف الفرنسي الإستعماري ،عملياً بما يلي :١ـ المشاركة الفرنسيّة في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 .٢ـ تبني الكيان الصهيوني استراتيجيا نووياً ، فمفاعل ( ديمونا) النووي ،فرنسي النشأة ،حتى قبل أنْ تنتج فرنسا قنبلتها النووية الخاصة بها !!٣ـ الطائرات التي اعتدت بها ( اسرائيل) على العرب عام 1967 (ميراج) فرنسية ،من إنتاج مصانع (داسو) الفرنسية .ولئن كان موقف الرئيس الفرنسي ،أنذاك ، الجنرال( دوغول) ،قد أخذ جانب الحق العربي ،إلاّ أنَّ ذلك لم يدم ، باستقالة الجنرال بعد ما عُرف بـ ( ثورة الطلاب ) عام 1968، لتأتي فرنسا الجيسكاردية ، الأمريكية الهوى ،فتقلب الصفحة ،وبوصول الرئيس الفرنسي الإشتراكي ( متران) ،تدخل السياسة الفرنسية ( الشرق ـ أوسطية ) رمادي اللون ،مع تفضيل لـ ( إسرائيل ) ،خاصة حين يحكمها حزب العمّال وحلفائه ، ثم وبوصول الرئيس الفرنسي ( جاك شيراك ) إلى الأليزيه ، تتوطد في البداية العلاقة السورية ـ الفرنسية ، في رئاسته الأولى ، لتصبح السياسة الفرنسية معادية لسوريا ، على خلفية اتهامات ودعاوى ، وأنانية وحقد شخصي ،أوصل معها العلاقات السورية ـ الفرنسية حدّ القطيعة ،ووضع الجمود ، ميراث حاول الرئيس الحالي سـاركوزي تحريكه ، فعاني عقبات موروثة ، وحبكات شيراكية مدروسة ،لكنه ببراغماتيته ،وبإرادويته ، وبالموقف العربي السوري المبدئي ، الواضح والصريح ، وصلت السورية ـ الفرنسية ، إلى تبادل الزيارات الرئاسية ، وفتح أبواب التعاون المسترشدة بالمصالح المشتركة ،وعلاقات الإحترام ، المناقضة كلياً للصفحة الشيراكية في رئاستها الثانية .
(*):
الســّاركوزية و سـاركوزي وسـياسـة فـرنســا الخـارجيـّة.. رؤية من الـدّاخل: الجزء الرابع - القسم الثاني.. بقلم : د. منـير الـقوي
جدلية الحب والكراهية ، تاريخ علاقة...وعلاقة تاريخ ... من اللاتوازن العلائقي التاريخي ،للآني ،إلى استشراف علاقة توازن مستقبلي .. القسم الثاني :
العلاقة الفرنسيّة ـ العربيّة ،من الحرب الإمبريالية الأوروبية الأولى ، وإلى يومنا مع انطلاقة السّاركوزيّة :
في بداية القرن المنصرم ،حيث الإمبراطورية العثمانية المتهاوية ،أو رجل أوروبا المريض ، (ولماذا أوروبا فقط ؟! ) ،تصل مع الإرهاب الحميدي ، وحركة جنرالاتها، الغلاة طورانياً ،المنتسبين إلى الجمعيّة العلمانية ( تركيا الفتاة) ،القومية المتطرفة ،والمعادية للسلطان ـ الخليفة : عبد الحميد الثاني ،كانت الإمبراطورية البريطانية ، في أوج قوتها ، لا تغيب الشمس عنها ، وتحتل موقعاً في السياسة الدولية ،شبيه إلى حدٍّ كبير، بالموقع الذي تشغله الولايات المتحدة في حقبتنا ،خاصة وأنها صاحبة البحرية الإمبراطورية، المسيطرة على الممرات والمضائق البحرية الإستراتيجية ، ومناطق أعالي البحار والمحيطات ،مستفيدة من انكفاء الولايات المتحدة ،واكتفائها بحديقتها الخلفية ( الأمريكتين : الوسطى والجنوبية ) ،التزاماً بعقيدة (مونرو ـ الرئيس الأمريكي الخامس :1817ـ 1825) ،والمؤكد عليها بمبدأ (ولسون ـ الرئيس الأمريكي الثامن والعشرين : 1914ـ 1922) الذي أعلن في رئاسته الأولى : سياسة أمريكية ""حياديّة ولاتدخليّة ""،في السياسات والصراعات الأوروبية ، قبل أنْ أنْ يعود للطلب من الكونغرس ،في رئاسته الثانية : إقرار سياسته للتدخل في الحرب الإمبريالية الغربية الأولى ( المعروفة بالحرب العالمية الأولى ) ،في إسقاط نهائي لمبدئه بالذات ،وبداية ظهور للتدخلية الأمريكية على المسرح العالمي اعتباراً من 06/04/1917 ،تاريخ دخول أمريكا الحرب المذكورة . في تلك الحرب التي كانت فيها فرنسا وبريطانيا حلفاء، وكانت الإمبراطورية العثمانية ـ المحتلة لمعظم القسم الآسيوي من الوطن العربي ـ حليفة لألمانيا في المحور المعادي ،مما أعطى لفرنسا سبباً إضافياً،ومباشراً ،في زيادة اهتمامها بالمنطقة العربية المشرقية ،منذ الحروب الصليبية ، إلى حملة (نابوليون) على مصـر والشـام ،إلى دعم فرنسا لـ ( محمد علي باشا القوني)، والي مصـر،في صراعه مع السلطنة العثمانية ،إلى تبني بعض المسيحيين بسياسات الإرساليات، والتبشير،والمنشآت التعليمية ،والمنح ... إلخ... وأول وثيقة رسميّة ظهرت ،مبيِّنة حقيقة السياسة الفرنسية، ومشروعها المستقبلي للمشرق العربي ،أعلنها البولشفيك ،بعد ثورة أكتوبرعام 1917 ،والتي لم تكن إلاّ إياها : ( اتفاقية سايكس ـ بيكو) ،مكملة( بوعد بلفور) ،في تأسيس جيوبوليتيكي ،يضمن للكيان الصهيوني المستقبلي شرعية وجود سياسي ،بذات السوية التي للكيانات الإقليمية الأخرى ،على خريطة سايكس ـ بيكو ،لا بل يجعل منه واسطة عقدها ،وهو ما وُضِع موضع التطبيق ،بالسياسات الإستعمارية ،قبل ، وبعد وضع الحرب الإمبريالية الغربية الثانية (المسماة :الحرب العالميّة الثانية ،أو الكونية الثانية ) أوزارها ،هكذا شهدنا على مراحل ولادة الكيان الغاصب اللاشرعي : النظام الإقليمي اللاعربي ـ الصهيوني ،بكل مآسيه وجرائمه ،بحق الإنسان العربي ،ليس أقلها : تمزيق وطنه ، وأدماها نكبة فلسطين ،وتزويرهويته، بإعطائه 23 بطاقة تعريف ،بعدد السجون ـ سلطات الأمر الوقع ، بما فيها ،الكيان العنصري ( اسرائيل) ، هكذا شاركت السياسة الفرنسية الإستعمارية ،في رسم مستقبل أمتنا الذي نعيش واقعه ـ الوقيعة ، فبانتهاء الحرب الإمبريالية الأولى، وبعد عامين من الحكم الفيصلي في دمشق 1918ـ 1920 ،تصل الجيوش الفرنسية ،بقيادة الجنرال (فيلكس ماري غورو) ،لتعبر إلى دمشق فوق جثث شهداء ميسلون ،تطبيقاٌ للإتفاق الإنكليزي الفرنسي ،الذي جعل سورية ولبنان ،نصيباً فرنسياً في شراكة ( سايكس ـ بيكو ) ،لتبدأ السياسة الإنتدابية، بقرار(عصبة الأمم)المنتصرة، تطبيق مفاهيم استشراقيتها ،خاصة الدورالذي لعبه المستشرق (ماسينيون)، زميل (لورنس العرب ،يا للمصادفة )،والضابط في (جيش الشرق الفرنسي)،وعالم الإسلاميات ، المتخصص في دراسة المتصوِّف (الحسين بن منصور الحلاّج ـ 244هـ ) ،بالإضافة لما يُروى من حقد (غورو) المتعصّب (؟!) ، وتعاون معظم أعضاء الحكم العربي الفيصلي ،الذين تركوا (الملك فيصل الأول) يهرب بحاشيته ،وينسحب إلى بغداد تنفيذاً لتعليمات الإنكليز الملتزمة بـ ( اتفاقية سايكس ـ بيكو)، هؤلاء الذين تركوا الشهيد (يوسف العظمة) ،يذهب إلى ميسلون ليستشهد في معركتها في 24 تموز 1920 ،والرعاية التي أولاها المندوب السامي (غورو) لمطالب البطريرك الماروني (الياس الحويك) ،حيث كانت أوّل الخطوات ، إعلان دولة ( لبنان الكبير) ،بضم الأقضية الثلاثة (حاصبيّا ،راشيّا، والبقاع )إلى المتصرفية ،الخطوة التي مازلنا نعاني مفاعيل نتائجها إلى يومنا هذا .إذاً بدأ الإنتداب الفرنسي بتمزيق الممزق ، ليكمله بإعلانه مجموعة دويلات(مستقلة ؟!) تنهي الحلم العربي السوري ،بالطبع انفجرت بوجه المستعمر الفرنسي قوى الأمّة العربية الحيّة ، رافضة غدر الوعود ، ونقض العهود ،وخاصة وثيقة ( اتفاقية سايكس ـ بيكو) ،وتشويه التاريخ العربي ، ومسخ المجتمع التاريخي الجامع لأمّة العرب ،إلى مجموعة من الكيانات الإثنية ، الدينية ـ الطائفية ، ودويلات المدن ، فكانت الإعتراضات المدنية ،والعرائض الإحتجاجية ، في طول سورية وعرضها ، لتصل إلى العصيان ، فالثورة المسلحة ،حيث تحركت الثورة في ،ومن كل أصقاع سوريا بقياده عدد من الابطال المجاهدين ، منهم :المجاهدون ( سلطان باشا الأطرش ، ابراهيم هنانو ، حسن الخراط ،الشيخ صالح العلي )واشترك فيها كافة فصائل الشعب وسُميَّ المجاهد (سلطان باشا الاطرش )عام 1925، قائداً عاماً للثورة السورية الكبرى،والتي لم تتوقف ،رغم تعزيزات الجيوش الفرنسية ،لا بالفرنسيين فقط ، بل بأبناء المستعمرات ،حيث عرفت شوارع سوريا العسكري السنغالي ،والمدغشقري ،وحتى الجنوب شرق ـ آسيوي ،( من كلّ الألوان) ،ورغم جسيم التضحيات ،وموازين القوى اللامتكائة ،بما لا يقاس، لم تتوقف الثورة حتى تراجع المستعمر الفرنسي عن مخططات تقسيم سوريا، والدول الأربع المهزلة ،والقبول بالمفاوضات مع السوريين الوطنيين ،وإقامة المجالس التمثيلية، بإسقاط حكومات المندوبين ،ورؤساء الدولة المعينين المتعاونين ، وصولاً إلى إتفاقية عام 1936 مع الإنتداب الفرنسي ،وقيام الحكم البرلماني ،الذي دخل في نزاع مع سلطات الإنتداب بسبب سلخ لواء اسكندرون وتسليمه لتركيا عام 1936،وقد استغلّت سلطات الإنتداب قيام الحرب الأمبريالية الأوروبية الثانية ( المسماة :الحرب العالمية الثانية ) لتحل كل المؤسسات الشرعية المنتخبة ،وتضع سورية تحت الحكم العسكري الفرنسي المباشر ،ورغم الموقف السوري المؤيد لحركة فرنسا الحرّة بزعامة الكولونيل( شارل دوغول) الفار إلى لندن ، متمرداً على حكومة (فيشي) المتعاونة مع الألمان الذين احتلوا فرنسا ، معلناً المقاومة ، واستقباله في سورية ، قائداً لجيوش فرنسا الحرة ، فإنَّ الفرنسيين لم يتركوا سورية في 17نيسان عام 1945 إلاّ بحمام من الدم ،في هجومهم ـ العدوان على البرلمان السوري ،وتدخل الإنكليز ضد عدوانهم ، لا حباً انكليزياً بالإستقلال السوري ، ولكن استمرار تصفية حساب بين الأخوين ـ اللدودين ،انكلترا وفرنسا . على أنّه لابُدَّ من الوقوف عند بضعة نقاط ،أثبتتها حقبة ماسميت فترة الإنتداب الفرنسي في الواقع ،والنسيج المجتمعي السوري :١ـ اتباع سياسة تعليمية موجهة ،تنطلق من قاعدة ثقافيّة استشراقية ،ونشاط تبشيري لافت ،بالتركيزعلى التنوع الإثني والديني ،والتشكيلات المجتمعية الضيقة المنكفئة التي تطورت في مرحلة الإستعمار العثماني المديد ،وخاصة في مرحلته التتريكية الأخيرة ،التي تُوِّجت بمشانق أحرار العرب ،في السادس من ايار ،عام 1916 ،على يد (جمال باشا) ،المعروف بالسّفاح .٢ـ التركيز في العلائق النفعية على ربط لونٍ دينيٍّ بالذات ( العنصر العربي عيسويِّ الدين )،وبعض المذاهب الإسلاميّة التي عانت أكثر من غيرها ،ظلم التعصّب العثماني وزبانيته ، خاصة في جبل العرب ،وجبال الساحل ،ولبنان ،وتخوم الباددية .٣ـ التركيز على أبناء العائلات المدينية ،والزعامات الدينية والدنيوية، ذات الثقل الإجتماعي ،وزعماء العشائر ، ووجهاء الأرياف ،بتخصيصهم بالتعليم ،طبعاً المفرنِس ،كليّا أو جزئياً ،وبرقابة جزويتية غالباً ، في المدارس التبشيرية والمعاهد الإرسالية ،وحتى الجامعات / جامعة القديس يوسف / ،وعلمانية عابراً ،كمدارس اللاييك (العلمانية) ، وتفضيلهم في استلام الوظائف والإدارات .٣ـ إجراء تعدادٍ سكاني ،يركّز عوضاً عن عدد السكّان الصحيح، على أرقام غير دقيقة بل مزورة أحياناً،وعلى اعتماد معايير دون المواطنية ، تعتمد الأديان والطوائف والمذاهب ،وتسييسية عمادها التعاون مع سلطة الإنتداب ،وولاؤها لسلطاته .٤ـ نشر شبكة طرقات وجسور ،ومدارس منتقاة التموقع ،ترسّخ للوجود الفرنسيّ القدم ، وللمرتبطين به الرفعة الإجتماعية ، والهيمنة المؤسساتية ، ربّما برسم الآتي من الأيام (؟!!) .٥ـ التمكين للمتعاونين من تملك الأرض ، لا المشاع فقط ، بل والمشغولة توارثاً ،منذ أجيال لأسرٍ فلاحية ، فيما عُرف بتوثيق (الطابو التركي) وإنشاء دوائر السجل العقاري ،مما أورث سورية، شكل الإقطاع التركي الريعي وعلاقاته ، في خطوة هي معاكسة بل معادية لكل ما بشّر به الإنتداب من مبادئ التنوير ،وشعارات وأدبيّات الثورة الفرنسية ، لكنْ على ما يبدو هذا يعني إنسانهم ، هم ، لا بشر ،أو أشباه بشر المستعمرات،وفق مفاهيم التفوق والتحضر لديهم ، وربما التصنيف العنصري للبشر،الذي بمفاهيمه يتصرفون ،وبعكسه دعاوياً يعلنون ، فيكون (هتلر) ونازيته وعنصرييه ، أنظف وأشرف وأصدق أبناء الكلب ،كما يقال .على أنَّ فترة الإنتداب الفرنسي ،ورغم أهدافها الإستعمارية ،لم تكن صفحة سوداء بالمطلق ، رغم سواد الإستعمار،فقد تبلورت مفاهيم وبنى ،بتوجهات عصرية ،وحركية تقدميّة مجتمعية ،وسياسية ،وإدارية ، لا شكلية فقط ، بل بنيوية مؤسسة ،بحكم منطق الأمور،مؤيدها أو الرافض:١ـ على الصعيد الإجتماعي : ساعد الإنتداب بعدوانيته ومقاومتها ،على تنشيط فتح المجتمع السوري وانفتاحه على بعضه ، وكانت (الثورة السورية الكبرى )،أكبرتعبيرعن الحراك الإجتماعي الوطني ،لا السياسي فقط ، مما أتاح للوعي الوطني امتلاك وعائه ـ الأداة ،مجتمع الوطن ، لا العائلة ولا القبيلة ، ولا العشيرة ،أو الدين أو الطائفة ، وترسخ الشعار المؤسس سياسياً ( الدين لله ،والوطن للجميع). ٢ـ سياسة نشر التعليم،ولوالإنتقائي النخبوي ،لم تخرِّج للمنتدب كوادره فقط ،بل أنتجت عقولاً متفتحة ،بل معادية للإنتداب وسياساته ،فأبناء أجيال شهداء السادس من ايار، وشهيد ميسلون ، والثورة السورية الكبرى ، باحتكاكهم بأحرار فرنسا ومثقفيها ،المعادين للإستعمار والمستفيدين منه ،من عتاة الرأسمالية الأوروبية الدموية ، قد طوروا حركيتهم السياسية ،وأشكال التعبير عنها ،في أحزاب تعدت في أهدافها ،وحتى في أدواتها حدود الإنتداب ، لا الفرنسي فقط ،ولكنْ الإنكليزي أيضاً ، فكانت الأحزاب لا الوطنية فحسب ، بل القومية والأممية أيضاً .٣ـ الأنظمة الإدارية التي أدخلها الإنتداب لخدمة أهدافه بلا شك ، قد زرعت مفهوم الدولة والإنتماء إليها ، في تجاوز لمفاهيم الإنتماء للبنى قبل ـ دولة ، وبالتالي مفهوم المواطنية بحقوق وواجبات الإنتماء ، ومنها مفهوم الإنتخابات وآلياتها ،الجديدة كلياً على ذهنية مجتمعات الرعيّة ومبايعة وجهائها .٣ـ تبلورالشعور القومي العربي ،في صراعه مع المستعمِر المنتدَب ، بمفاهيم محددة متمايزة في الموقف القومي من قضايا : تقسيم الوطن العربي ، وسلخ لواء اسكندرون ، ومن ثورات عرب فلسطين الرافضين بالثورات المتتالية للتواطؤ البريطاني وقلّة من باعة الضمير التُّبَّع ،في إقليم بلاد الشام ،مع الوكالة اليهودية في هدفها الإستيلائي على التراب الفلسطيني ، واستجلاب كل يهود الأرض ، إذا أمكنها ، إليها ،بل وصل العرب القوميون في سوريا ،ومثقفيهم إلى تبني مطالب الشعب العربي في الجزائر ،والتضامن معه في معركته ضد الوحشية الإستعمارية الفرنسية ،قبل عقدين تقريباً ،من انطلاقة الثورة الجزائرية ، التي تُوجَت بالإستقلال .بجلاء المستعمر الفرنسي عن سورية في 17 نيسان 1946 ،تدخل العلاقات السورية ـ الفرنسية طور علاقات الدول السياديّة ، يطبعها مدٌّ وجزر ، والأخير هو الغالب ،خاصة بعد دخول الولايات المتحدة بنفوذها إلى سياسات المنطقة ،ودخول المصالح البترولية ، شركات وإنتاج ،وخطوط نقل ،وصراع الإستعمارين القديم والجديد على النفوذ ووراثته ،وبروز الإتحاد السوفيتي ،أحد قطبي السياسة الدولية ، وخاصة بعد قيام الكيان السياسي الصهيوني (اسرائيل) في فلسطين ،والنكبة العربية ، وهزائم أنظمة النظام الإقليمي عام 1948 ، والتزام الغرب والشرق ، لا فرنسا فقط ،بأمن الكيان المغتصِب ، لكن كان لفرنسا خصوصية موقف ، معادي للعرب والعروبة ، لا لسورية فقط ،نابع من سياساتها الإستعمارية في الشمال الإفريقي العربي ،وخاصة في الجزائر،ومن العداء لحركة التحرر العربية ،في مرحلة المد والصعود القومي العربي في المرحلة الناصرية ، وتصدر الجماهير العربية وأحزابها القومية العربية في الساحة السورية لحمل لوائها ،وقد تجلى الموقف الفرنسي الإستعماري ،عملياً بما يلي :١ـ المشاركة الفرنسيّة في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 .٢ـ تبني الكيان الصهيوني استراتيجيا نووياً ، فمفاعل ( ديمونا) النووي ،فرنسي النشأة ،حتى قبل أنْ تنتج فرنسا قنبلتها النووية الخاصة بها !!٣ـ الطائرات التي اعتدت بها ( اسرائيل) على العرب عام 1967 (ميراج) فرنسية ،من إنتاج مصانع (داسو) الفرنسية .ولئن كان موقف الرئيس الفرنسي ،أنذاك ، الجنرال( دوغول) ،قد أخذ جانب الحق العربي ،إلاّ أنَّ ذلك لم يدم ، باستقالة الجنرال بعد ما عُرف بـ ( ثورة الطلاب ) عام 1968، لتأتي فرنسا الجيسكاردية ، الأمريكية الهوى ،فتقلب الصفحة ،وبوصول الرئيس الفرنسي الإشتراكي ( متران) ،تدخل السياسة الفرنسية ( الشرق ـ أوسطية ) رمادي اللون ،مع تفضيل لـ ( إسرائيل ) ،خاصة حين يحكمها حزب العمّال وحلفائه ، ثم وبوصول الرئيس الفرنسي ( جاك شيراك ) إلى الأليزيه ، تتوطد في البداية العلاقة السورية ـ الفرنسية ، في رئاسته الأولى ، لتصبح السياسة الفرنسية معادية لسوريا ، على خلفية اتهامات ودعاوى ، وأنانية وحقد شخصي ،أوصل معها العلاقات السورية ـ الفرنسية حدّ القطيعة ،ووضع الجمود ، ميراث حاول الرئيس الحالي سـاركوزي تحريكه ، فعاني عقبات موروثة ، وحبكات شيراكية مدروسة ،لكنه ببراغماتيته ،وبإرادويته ، وبالموقف العربي السوري المبدئي ، الواضح والصريح ، وصلت السورية ـ الفرنسية ، إلى تبادل الزيارات الرئاسية ، وفتح أبواب التعاون المسترشدة بالمصالح المشتركة ،وعلاقات الإحترام ، المناقضة كلياً للصفحة الشيراكية في رئاستها الثانية .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق