الحلقة الأولى :
سأبدأ بمقولة الأمن القومي العربي ،لا مشككاً بالمبدأ وهو صحيح ،ولا نافياً للضرورة وهي قائمة ، وبإلحاحٍ اليوم ،أكثر من أيِّ ،وكل يومٍ مضى ، فلم يعد هذا الأمن مُهدَداً ، بل مُخترَقاً ، حتى لا أقول محتضِرَّاً، هذا إذا كان في عمليّته يوماً، تُرجِمَ أكثر من فكرة لم تتجسّد ،أو من مشروع ورقي من مئات المشاريع إياها ، حبيسة أدراج المؤسسة العربيّة الكسيحة الأشهر( جامعة الدول العربيّة ) ، أو على الأكثر إعلانات اتفاقيات ظرفيّة، ومنفعلة ، بين بعض (أنظمة الأمر الواقع) التي حاول بعض حكّامها الذين ، بانتمائهم العقيدي القومي العربي ( خاصة في مصر وسوريا ) ، كسر وظيفيّة : النظام الإقليمي (اللاعربي) ـ السايكسبيكوي ـ البلفوري ، وكانت المحاولة الأجلى : الوحدة السورية ـ المصرية عام 1958،وقيام (الجمهوريّة العربيّة المتّحدة ) ، وحتى تلك المحاولة ، على جديّتها وكبير الإيمان بها ، كانت عابرة بانتهائها بجريمة قتلها ، على يد مجموعة ضبّاط ( سورييّن ،ومصرييّن كذلك ) ثبت ارتباطهم فيما بعد ، بإقليمييّ حكّام النظام الإقليمي (اللاعربي) ـ السايكسبيكوي ـ البلفوري ـ الصهيوني أيضاً، وفوق ذلك :فبين بداية النصف الثاني من القرن المنصرم ويومنا ، عبر الفضاء الجيوبوليتيكي العربي عموماً ، والمشرقي خصوصاً ،زلازل متغيّرات دوليّة وإقليميّة ،لا زالت ارتدادتها تتفاعل ،وعواملها تَفعل وتْفَعَّل ، في انتاج عدم استقرار مستمِر،ولا مستقِّر في ارتفاعات وانخفاضات حِدّة موجاته ، وللتبسط التحليلي ،سأستعرض بعض الزلازل ـ المُغيِّرات والمتَغَيِِّرات بآن ،بردّها إلى مفرداتها تسهيلاً للتّناول ، ومحاولة إحاطةٍ بديناميّة التأثير :١ـ تغيِّرُ موازين القوى العالميّة التي استقرّ أمرها بغلبة القطب الواحد الأمريكي ، منذ بوادر انهيار الإتحاد السوفيتي ، في منتصف ثمانينات القرن المنصرم ، وتكريس الزعامة الإمبرطورية الأمريكية على السياسات العالمية ،بتفكك المنظومة السوفيتية ،ومعسكرها الإشتراكي، وانتهاء ما عُرفبحقبة (الحرب الباردة ) بين قطبي القوة في عالم ما بعد الحرب الإمبريالية الأوروبيّة الثانية ، المعروفة اصطلاحاّ تضليلياً بـ ( الحرب العالميّة الثانيّـة ).٢ـ النزعة التدخليّة لسياسات الإدارات الأمريكية ،منذ رئاسة ( ريغن ) ، والتي عاودت انتعاشها ،بعد الجزر الذي لقيّته في أعقاب الهزيمة الأمريكية في فيتنام (رئاسة نيكسون)، والتردد السياسي ، والفشل العسكري لتدخلها الإنقاذي الفاشل لموظفي سفارتها المحاصرة ( وكر الخيانة : الإسم الذي أطلقته عليها أدبيات الثورة الإسلاميّة ) في طهران، غداة انتصار الثورة الإسلاميّة الخمينيّة الإيرانيّة ( رئاسة كارتر) . ٣ـ بروز النفط بعد عام 1974،لا كقوةِ طاقة فقط ،بل كسلاح اقتصادي فعّال ، قد يصبح قاتلاً لنموذج الحضارة الغربيّة ،والأمريكية تحديداً، إنْ لم يُدَجّن ويُسيطَر عليه من قبلها، خاصة وأنَّ الإستحواز على قراره أمريكياً ،برز ضرورة استراتيجيّة أمريكية ، لا لذاته فقط ، ولكن للحفاظ على استمرارامتلاك زمام المحميّتين الأمريكيّتين التاريخيّتين : اليابان وأوروبا الغربيّة .٤ـ حرب السادس من تشرين الأول ـ أوكتوبر1973 ،وانكشاف محدودية الدّور الوظيفي لقاعدة الكيان الصهيوني المتقدّمة ، والذي عُزِيَ له دوراسطوري ،بعد الهزيمة المدوّية لـ (أنظمة الأمرالواقع )أمامه في الخامس من حزيران عام 1967،والتي عمّدت وأكملت جريمة الإنفصال ، مما لم يعد مخفيّاً من أدوار موثقة ، أُفرِج عنها إلى العلن (هذا واقع بغض النظرعن النوايا ،والإيديولوجيا ،والأغاني الحماسيّة ، والشعارات الكبيرة ، والتي منها : سنجعل الأسطول السادس الأمريكي طعاماً لأسماك البحر الأبيض التوسط !! فتأمّل يا ذا الحلم ، إنْ كان باقٍ منه ، منذذاك؟!! ) . ٥ـ قبل ذلك ، معارك أيلول ـ الفتنة عام 70 19، بين العرش الهاشمي الأردني ، والثورة الفلسطينية ، والتي انتهت بخروجها من الأردن ، متواقتّة مع الموت المفاجئ (؟) للزعيم العربي (جمال عبد الناصر) ، وانتهاء إمكانية تكرار انتصار آخر في (معركة كرامة ) أخرى ، في أغوار الأردن ،وحتى استحالة مجرّد الحلم بقيام ( الجبهة الشرقية ) بعد ذلك ، سيّما بعد الانقلاب في بغداد عام 1968 ،وسحبِّ القوات العراقيّة من الأردن ، والتي كان لها ، وبالدور الشخصي لقائدها الزعيم (محمود عْريم)،الذي لا يذكره أحد ،دور الغطاء النّاري واللوجستي لإنتصارمعركة الكرامة 1968.٦ـ انفجار الحرب الأهلية اللبنانيّة ، وجرِّ المقاومة الفلسطينية إلى وُحُولِها، بعد خسارتها ساحة الأردن ، لا بل مشاركتها الفعَّالة فيها ، بحكم إقليميّة نهجها العرفاتي ، والبعد الغريزي لجوعٍ سلطويٍّ تحكَّم بذهنيّة وسلوكيّات أبواتها ، والبترودولار "البريء" الذي انصبَّ عليهم بلا حساب ، إلاّ حساب استيعابهم ، واعين أو مخدوعين ، في استراتيجيّة الدّور الوظيفي لعروش النفط ، وفي الرأس من قائمتها (آل سعود) ،الذين استمروا في توظيف الأدوات ، خاصة بعد الإنقلاب السّاداتي في مصر عام 1971 ، وبداية بروز ما سمّاه الصحفي الأستاذ ( محمّد حسنين هيكل ) : بـ ( الحقبة السعوديّة ) ،في إشارة لتراجع ، إو حتى لهزيمة حقبة النهوض القومي العربي النّاصريّة " من وجهة نظره كمحلل سياسي " . ٧ـ الدخول المُكرَه للجيش السوري إلى لبنان عام 1976 ،وحساسيّة قراره وظرفه، وبالطلب الشهير من الرئيس اللبناني المرحوم ( سليمانفرنجيّة ) للرئيس المرحوم حافظ الأسـد ،الذي وجد نفسه أمام قبول الطلب الرئاسي اللبناني ، أو ترك الطلب البديل المعدّ من أطراف الجبهة اللبنانية ( بيير الجميّل ـ كميل شمعون ـ سليمان فرنجيّة ) يأخذ طريقه إلى إسرائيل المنتظِرة ، بغطاء إقليمي ـ دولي ، وضوء أخضر أمريكي ، لايباريه في خضرته إلاّ خضرة البترودولار "البريء من الدّور التآمري على أمّة العرب ! ". ٨ـ اتفاقيات (كامب ديفيد) التي أخرج (السادات) بها الثقل المصري من معادلة الصراع العربي ـ الصهيوني ، معترفاً أنَّ حرب اكتوبر ، خاضها ( حرب تحريك ) ، ( لا حرب تحرير ) ، وأنّها آخر الحروب مع الصهاينة ، بقرارٍ شخصيٍّ منه بالذات !! مضيفاً إلى النظام الإقليمي (اللاعربي) ـ السايكسبيكوي ـ البلفوري ،صفته الصهيونية ، باعترافٍ رسميٍّ موثّق ،من أكبر عرشٍ إقليمي في منظومته ، بعد انقلابه على النّاصريّة العروبيّة التي قاومت عزل مصر في الوظيفيّة الإقليمية ، مؤكدة أنْ لا مستقبل ، لا لمصر ،ولا لأمّة العرب ، ولا لفلسطين ، مع الإقليميّة وأدواتها ، مما ثبت ،ويثبتُ صوابيّته كلَّ يوم . ٩ـ الحرب الأمريكيّة بالوكالة ،،على الثورة الإسلامية الإيرانية ، فيما أصبح يُعرف بـ (نظريّة حرب الإحتواء المزدوج الأمريكيّة) واستراتيجياتها ،والتي وضعت في التطبيق الوظيفيّة الإقليمية للنظام الإقليمي (اللاعربي) ـ السايكسبيكوي ـ البلفوري ـ الصهيوني ،بتكامله السافر ، تلك الحرب، التي استغلّت ـ أقولها مع الكثير من حسن النيّة التي لستُ مُقتنعاً بها ـ استغلّت نظام صدّام حسين ، وقصوره الرؤيوي الذاتي الباحث عن دور، يتصوره متاحاً بعد غياب زعامة عبد الناصر ، وفي تنافس مع زعامة حافظ الأسد ،الخارجة من انتصارات تشرين ، على رأس (جبهة صمود وتصدّي) حجمّت الساداتية في حدود سلطة إقليمها، وعجزه الموضوعي ،كنظامٍ إقليمي محدود الإمكانيّات ، تابعٍ لسوق النفط في تمويله ، في مجتمع مركّب اثنيّاً ، وطائفيّاً ، وولائيّاً عقيدياً، حجبت رؤية حقيقته ايديولوجية شوفينيّة قاصرة ،وطموحات شخصية ، ظنّ حاملها ، أنَّ نصرها أُنجِز باستلامه (سلطة أمرٍ واقع ) في حدود العراق !! ،والتي لم تنته باستنفاذ امكانيات العراق المتاحة في آنها فحسب ، بل خرج منها مرهقاً، ببنية تحتيّة متخلِّفة مستنفذَة ، بعد سبق نسبيٍّ على مجمل محيطه في بداية سبعينيات القرن المنصرم، خاسراً مئات آلاف الشهداء والمفقودين، مثخناً بقرابة مليون مصاب حرب ، بملايين الأيتام والأرامل ، واهتزاز التوازن الإجتماعي الهش ، ليس ذلك فحسب ، بل خرج منها مثقلاً بديون فلكيّة الأرقام ،بالنسبة لبلد بحجم العراق ، ولو عُدَّ نفطيّاً من الدرجة الأولى . أزمة حاكمٍ ومأزق حكمٍ ،قاد بعقليّةٍ بدويّةٍ ، ثأريّةٍ ، عشائريّةٍ متخلفة ، إلى مغامرةٍ ـ شِرك ، مرسوم امبريالياً ، وبالذات أمريكيّاً ( دور آبريل غريسبي " السفيرة الأمريكية أنذاك" ودونالد رامسفيلد " المبعوث الريغاني ـ البوشي الأب"في حينها ، الطبيب الرئاسي الأمريكي للسهر على صحّة صدّام !!!! ) ،في غزو الكويت ـ الجريمة ،التي أطلقت رصاصة شبه قاتلة على نظريّة (الأمن القومي العربي ) ، ولو إلى حين . داسك سيريا

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق