الأربعاء، 12 أغسطس 2009

الإقليميّة ومعارك تصفية الحساب مع القوميّة العربيّة : ردّ على مقال الكاتب (ناهض حتر) : ""قومي؟ لا. عروبي؟ نعم، بالتأكيد""

المقال :
قومي؟ لا. عروبي؟ نعم، بالتأكيد
ناهض حتر*
لم تعد الحركات القومية تمثّل تحدياً، لكن أفكارها لا تزال تشوّش الوعي التقدمي العربي، وتمنعه من التبلور حول أفق متجاوز. ولا يريد الماركسيون مساجلة الأفكار القومية بالنظر إلى أنهم خسروا المعركة معها في الخمسينيات والستينيات، حين كانت الجماهير العربية خاضعة لتلك الأفكار التي استعارها الإسلام السياسي لاحقاً، ودمجها في سياق توسيع هيمنته، في ما يُعرف بالتيارات والهيئات والحوارات الإسلامية ـــــ القومية.اكتشف الإسلام السياسي القرابة الفكرية والروحية مع بقايا القوميين الذين تخلوا عن الاشتراكية والعلمانية. وهو تخلٍّ أزال فتيل العداء القديم. فإنّ ما يبقى يتضمن مشتركات واختلافات يمكن تسويتها.تصفية الحساب مع الأفكار القومية له، إذاً، ضرورة سياسية راهنة أيضاً في إطار السجال ضد الإسلام السياسي. وهو سجال تأخر التقدميون العرب في خوضه بسبب أوهام التوجهات الجبهوية، والتعلق الجبان بأطروحة التفريق اللاجدلي بين ما يسمى تناقضات رئيسية وثانوية.وكأن قضايا الحداثة والتنمية الوطنية والديموقراطية الاجتماعية والعلمانية، التي يتعلق بحلها فقط تجاوز التخلف، والاقتدار على مواجهة الإمبريالية، هي قضايا من الدرجة الثانية.نقطة البدء اللازمة للتحرّر من الوعي القومي ـــــ وتالياً الإسلامي ـــــ تكمن في ملاحظة بسيطة مغْفلة: القومية لا تختصر ولا تساوي العروبة، والإسلام السياسي لا يختصر ولا يساوي الإسلام. لقد دأب القوميون، مستخدمين الديماغوجيا الدعوية ووسائل العنف الفكري والمادي معاً، على اعتبار الحركة القومية ممثلاً شرعياً ووحيداً للعروبة. وداخل هذه الحركة، رأت أحزاب متصارعة أنها هي، بالذات، التي تعبّر عن الحركة القومية، وبالتالي فإنها وحدها التي تمثّل ما هو عروبي.
الأحزاب القومية تعبّر عن مصالح بورجوازية محلية وليست كما ادعت ممثلة للعروبة ولقد نجح القوميون في فرض معادلة المماهاة بين القومي والعروبي في الأيديولوجيا العربية المهيمنة. وهي معادلة أصبح من الضروري الآن نقضها، لأنها بقدر ما هي زائفة، بقدر ما هي تعرقل نهضة العمل العروبي.القومية العربية، بكل مدارسها وأحزابها، هي، في الأخير، حركة فكرية ـــــ سياسية صراعية داخل العروبة الواقعية ـــــ وفي لحظات عديدة، ضدها ـــــ وليست ممثلاً للعروبة في الصراع الذي خاضته وتخوضه الشعوب العربية لتوحيد صفوفها في المعركة ضد الإمبريالية والكمبرادورية والاستبداد.ويكشف التحليل المادي لمضامين السلوك السياسي للأحزاب القومية أنها استخدمت العروبة أداةً أيديولوجية في معاركها لهيمنة بورجوازيات محلية على المستويين الداخلي والإقليمي: لم تزد الناصرية، في الواقع، عن كونها تعبيراً عن مصالح بورجوازية مصرية معادية للاستعمار وتطمح إلى تحقيق ذاتها في مشروع تنموي، لكنها تطمح إلى فرض نفوذها ومصالحها على العالم العربي، مستخدمة فكرة العروبة الملهمة للجماهير. ومثال النهج السلطوي المصري في «الإقليم السوري» من دولة الوحدة ليس سوى واحد من بين أمثلة السلوك السياسي الفعلي للناصرية في تدخلاتها العربية القائمة على نظرية الدفاع خارج الحدود.وفي تحليل هذه التدخلات، سنرى أن بعضها إيجابي وبعضها سلبي، لكنها جميعاً كانت تعبّر عن مصالح «مصروية» بالدرجة الأولى. وحين سقط مشروع البورجوازية المصرية الاستقلالي وانتقلت إلى الكمبرادورية، لم تعد هي في موقع شبه مركزي يتطلب الإيديولوجيا الناصرية، فانقلبتعليها.حركة القوميين العرب خارج مصر، احتكرتها سياسياً قوى بورجوازية صغيرة فلسطينية، وطوّعتها، بادعاء الانتقال نحو الماركسية، لتصبح رديفاً أيديولوجياً وسياسياً للكمبرادور الفلسطيني.وهذا هو في رأيي أساس الحبل السري الذي لم ينقطع بين الجبهتين الشعبية والديموقراطية و«فتح».حزب «البعث» مثّل حركة أكثر أصالة، أولاً، بسبب وراثته للحركة القومية التقليدية في المشرق، وثانياً، بسبب تعبيره عن جراح الوطنية السورية التي انحصرت من مداها الواسع والحيوي في بلاد الشام إلى التموضع في المساحة الجغراسياسية للجمهورية العربية السورية، وفقدت البورجوازية السورية، بالتالي، إمكان تحوّلها إلى مركز أو شبه مركز.وثالثاً، لأن هذا المآل المأسوي انتقل بالإنتلجنسيا السورية إلى الراديكالية الاجتماعية والسياسية والعلمانية. وحين قدّم الرئيس حافظ الأسد معادلة معقدة لدور سوري شبه مركزي في المشرق، استطاع تكوين نظام مستقر حظي بقاعدة واسعة نسبياً. لكنه، بطبيعة الحال، اصطدم بمشروع مركزي آخر تمثّل في النظام البعثي العراقي، المعبّر بدوره عن مشروع بورجوازي عراقوي. وهذا التنافس الصراعي مع بغداد الصاعدة في السبعينيات، والعداء التقليدي العميق الغور مع تركيا التي سلخت حصتها من الشام، وأخيراً الصراع الدامي مع إسرائيل، كل ذلك وجه الأسد إلى تحالف مع إيران الإسلامية المعادية للعراق والعروبة. وعلى الهامش، اصطدمت دمشق بالمتمردين في الإقليم الشامي: «فتح» الفلسطينية والملك حسين، لكن بالدرجة الأولى بالمتمردين في لبنان الذي لا يُعَد جزءاً لا يتجزأ من الإقليم الشامي فقط، بل من الجمهورية.لقد أصبحت هذه اللوحة من الماضي. فالبورجوازية السورية تعود القهقرى نحو الكمبرادورية. وهو ما قاد، ويقود إلى التموضع في الإطار الجغراسياسي للجمهورية القائمة.أردت من خلال هذا السرد أن أضع النقاط على الحروف في ما يتصل بحقائق تاريخ الأحزاب القومية بوصفها معبّرة عن مصالح بورجوازية محلية، وباعتبارها أحزاباً تصارع داخل العروبة الواقعية، وليست، كما ادعت، ممثلاً للعروبة. ولا يعود ذلك إلى خيانة السادات لنهج عبد الناصر أو تخلي النظامين العراقي والسوري عن «البعثية الحقيقية»، بل يعود إلى بنية الأيديولوجيا القومية المؤهلة للعمل خادمة للبورجوازيات المحلية المتنافسة، لكونها، بالذات، أيديولوجية زائفة، وتقبل التزييف.الأفكار القومية العربية، كلها، مستوردة من أوروبا القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وليست بحال من الأحوال عربية المنشأ. ويمكن تلخيص هذه الأفكار، في تجليها الألماني والفرنسي اللذين استورد منهما القوميون عندنا نظراتهم، بالآتي: الأمة العضوية التي تقوم على التماثل وترفض التعددية المحلية والإثنية والدينية واللغوية والثقافية، لكنها تسمح ـــــ ما عدا فترات الأزمة النازية والفاشية ـــــ بالتعددية الحزبية داخل التماثل القومي والأيديولوجي. وقد حارب القوميون عندنا الشق الأخير، أعني التعددية السياسية التي عدّوها تهديداً لوحدة الأمة يواجَه بالحل النازي ـــــ الفاشي، أي بالعنف الدموي.وبالافتقار إلى الأساس الاقتصادي ـــــ الاجتماعي المساند للأيديولوجيا القومية في أوروبا، أي قوى الرأسمالية المتطورة التي تتطلب الحداثة والعلمانية، فإن الأحزاب القومية العربية اضطرت للجوء إلى قواعد ما قبل رأسمالية، أي إلى العصبيات المحلية والطائفية. وهو ما منع التحديث وضرب العلمانية، وسمح للإسلام السياسي بوراثة المشهد كله.تكونت الأمة العربية في صيرورة إمبراطورية أطلقتها أيديولوجيا دينية هي الإسلام، وتكونت ببطء عبر القرون وكوّنت روابطها الداخلية في ظل نظام اقتصادي ـــــ اجتماعي لم يعرف الملكية الخاصة للأرض إلا في أضيق الحدود، وهو النظام الذي يسميه سمير أمين «الخراجي». وقد أتاح هذا النظام تكوّن الأمة على أساس التعددية المحلية والإثنية والدينية والثقافية، المعتَرف بها، التي شهدت تقنيناً في الشريعة، وفي العهد العثماني في أنظمة مكتوبة ومراعاة بدقة لإدارة الخصوصيات من كل نوع وشكل.ويختلف هذا السياق التاريخي لتكوّن الأمة العربية جذرياً عن السياق التاريخي الذي تكوّنت فيه الأمم الأوروبية، ما جعل استيراد الأفكار القومية لهذه الأمم، واستخدامها لتجديد الأمة العربية، مستحيلاًوكارثياً.الأيديولوجيات الناجعة لا تُستورَد من الخارج، كذلك فإنها لا تنبثق من نص مقدّس، بل هي تتكون بالتطابق مع التكوّن التاريخي للمجتمعات وحاجاتها الموضوعية للتقدم. وهو تطابق ليس بإمكان الأفكار القومية الأوروبية أن تنهض به إلا بتدمير الواقع لحساب الأفكار الجاهزة، وسحقالاعتراض.من التماهي مع الفكرة القومية الأوروبية، أشاع القوميون عندنا تخيلات لا علاقة لها بالواقع العياني للأمة العربية. ومن هذه التخيلات القول إن الاستعمار الغربي جزّأ العالم العربي إلى أقطار. وهذا ليس صحيحاً أبداً. فعندما قدم المستعمرون إلى بلادنا، وجدوها مجزأة بالفعل إلى أقطار ومجتمعات محلية وملل.كانت الدول قائمة بالفعل في المغرب العربي ومصر، وكان المشرق المكوّن من أرخبيل ثقافي وديني واجتماعي وإثني، خاضعاً للإمبراطورية العثمانية التي تعترف بهذا الأرخبيل الواقعي، وتديره. لكن الوحدة السياسية الخارجية في إطار الإمبراطورية، لم تكن تعني أبداً أن المشرق العربي كان، قبل الاستعمار، موحداً. بطبيعة الحال، ارتكب المستعمرون جرائم بحق المشرق العربي، أُولاها إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين وتسهيل سلخ أراض سورية لحساب تركيا وأراض عراقية لحساب إيران، وأخيراً ترسيم حدود الدول الجديدة من دون الأخذ في الاعتبار حدود المجتمعات المحلية، ما قسّم بعض هذه المجتمعات على أكثر من دولة. لكن كل ذلك لا يلغي حقيقة الخصوصيات والتعددية الإثنية والثقافية والدينية في المشرق، وهي حقيقة سعى المستعمرون إلى تعميقها واستخدامها لأغراضهم، لكن فقط حينما كانت هذه الأغراض تتطلب ذلك. فلا يستطيع أي دارس للتاريخ المشرقي الحديث أن يهمل كون بريطانيا سعت إلى دعم توحيد معظم الجزيرة العربية تحت حكم آل سعود، أو أنها دعمت مشروع الملك عبد الله لـ«سوريا الكبرى»، أو أنها دعمت تأسيس الجامعة العربية وكان لها التأثير الحاسم في توحيد الضفتين الشرقية والغربية للأردن، وتوحيد الإمارات.العروبة ليست فكرة ولا حركة، بل هي واقع قائم على روابط عميقة متكوّنة تاريخياً بين شعوب ومجتمعات وإثنيات وأديان وطوائف وثقافات محلية. وليس بين هذه الروابط ما يجعلها عضوية من حيث الأصل الجنسي. فالعرب لا تربطهم قرابة الدم (فالأصول الإثنية للشعوب العربية عديدة)، ولا يوحدهم الدين (فالعرب يدينون بأديان رئيسية وفرعية عديدة)، ولا توحدهم اللغة (فالعرب يتحدثون بلهجات عديدة غنية وأصيلة وتعبّر عن المحلي، تاريخاً ومجتمعاً، بصورة تستبعد الفصحى إلا للكتابة). فماذا يوحّد العرب؟ يوحدهم مدى اجتماعي ـــــ ثقافي ـــــ سياسي مستمد من العيش المشترك في إطار الإمبراطوريات الخراجية، ولا سيما في عهدها العربي. وهذا المدى «التعددي» يتركز، رمزياً، في العروبة التي يدرك الشعور الجمعي للشعوب العربية أنها رابطة لا غنى عنها لمواجهة الإمبريالية الغربية، وللتقدم الاجتماعي.العروبة النضالية، بهذا المعنى، لا يمكنها إلا الاعتراف بالواقع التعددي، والسعي إلى تنظيمه ـــــ لا إلغائه اعتباطاً ـــــ في صيغ اقتصادية وسياسية ودفاعية وثقافية قادرة على تحسين شروط الاستقلال والتنمية والتحديث.والتعددية المحلية والإثنية والدينية والثقافية لا يمكن تنظيمها بصورة تقدمية من دون التعددية السياسية في ديموقراطيات جذرية، كذلك لا يمكن تجاوزها تاريخياً من دون الديموقراطية الاجتماعية، وبالتالي، الحداثة والعلمانية. وهذا يعني أن الإسلام السياسي لا يمكنه أن يكون بديلاً.* كاتب وصحافي أردني
...................................................................................................................................................................
الإقليميّة ومعارك تصفية الحساب مع القوميّة العربيّة :
ردّ على مقال الكاتب (ناهض حتر) :""قومي؟ لا. عروبي؟ نعم، بالتأكيد""
(في جريدة "الأخبار" اللبنانيّة تاريخ ١١/آب/٢٠٠٨) :
بقلم د. منير وسـّوف القـوي :
القسم الأوّل :
أنْ يكون السيّد (ناهض حتر) "لا قوميّ" "عربيّ " فهذا خيارهُ ،أنْ يجترح لنفسه صفة "عروبي" فهذا شأنهُ ،أمّا أنْ يُخضِع القوميّة العربيّة ،هكذا وبالجملةِ ،لمحكمة منطق "ماركسويّته الذاتويّة " فَيُصدرُ الأحكام المبرمة ،فهنا "لا" ،فالقضيّة تحتاج لوقفة ،لا للتأمُّل فقط ،ولا حتى للحوار ،بل للردّ على منطقٍ ،جديد ـ قديم ،لاأعتقدُ أنّه يكفيه ادّعاءَ "منهجية" التناول ،ولا "علميّة" البحث ،لإخفاء غرضيّته ،بل ومتابعتة معركته ضدّ القوميّة العربيّة وتمظهراتها ، وضدّ المنتمين إلى فكرتها بالأساس ،والتساؤل الذي يُسارعُ في حضوره إلى الذهن ،وبلا تردُّد : لمصلحة مَنْ ؟ !! .
(لم تعد الحركات القومية تمثّل تحدياً) ،يقول الكاتب ،هكذا بخفّةٍ وبشطحة قلم !! فلماذا يُتعب نفسه بالتطرق إلى "" حركات 'ضامرة' لا تمثّل تحدياً "" ؟! أهي متابعة تصفية الحساب الإقليمي في شقِّه "الماركسوي" مع القوميّة العربيّة ؟! أمْ هو تطوُّع قلم "بعض" المثقَّفين لفتح المعارك العبثيّة ،أو الترفيّة ،أو ربّما المطلوبة !!،ومرّة ثانية : لمصلحة مَنْ ؟ !! .
(لكن أفكارها ـ" الحركات القومية "ـ لا تزال تشوّش الوعي التقدمي العربي، وتمنعه من التبلور حول أفق متجاوز.) ،حكمٌ "قراقوشيٌّ" آخر يُتحفنا به السيّد (ناهض حتر) ، في عصماء محكمته "الإستثنائية" حتماً !!
فهذا السبق في تجريد الحركات القومية ،والعربيّة بالخصوص ، والتي كانت تُصنِّفها الأدبيات الماركسيّة من بين القوميّات المُضْطَهَدَة (بفتح الهاء) ،من دورها ،ماضياً وحاضراً ،في بلورة الوعي التقدمي العربي، يُسجَّل اكتشافاً (حصريّاً) باسم السيّد (ناهض حتر) ،فكيف إذا أضاف إليه دورها المشوش !! مما لم يسبقه إليه أحد ،حتى ولا مِمَّنْ يُعرَّفوا بكذبة يوتوبيي "الأمميّة الرابعة" ،وخاصّتهم ،أطفالها من المجددين ـ " المحافظين الجدد " !! ،ومرّة ثالثة : هذا التجنّي على الوعيّ والتاريخ ،لمصلحة مَنْ ؟ !!.
أمّا (ما يُعرف بالتيارات والهيئات والحوارات الإسلامية ـــــ القومية.) ،فمما لا شكَّ فيه أنّها هياكل تنظيميّة ،بعضها محدثة ،لكنْ متى كان التفارق قائماً بين العروبة وتيّارها القومي ،وبين الإسلام الحقّ ؟ فلعلّه من المفيد التذكير بالمقولة الأشهر :( العروبة جسد روحه الإسلام ) ،أمّا الصراعات مع (الإسلام السياسي) وإسلاموييّه ،بتيّاراتها المتعددة ( سلفيّة ،إخوانيّة ،وهّابيّة .....إلخ......)،وكذلك ماركسوييّه ،باجتهاداتهم وإنتاجهم الفكري ،وبعضه المقدّرعالياً ،والذي حاول إيجاد أرضيّة مشتركة ،وفتح أبواب تلاقٍ بين الإسلام والماركسيّة ،في خضمِّ معارك التحرر الوطني ،والسعي لانتصار ما كان يسمّى بحقّ (معسكر الحريّة والتقدُّم) ،على قاعدة تقرير قيمة الإنسان بذاته ،والإعتراف بحقِّه في الوجودالمكرَّم الكريم ،ونضاله المحقّ والمشروع لتحقيق العدالة الإجتماعيّة ( المفكرون : د.حسين مرّوة ،أحمد عباس صالح ،محمود أمين العالم .... وآخرون كُثُر ....)،فيدخل في خانة الحراك المجتمعي الحيّ،وبالخصوص الأيديولوجي الثقافي ـ الثقافوي ،وفي إطار الصراع السياسي على النفوذ في المنطقة العربيّة ،والذي تداخل ويتداخل فيه ،المحليّ والإقليميّ والدوليّ ،الإرادوي التحرري وتحالفاته ،والتابع المرتهن الوظيفي ومراكز إداراته ،فتعاون مصر "الناصريّة" مع الإتحاد السوفييتي "الشيوعي" لم ينتقص من إسلامها ،تماماً ،مثلما لم يُغَطِّ الإسلام تعاون معظم "النظام الإقليمي الرسميّ" فيما كان يُعرف بالأحلاف "الموصوفة" بالإسلاميّة ،"المعروفة الإرتباط" ،فهو إذاً صراعٌ سياسيّ موصوف ،لبلورة مصير منطقة فائقة الأهميّة جيوبوليتيكو ـ استراتيجيّاً ،فلماذا هذا الإختزال الفكروي القسري للحركات العربيّة القوميّة ،وللإسلام ،بآن :( كانت الجماهير العربية خاضعة لتلك الأفكارـ القوميّة ـ التي استعارها الإسلام السياسي لاحقاً ) ،وكأنَّ في العلاقة بين الحركات العربيّة القوميّة والإسلام ،حتى السياسي منه ،تناقض أزليّ ،لا حل له إلاّ بفعل النفيِّ ، ووراثة الأخير للأوَّل ،ولو بالصيغة السلعيّة ـ الإقتنائية (استعارها) ؟!! مرّة رابعة :كلُّ ذلك لمصلحة مَنْ ؟ !!.
يتابع السيّد (ناهض حتر) : (اكتشف الإسلام السياسي القرابة الفكرية والروحية مع بقايا القوميين الذين تخلوا عن الاشتراكية والعلمانية.) !!!،هنا : لاحول ولا قوّة إلاّ بالله ، فلم يعد القوميّون سوى "بقايا" ،والأدهى ، تخلّت عن "الاشتراكية والعلمانية" !! هكذا حاكم وحكم السيّد (ناهض حتر) ،وبكل ثقةِ البحّاثة العارف ،على العرب القوميين وعلى توجهاتهم العقيديّة ،بل وعلى أنماط تفكيرهم لأنَّ (الماركسيّة العلميّة!!!) لم تعد منهجهم ،هذا إذا كانت يوماً ، وأمّا تخلّيّ القوميين عن العلمانية فأقرب إلى " النكتة " ،إذْ لم أعرف قوميّاً عربيّ ،أوأقرأ لقوميٍّ عربيّ ،اللهمّ إلاّ مَنْ تَمَرْكَس ،أوأخذته نوبة مراهقة سياسيّة ،قال بالعلمانيّة ،بمعنى الفصل بين الدولة العربيّة والإسلام ،فذلك لا عقلانيّ ،قبل أنْ يكون لاعمليّ ،بل ومستحيل ،إنّه دعوة لاستحداث "فصام" بنيوي قسري في شخصيّةٍ متكاملة ،بين ذهنيّتها الواعيّة وواقعها الحياتيّ المعاش ،فالعلمانيّة أوروبيّة المولد ،لها بيئتها وتاريخيتها ،وهي لم تفصل بين الدّين والدّولة ،كما هو شائع ،بل بين سلطة الدّولة ودور إكليروس الكنيسة بالتحديد ،حتى لا نبقى في هوامية المصطلح واستسهال استيراده الثقافوي ـ الإستهلاكي .
صحيح أنّ قضايا الحداثة والتنمية الوطنية والديموقراطية الاجتماعية هي قضايا من الدرجة الأولى ،ويتعلق بحلها تجاوز التخلف والاقتدار على مواجهة الإمبريالية، ولكنْ ليس "فقط" ،وخاصّة ليس بجعل تصفية الحساب مع الأفكار القومية ضرورة سياسية وراهنة ،فذلك خروج بتلك القضايا عن شرطيّة إمكانيّة إنجاز حلولها ،هذا أولاً ،
وثانياً إنَّ حشد إمكانيّات العرب ـ يا عروبي ـ هو الضرورة السياسية الراهنة للردّ على استهداف العرب ،بقضِّهم وقضيضهم ،مما لم ،ولا يخفيه مستهدفهم الإمبريالي ومدللته "إسرائيل"،وبالعدوان المباشر والإحتلال والإبادة وتمزيق الممزّق وتفتيت المفتت ،مما لاتُغفله عين تبصر ،حتى بلا بصيرة ،من هنا ضرورة الإستنهاض القومي العربي ،لا تصفية الحساب مع الفكر القومي الذي سبقك إليه حاكم العراق الأمريكي ( بريمر) ،صاحب قانون (تصفية البعث) ،فسابقك ذاك ،لم يقل تصفية (بعث صدّام) أو تصفية (حزب السلطة) التي أطاح بها ، بل قانون تصفية البعث ،ولصاحب العقل أنْ يفهم ليستخلص العبر ، وهنا فالجواب على السؤال ذلك لمصلحة مَنْ ؟ !!.واضح جليّ يا سيِّد (ناهض حتر) .
وأمّا التناقض الأوضح في منطق السيّد (ناهض حتر) ،وهو من بيدر تناقضاتٍ ،فقوله :
(نقطة البدء اللازمة للتحرّر من الوعي القومي ــ وتالياً الإسلامي ــ تكمن في ملاحظة بسيطة مغْفلة: القومية لا تختصر ولا تساوي العروبة، والإسلام السياسي لا يختصر ولا يساوي الإسلام. ) ،هنا يعيد اللحمة بين الوعي القومي والإسلامي ،ولكن على القاعدة ـ الهدف : ""نفيهما"" ،معيداً تدوير مربعه إلى إصراره المدخلي على صراعهما الإلغائي على قاعدة (استعارها) ،
ثُمَّ من أين أتى السيّد (ناهض حتر) بمعادلته البسيطة " المغفلة "مع أنّها "حتريّة حصريّة " مُعلنة بإشهار ،إذْ لم يقل بها قوميّ عربي ،ولم يعلنها تيارقوميّ عربي ،فالقوميون أفراد منتمون ،والتيّارات العربيّة القومية متعددة ،بأطر تنظيميّة وحزبيّة عديدة ،يجمعها قاسم مشترك عام ،هو استمدادها مرجعيتها ومشروعيتها من انتمائها لأمتها ،وعملها الدؤوب لتحقيق مشروع الكيان القومي العربي في دولة العرب الواحدة ،وأمّا قصّة التمثيل الذي يشير إليها الكاتب فتدخل في باب اجتهاد كلّ فصيلٍ قوميّ ورؤيته لدوره ،وحتى في حال الصراع الفصائلي فالإنتماء يتأكَّد وليس العكس .
في القسم الثاني تكملة للردّ ،فمقال السيّد (ناهض حتر) من صنف التجاوز على مبدأ حريّة التفكير ،وعلى حقِّ التنوُّع والإختلاف ،ومن منطق أيديولوجيٍّ محدّد ،وموقف سياسي استئصالي ، وعلى صفحات جريدة مميزة ، مما اقتضى الردّ .

الجمعة، 7 أغسطس 2009

مقال: الحزب الفرنسي "ضـدّ الصـهيونيّة" - بقلم: د.منير القوي

مقال: الحزب الفرنسي "ضـدّ الصـهيونيّة"
- بقلم: د.منير القوي

في المقال الماضي بعنوان :(ديودونّيه...جاد المالح) ،والرؤية العوراء ،(تاريخ٢٣ /تمّوز/٢٠٠٩)،قلتُ :
في المقال القادم ،سيكون الموضوع حول ( ديودونّيه ) المناضل السياسي ،لا السياسي فقط ،وحول الحزب المعادي للصهيونيّة ،حزب "" ضـدّ الصـهيونيّة "" الذي ينشط من خلاله ،وفيه :لذلك واحتراماً للموضوعيّة في محاولة التعريف بالحراك السياسيّ على الساحة الفرنسيّة بعامّةٍ ، وبخاصّةٍ في سويّتها الشعبيّة العريضة "والفسيفسائيّة" ،وبعضها ""مُهمّشٌ ممنوعٌ ،تقريباً ،سماعَ صوته"" ،سيكون استعراض برنامج الحزب ضدّ الصهيونية (ب . ا . س)(.p.a.s) مدخلاً لمادة مقالنا الحالي ،والذي يحمل العنوان:
الحزب الفرنسي "" ضـدّ الصـهيونيّة "" ،حصراً للموضوع ،وتأكيداً لهُ وعليه ،وخاصّة لدور( ديودونّيه ) المناضل السياسي في منظمة سياسيّة هادفة ،و"الفنّان ـ الإنسان" ،الفرد المتميِّز،الملتزم بقضيّة الإنسانيّة الأولى ،قضيّة نبذ العنصريّة بكل أشكالها ،ومقاومة تعبيراتها ،السافرة والمقنّعة ،وخاصّة الحركة الصهيونيّة ،أعتى عتاولتها ،أخبثها ، وأقبح وجوهها ،الذي أظهره (تجسيد أيديولوجيتها ـ الكيان الصهيونيّ) ،منذ ميلاده ـ النكبة ،عام ١٩٤٨ ،على الأرض العربيّة في "" فلسطين "":ا
لمساعي والطموحات للـ (ب . ا . س ) في سبيل فرنسا :(.p.a.s) :
والذي يمكن ترجمة اجتماع اختصارتسميته بالأحرف الثلاثة الأولى من اسمه (.p.a.s) بكلمة "" لا "" الرافضة ،الغاضبة ،المتمرِّدة ،والمحتجّة ،لا المعارِضة فقط ،فبرنامج الحزب يندرج في خمسة عشر بنداً :
١ ـ العمل على إلغاء (اختفاءٍ ومنعٍ ) التدخُّل الصهيوني في الشؤون العامّة للأمّة ( الفرنسيّة).
٢ ـ شجب (واستنكار) جميع السياسيين المدافعين عن الصهيونيّة ومبررّينها ( فكراً وتطبيقاً) .
٣ـ استئصال كلّ أشكال الصهيونيّة من (أوساط) الأمّة ( الفرنسيّة .
٤ ـ منع المشاريع والمؤسسات (الفرنسيّة) من المساهمة بالمجهودات الحربيِّة لأمّةٍ أجنبيّة لاتحترم القانون الدّولي .
٥ ـ تحرير دولتنا (الفرنسيّة) ،وحكومتنا ومؤسساتنا (الفرنسيّة) من حالة السيطرة "بوضع اليد"وضغط المنظمات الصهيونيّة.
٦ ـ تحرير وسائل الإعلام " الميديا" ،بهدف تحقيق تعدُّد مصادر المعلومات ،وصولاً للإرتقاء إلى (ممارسة) حريّة التعبير.
٧ـ الإرتقاء إلى 'التعبير الحرّ' بسويّاته المختلفة : السياسيّة ، الثقافيّة ،الفلسفيّة والدّينيّة ،وتحريرها من (الهيمنة)الصهيونيّة .
٨ ـ إعادة السلطة لفرنسا وللفرنسيين وفق القواعد الجديدة ،الجيوـ سياسية والإقتصاديّة ،بخصوص المسائل والقضايا الكبرى التي تحتاج التزام الأمّة للوفاء بمسؤوليّاتها .
٩ ـ توقف مشاركة (التزام) فرنسا في الحروب الإستعماريّة ،وإعادة جيوشنا المرسَلة إلى أفريقيا ،أفغانستان ،وكل مكانٍ من العالم ،إلى الوطن.
١٠ ـ المطالبة ،وبإصرار، باستفتاء شعبيّ حيال كل التزام فرنسيٍّ جديد (عسكري) خارج فرنسا
١١-سنُّ مشروع قانون يحرّم على حامليّ الجنسيّة المزدوجة ( فرنسيّة وأُخرى) المشاركة في حروب دون تفويض( تكليف) واضح من الأمّة ( الفرنسيّة .
١٢ ـ منع كلّ " ميليشيا "أيّاً كان انتماؤها المعتقديّ الدينيّ .
١٣ ـ قيام حوار وطنيّ ،لتأسيس مشروع وعيٍّ مجتمعي ،يُقصي (ويستأصل) كلّ دفاع ،أوتحبيذ ،أوتبرير،أوتمجيد للصهيونيّة .
١٤ ـ اعتماد النسبيّة في الإقتراع والإنتخاب لتأمين "التمثيل ـ الحضور" لكل مكونات المجتمع (الفرنسي).
١٥ ـ النضال لإقامة مجتمع العدالة والتقدّم والتسامح (على الساحة الأوروبيّة).
ذلك هو برنامج الحزب :
بسيطٌ في طرحه ،واضحٌ في غايته ،شعبيٌّ في أداته ، ومع ذلك ،فثمة نقاط مهمّة من المفيد الإضاءة عليها ،ومن صُلب البرنامج :
ــ النقطة (١) : المقدارالضاغط للنفوذ الصهيوني المنظّم في مؤسسات المجتمع المدني ،الفرنسي بخاصّةٍ ،والأوروبي عامّةً
ــ النقطة (٢) : الدّورالهامّ والمؤثر ،الذي يلعبه (المتصهيّنون) ـ وهم أشدُّ تأثيراً من الصهاينة أنفسهم ـ من رجال السياسة والإقتصاد والإعلام ،في استمالة وتجنيد الرأيّ العام ،الفرنسي والأوروبيّ ،لمصلحة الصهيونية وأيديولوجيتها ،الأمر الذي يكشف عالميّة الأيديولوجية الصهيونية ،وتأكيد استمراريّة ديناميّة توجُّهاتها إلى مراكز القرار الدولي ،مما يعطي حركة سياسية مناضلة على الساحة الأوروبيّة ،كالحزب (ضدّ الصهيونيّة) ثقلاً نوعيّاً ،ينبغي ملاقاته في ديناميّة الحركة ،مادام الهدف واحداً "" مقارعة الصهيونيّة العنصريّة "".
ــ النقطة (٣) : التأكيد على ضرورة خروج فرنسا من ثوبها التاريخيّ الإستعماري بالإمتناع عن نزعات السياسة ""التدخليّة""،واتّباع المذاهب التوسعيّة ،الإمبرياليّة السافرة ،أو المقنّعة أيديولوجيّاً كالحالة الصهيونيّة ،ومذاهب مروِجيّ ومنفذي سياساتها القامعة لحريّة الرأيّ والتعبير،خاصةً في أجواء "عولمة" وسائل الإعلام ،والسيطرة ،شبه الكاملة ،لمراكز القرار الغربي على الـ " ميديا " الحديثة ،وثورتها ما بعد الحداثة .
ــ النقطة (٤) :إصرار برنامج الحزب (ضدّ الصهيونيّة) على إصدار التشريعات والقوانين الصريحة والصارمة ،التي تؤطِّر مشاركة المواطن الفرنسي في الحروب بين شعوب وأمم أخرى ،قطعاً للطريق على الجنوح ،بل الإجرام الإرتزاقي ( ظاهرة المرتزقة المجرمون ،كالمرتزق الفرنسي الأشهر: بوب دينار) ،أو ظاهرة المستوطن الصهيوني ،أسيرالمقاومة الفلسطينيّة في غـزّة (جلعاد شاليط) ،حامل الجنسيّة المزدوجة ،الفرنسيّة ـ الإسرائيليّة ،والذي جعلت منه الدّعاية الصهيونية وأبواقها (قضيّة رأيٍّ عام) في الغرب ،وهو ببساطةٍ : مستوطنٌ ـ مُغتصبٌ ـ وعسكريٌّ ،في جيشٍ عنصريٍّ مجرم ،قاتلَ مدنيين عُزَّل ،ومنهم أطفال !!! وبالتالي ،وبمنطق العدالة والقانون الدولي ،يجب أنْ يُقدَّمَ ،ورؤساؤه ،لمحكمة جرائم الحرب في " لاهاي " بتهمة ارتكاب (جرائم الحرب ،والإستئصال الإثني بالإبادة العرقيّة ) ،لا أنْ يصبح ،بغسل العقول الميديوي ،قضيّة إنسانيّة لـ ( ابن مختطف ينتظرعودته إلى دفء العائلة ،أبوان حزينان يذرفان على غيابه الدموع ..... أيُّ عهر ؟!! وأيّة وقاحة ؟!! بل أيّ عجرفةٍ عنصريّة وأيّ صلف ؟؟؟ !!!) .
ــ النقطة (٥) :المنع الصارم للظواهر المليشويّة ،خاصّة ذات الطابع الديني، في مجتمع علماني كالمجتمع الفرنسي ،بكل ما تمثله تلك الظواهر وممارساتها من تهديد للسلام الإجتماعي ،والتجانس المجتمعي ،ولسياسة الإندماج المتّبعة ،فضلاً عن المس بالـ (ثوابت الجمهوريّة) ،شبه المقدسة ،في المجتمع الفرنسي والدّولة الفرنسيّة ،ومن المعروف ،بلا حتى محاولة تمويهه ،أنّ المنظمات ( اليهودية ـ الصهيونيّة) لا تقيم كبير وزنٍ ،أو احترامٍ لتلك الـ ( ثوابت الجمهوريّة ) ،في ممارساتها ،تحت شتى الشعارات ـ الحجج : الشواه ـ الهولوكوست (المحرقة) ،رواسب النازيّة وبقايها ،معاداة الساميّة .... إلخ ....
ــ النقطة (٦) : والشديدة الأهميّة ،أنَّ المجتمعات الغربيّة ،رغم الديقراطيّات ،هي مجتمعات يعتور حركيّتها الكثير من مظاهر الإنحراف واللاعدالة ،بل والتمييّز بين مكوناتها على أسس : إثنيّة ،دينيّة ، ثقافيّة ،والأهم سياسية اقتصاديّة ،مما يعطي للنضال السياسي معناه ،ويجعل من الحراك السياسيِّ ضرورة للتقويم والتصويب ،بل وللتمرّد الفردي ،وللرفض المجتمعيّ ،بل وللثورة الغاضبة ، أسباب ومبررات انبثاقها .
بقيَ الإشارة أنَّ حزب (ضدّ الصهيونيّة) شارك في الإنتخابات الأوروبيّة الأخيرة (حزيران ٢٠٠٩) ،ونال مرشحه (ديودونّيه) ٣٦٠٠٠ صوت في المنطقة الباريسيّة وحدها ،صحيح لم يحصل على مقعده في البرلمان الأوروبي ،لكنّه أكّد حضوره في الأوساط الشعبيّة ،وأكثر من ذلك أثبت أنَّ (الهمّ الصهيوني) ليس همّاً فلسطيني ،أو قوميّ عربيّ ،بل فرنسيّ وأوروبيّ ووحتى إنسانيّ ،فالمنتسبون للحزب (ضدّ الصهيونيّة) إلى كلِّ المشارب في المجتمع الفرنسيّ ينتمون ،وفي كل التيّارات السياسيّة يتواجدون ،ومن كل الألوان الدينيّة ينحدرون ،وحتى "حاخامات" معادون للصهيونيّة في صفوفه يناضلون .
تعريفٌ بحزبٍ "لاعربيّ" ،وإضاءة عليه ،برسم إنسان منطقتنا العربيّة ،وخصوصاً برسم مثقفيها ومنظماتها المسيّسة الحاكمة ،والمعارِضة أو مدّعيتها ،للخروج من "مونولوج"الحديث إلى الذّات المازوشيّة المتلذذة باضطهادها .ففي العالم أحرار يطرحون قضايانا ،يلتزمونها قضايا نضال إنسانيّ ،ويضحون في سبيلها ،فهلاّ خرجنا من تظلُّمنا "القمقمي" ،إليهم ؟!!
أمْ أنّنا بالنحيب والتظلّم وجلد الذات ـ بسوط انكفاء العاجزوسياط الصهاينة ـ مكتفون ؟!!
حالة أغرب من الغرابة ،حقيقةً ،والأغربُ :""لشواذها !!،أنَّ في ظهرانينا :بعضٌ بها لامبالٍ ، وبعضٌ (أنظمة) ـ بلا خجلٍ ـ حليفٌ وموالٍ ،ومن البعض مدمنٌ لها بلا سؤال "" .
فعلاً إنّها لنازلة ، ولله في خلقه شؤون !!!!!!!!!

m.wassouf@hotmail.fr

داسك سيريا

الاثنين، 3 أغسطس 2009

مقال: المانيا...الجمهوريّة العربيّة المتحدِّة ...واليمن السّعيد ... في دروس النجاح والإخفاق

مقال: المانيا...الجمهوريّة العربيّة المتحدِّة ...واليمن السّعيد ...
في دروس النجاح والإخفاق

- بقلم: د.منير وسوف القوي
بانوراميٌّ ،استعراضُ هذا الثالوث في تنوّع المسارات إلى أيلولاته ،بل وليس عبثيّاً اختيار الثالوث أعلاه موضوعاً للمقال ،ففي التقاطع البنيويِّ لمكوناته قاسم مشترك من اليسير التقاطه : إنّه ( المشروع التوحيدي أو الوحدوي ) .
ولئن كان تعدد عوامل النجاح والفشل عصيّاً على الإحاطة ،بالمجمل الحصري ،في مقالٍ ،أوحتى دراسةٍ ـ مَقالة ،فإنّ سمتيّةً التخصيص تجعل المقاربة من بعض الممكن المتاح .
فمركبّات ديناميّة الثالوث أعلاه ،وباستقرائيّة مُقارِنة ،امتلكت :
١ــ المشروع وشرعيّته.
٢ ــ إرادة الشروع وشخصانيّته .
وتالياً ،فلقد أحاط به ،ورافقه :
١ــ أدواته المختلفه .
٢ــ جيوبوليتيك مختلف ـ تابع لُغاريتمياً ـ لعالمٍ متسارع التغيُّر .
ففي الحالة الألمانية كانت إعادة وحدةٍ ،أوتوحيد جزئين لأمّةٍ قُسّمت بإرادات المنتصرين على النظام النازيّ المهزوم في الحرب الإمبرياليّة الثانية ( الحرب العالمية الثانية ) ،في ظلِّ إرادةٍ كاسحةٍ ،شعبيّةٍ في جمهورية المانيا الديمقراطيّة( المانيا الشرقيّة) ،وشعبيّةٍ ـ رسميّةٍ في جمهورية المانيا الإتحاديّة ،(الشطرالإلمانيِّ الغربي)،ففي كلا الجزئين ـ المفصولين بجدار (برلين) ،وبأسلاك شائكةٍ ـ مكهربةٍ ،محروسةٍ بحراب حلفاء الأمس ،أعداء حينها ،معسكري حلفي (الناتو) و(وارسو) ،امتلك المشروع شرعيّته المفتأت عليها من المحتلين ـ شرقاً وغرباً ـ واستعادها ،في ظلِّ ظروف مؤاتية :
ا ــ اندماجُ ومساهمة نظامٍ المانيٍّ غربيٍّ في محيطٍ أوربيٍّ ، ينحو إلى معادلٍ استقراريٍّ جيوبوليتيكواستراتيجي ،هادفٍ بوضوح لإقامة اتِّحادٍ أوروبيٍّ وشيك ،لا بل ،وتصدي جمهورية المانيا الإتحاديّة إلى المشاركة في ثنائية قيادته مع فرنسا ، مشكِّلتان ""دينامو""دفع العجلة المتسارعة للوحدة الأوروبيّة ،التي وضعتها على سكّتها (بالإضافة إلى التكاملات الإقتصاديّة ـ العوامل )المصالحة التاريخيّة الإرادوية ـ البراغماتيّة (الألمانيّة ـ الفرنسيّة ) ،بين المستشار الألماني ،"باني نهضة المانيا" بعد دمارالحرب الإمبرياليّة الثانية (كونراد آديناور) ،و"محرر فرنسا" من الإحتلال النازيِّ أثناءها ،الرئيس الفرنسي (شارل دوغول) ،وأنجزت بالرئيسي من تصاميم مشروعها ،في طريقه إلى التطبيق ،أيضاً، الإتفاقيات المتلاحقة (الألمانيّة ـ الفرنسيّة ) ،وخاصةً تلك التي رعاها ،وبأكفٍّ متشابكة ،الزعيمان الأوروبيّان ،الرئيس الفرنسي (فرانسوا ميتيران) ،والمستشارالألماني (هيلموت كول) .
بـ ــ تضامر العداء الأوروبي الغربي للألمان (ولو باحتفاظ السياسة التاتشريّة حينها بحذرٍ تاريخيٍّ موروث) ،مع بداية تراخي القبضة السوفيتية على الشطر الشرقي من المانيا ،في واحدة من البوادر المنذرة بالسقوط المدويّ اللاحق للإمبراطورية السوفيتية .
جـ ــ المساهمة المحورية ،الألمانية الإتحادية ،في النهوض الأوروبي عامّةً ،وعلى الصعد كافّةً ،مما مكّن أوروبا مجتمعةً ،من القيام بمراجعة عقلانيّة لسياسات التبعيّة لمركز القرار الأمريكي ،بدايةً ،فيما خصَّ الشأن الأوروبي الداخلي خاصّةً ،وتالياً ببلورة استقلاليّةٍ أوروبيةٍ نسبيّةٍ ،مزجت ،بتلاقٍ براغماتيٍّ نادر ،بين نكهة إرادويةِ ـ فرنسيّةِ (دوغول) واستقلاليتهِ التقليدية ،وبين تعبئةٍ مشاعريّةٍ ،بإحساسٍ بظلمٍ مقيمٍ في الشعورالجمعي للأمّة الألمانية ،شرقاً وغرباً ،وعلى مستوى الأفراد كما الجماهير،وتلك من نوادر الصدف التي تكرِّس اتِّفاق النقائض على ذات الهدف ،لا بل ،وقوف الشخصين المتنافرين في المكان "الواحد ـ الهدف" بكامل التماهي والإندماج .
د ــ اضطلاع جمهورية ألمانيا الإتحاديّة بدور الرافعة في عملية إعادة التوحيد الألماني بكل إمكانياتها ،وعلى الرأس منها مجتمع مدني مؤسساتي متطوِّر ،إجماع وطني ـ شبه كامل ـ على القرار الوحدوي المصيري باقتراعٍ عامٍّ شفّاف ،نظام ديمقراطي تعدديِّ الأحزاب مجمع على الهدف ،والأهم ،قوة اقتصاديّة (ليبرالية) قادرة على الإستجابة لمتطلبات التوحيد ،بخطوات مدروسة ،تستوعب في تكامليّة دمجيّة اقتصاد ألمانيا الشرقيّة الدولاتي (الموجَّه مركزيّاً) ،والذيلي السوفياتي (طرفيّا) ،مع الأخذ بالإعتبار كل الفروقات ـ العوائق التي ستواجه الدولة الألمانيّة الواحدة ،والتي لن يكون أبسطها إعادة تأهيلٍ مفاهيميٍّ تربويٍّ ـ ثقافيٍّ ـ اجتماعيٍّ ، فرديٍّ وجمعيٍّ ـ جموعيٍّ ،للعلاقة المشوهة ـ بل والعدائيّة ـ بين "الألماني الشرقي" وكيان الدّولة ومؤسساتها ،وخاصة لـ ( قيمة العمل )الهادف لتحسين مستوى معيشة "المنتِج الفرد" ورفاهيته ،المناقضة رأسيّاً لتلك التي تربَّى عليها ،في ظلِّ "النظام الإشتراكي" الألمانيِّ الشرقيِّ الذي عسكرعمليّة الإنتاج ،وبالتالي ألبس العمل شكلاً من ثوب (سِخْرَةٍ ـ عقاب ) في (سجنٍ ـ معسكر) ينفذ فيه العامل عقوبةً مع الشغل ،في جوٍّ من الإبتهاج الإحتفالي ،بمرسومٍ فوقي ،وقرارقُدسويٍّ نضاليٍّ !!!.
بالمجمل : فلقد كانت الوحدة الألمانيّة عملاً مدروساً ،ومُمَأْسساً ،من ""وحدة الأمّة ـ الهدف"" إلى ""الدّولة ـ الأمّة ـ الإنجاز"" ،بالإنسجام ،شبه الكامل ،لعاملي الذات والموضوع ،داخلياً وخارجيّا ،مما مكّن تلك الوحدة من النجاح ،وأنْ تصبح من أهم منجزات العقد الأخير من القرن العشرين المنصرم ،اتِّحاديّاً أوروبيّاً ،والمنجز البنّاء الأهم في التاريخ الحديث للأمّة الألمانيّة .

بالعودة إلى محيطنا العربي ،وباستحضار التجربة المُجَهضَة لـ (الجمهوريّة العربيّة المتحدة ) قصيرة العمر ـ (٢٢شباط ١٩٥٨ ـ ٢٨أيلول١٩٦١ ) ـ فلقد توفّرَ لها :
ــ الشرعيّة والمشروع :
ــ أمّةٌ عربيّةٌ ـ واقعٌ شعبيٌ قائم ،وإرادةُ جماهيرتحرريّة على امتداد الجيوبوليتيك العربي ،في مرحلة نهوض قوميٍّ تاريخي ،من المحيط إلى الخليج ،ومن جبال (زاغروس وطوروس) إلى (بحرالعرب) ،خاصة في سوريّة التي ستصبح الـ (إقليم الشمالي ) من الجمهوريّة العربيّة المتحدة الوليدة .
ــ إرادة المشروع وشخصانيّته :إجماعٌ شعبيٌّ ،شبه كلّيٍّ ،في (مصـر وسـورية) ،واتفاق رسميّ كامل ،بصريح الرضى وحُرِّ الاختيار،في كليهما على إقامة الدولة الوحدويّة العربيّة النواة ـ للمشروع القوميِّ العربيِّ المأمول : (الدّولة العربية الواحدة ـ الأمّة العربية الواحدة) ـ في سبيل الغدِ المشرقِ العزيز ،والأمّة العربيّة الواحدة ،وفي ظلِّ قيادةٍ "شعبيّةٍ ـ شعبويّة" كاريزميّةٍ استثنائيّةٍ للقائد العربي الكبير (جمـال عـبد النّاصـر) ،الذي عُهِد إليه "بالأمانة !!" ،قيادة جماهيرالعرب إلى أمانيهم "المسلّمات ـ المشروعة" في التحرير والوحدة ،وبلورة الهوية العربيّة كياناً قوميّاً حيّاً "لا" حلماً وشعار،وفي التحرر والعدالة الإجتماعية ،لإنسان عربيٍّ منكور الهوية ، طالما غاب وغُيِّب في ظلامات القهر والتغريب والإنكار المزمن ،وحتى صيحات الإستهجان (شعوبيّة ـ اسلاموية) ،وأصوات الإستنكار( قوميّات اقليموية ـ اقليميّة ،وكومبرادور).
ــ أمّا ما رافق قيام (الجمهوريّة العربيّة المتحدة ) من أدوات مختلف في تقييم فعاليّاتها ،إيجابيّاً أوسلبيّاً ،وأحاط بها من جيوبوليتيك ،إقليميٍّ ودوليٍّ ،تفاوتت تأثيراته على سيرورتها وأيلولة مصيرها ،فإنّه يُعيد مرجعيّاًـ وباستدعاءٍ قرينيٍّ قوميّاً ـ مقارِنٍ مساريّاً ،وربّما مآليٍّ سيروريّاً (!!؟) ،مايحدث ،آنيّاً ،في اليمن "السعيد"إلى تلك "السيرة ـ الحقبة " المليئة بالآمال العربيّة الكبيرة ،والخيبات القوميّة الأكبر .
صحيح أنَّ الإتصال الجغرافي اليمني (بين الشمال والجنوب) قدّم ميِّزة على جغرافيّة الجمهوريّة العربيّة المتحدة ،ذات الإقليمين المفصولين بالكيان الصهيوني ،والمحاطةِ بحدود دُولٍ "عربيّة" مُشكِّكَةٍ سياسيّاً ،مرتابةٍ غايويّاً ،ومعادية موضوعيّاً لمشاريع الوحدة العربيّة الحقيقيّة ،بحكم استيلاء النظام الإقليمي الرسمي ،السايكسبيكوي ـ الصهيوني على وطن العرب ،ومحاولته المُصِّرة لطمسِّ الهويّة العربيّة انتصاراً للهويّات الإقليميّة المُشرعِنة لوجوده ،في ثنائيّة فصامٍ سياسي ،تجمع تناقض الشظايا في تأكيد "شرعنة وجودها الشظوي المستقِّل" من جهة ،ومن جهةٍ أُخرى ،تُكرِّس تكامل جهودها "المقاومة للوحدة" المُلغِية ـ حُكماً ـ للكيانات الشظوية القائمة بحكم الأمر الواقع المُكرَّس ،فضلاً عن نظامين أجنبيين معاديين ومرتبطين بالغرب ،النظام البهلوي في إيران الشاهنشاهيّة ،والتركي ذو الإرتباطات الأطلسيّة المميّزة .
أمّا كيف تجاوز نظامان إقليميّان "عربيّان" طبيعتهما "السيّاديّة"الرسميّة لمصلحة المشروع ـ الوحدويّ ،النقيض ـ الوجودي لواقعهما ،وكيف آلَ إلى انتكاسته المخيِّبة ،فلأسباب متعدِّدة ،ذاتيّة وموضوعيّة :
ــ فمن الذاتيّة الرافعة مشروعيّاً :
١ـ صعود أيديولوجيّة قوميّة عربيّة ،تاريخيّة السمات ،مستقبليّة الرؤية ،آمن بها المجتمعان ـ النظامان ،وبأكثرية ساحقة ،في قراءةٍ استقرائيّةٍ ،لمستقبل مشروع تحقق "مجتمعٍ ـ أمّةٍ" في "دولتها ـ المصير" ،سبيلاً لنهضةٍ تتسق ومسارات الأمم الحيّة الفعّالة الحضور،في عصرٍ يتّجه إلى الإعتراف بموقع تحت الشمس للأقوياء فقط .
٢ ـ ثباتٌ يقينيٌّ أنَّ الإستهداف شامل لمصير أمّة العرب ،لا يقف عند زرع الكيان الصهيونيِّ بين مشرقها ومغربها فقط ،بل متابعة امتهانها وإضعافها ،بتقسيم المقسّم وتجزئة المُجزأ ،ونهب كلّ ما أمكن من ثروة أرض العرب ،ووأد كلَّ محاولة تحرُّر عربيّة ،أوتملمُّل عربيّ ،منذ النفيِّ الأشهر للسلطان ( محمّد الخامس) ،مروراً بالمجازر الفرنسيّة ضد الثورة لجزائريّة ،إلى العدوان الثلاثي على مصـر عام (١٩٥٦) ،إلى مشاريع أحلافٍ متلاحقةٍ متنوّعةٍ ،مندرجةٍ في صراعاتٍ استقطابيّةٍ ،شرقيّةٍ ـ غربيّةٍ ،لامصلحة ـ بالمطلق ـ لعربيٍّ فيها ،بل كل الإيذاء البيّن له من تمريرها ،بجعل أرض العرب مقَّراً لقواعد القوى العظمى المتصارعة " أنذاك فيما بينها " ،وممرّاً جيوـ استراتيجيّاً لمخططاتها وتناوب نفوذها ،بين قديم استعمار وجديده ، وبين أيديولوجياتِ قوىً تبحث عن مواطئ القدم على شواطئ المياه الدّافئة وممراتها الجيوـ حيويّة ،المؤكّدَة الأهميّة ،منذ ابتدأ الغرب غزواته الإستعماريّة ،بإسقاطه "الباقي" من الحكم الأموي في الأندلس عام ( ١٤٩٢ م ) ،وخروج أوروبا ـ (الرجل الأبيض) ،الباحث عن الثروات ـ على حدودها ،لغزوِ العالم المستباح بقانون القوَّة الغاشمة المُهيمِنّة ،وللمصادفة فإنَّ الموقع العربيّ كان الهدف بِميِّزاته المعروفة ،والتاريخ الإسلامي ،بسيرته وتراثه ،وقدرصراعه المحتوم مع الغرب الأوروبي (دار الإحتراب) ،كوَّن الحافزالموضوعيَّ الموجِّه للمستعمِر "الأبيض" وثاراته .
٣ ــ تنافس سياسي داخلي في سورية ،بين تيّاراتٍ وأحزابٍ متصارعة ،وتسابق ارتباطي اقليمي ،واستقطابي دوليّ ،حسمه ـ انتصاراً ـ روّاد الوحدة بالذهاب إلى مصـرالناصـريّة .
ومن الموضوعيّة الرافعة مشروعيّاً :
١ـ تداعٍ لقلاع المستعمرالقديم (الأوروبي الغربي) في مناطق نفوذه التقليدية ، برّاً وبحرّاً ،مع موجةِ مدٌّ تحرريّ على امتداد العالم القديم (اللاأوروبي) ، وظهور "كتلة عدم الإنحياز" ،وبروز الدورالقياديّ للريادة "الناصـريّة" لها ،إلى جانب الزعيمين الهندي "جواهر لال نهرو" ،واليوغزلافي "جوزيف بروز تيتو" وآخرين : الرؤساء "كوامي نكروما " الغانيّ ، "أحمد سيكوتوري" الغينيّ ،"أحمد سوكارنو" الإندونيسيّ ،"مودبوكيتا" المالي ....... إلخ ........ ما شجّع الإحساس "الجماعيّ ـ الجموعي" العربي ،وبشعورٍنامٍ بالذاتِ العربيّة ،التي بدأت تشارك بحضورها الفاعل على المسرح الدوليّ ،بعد قرونٍ مريرةٍ من التهميش والإنكفاء .
٢ــ احتدام الصراع القطبي ـ الإستقطابي ،بين القطبين :الكتلة السوفيتية الصاعدة ،والأمريكيّة الطموحة التي بدأت بالحلول في مواقع الإستعمار القديم (البريطاني ـ الفرنسي) ،خاصّة شرقي السويس ،وبداية ما عُرف بـ (الحرب الباردة) وديناميّاتها ،تجاذباتها ومفاعيلها ،والإمكانيات الموضوعيّة التي فتحتها أمام حركات التحرر لشعوب آسيا و أفريقيا وأمريكا اللاتينيّة ،بالإستفادة من الظروف المتغيِّرة ،والثغرات المتاحة ،لبلوغ أهدافها ،أوبعضها ،في حقِّها بتقريرمصيرها ،في حقِّها بالتحرُّر والإستقلال والسيادة ،وفي حقِّها بالحياة السلميّة الآمنة من الهيمنة والعدوان .
أمّا العوامل الذاتيّة المحبطة ،فمنها :
١ــ إقصاء الجماهير في اقليمي (الجمهوريّة العربيّة المتحدة ) عن ديناميّة بنائها ،بإحالة تلك الجماهير إلى "التقاعد" على رصيف المتفرجين ،خاصّة في سـورية (إقليمها الشمالي)،وفي أحسن الأحوال ،دعوتها (أوحشدها) لتشكيل الحشود في الإحتفالات الكرنفاليّة الشكلية .
٢ــ تسليم مقدّرات الحكم والقرار لأجهزة قاصرة ،بيروقراطيّة متهالكة ،بعضها فاسد وحتى غير مؤمنٍ بالوحدة ،خاصّة في ،ومن مصـر (الإقليم الجنوبيّ)،وبعضها انتهازيّ وجد فيها فرصته لتحقيق المآرب ،حتى الشخصي منها ،ومنها الوضيع .
٣ــ عمليّة حلّ الأحزاب المؤمنة بالوحدة ـ بالتراضي المتسرِّع الصفقوي ـ وما ترتّب عليه من إجراء ات إداريّة ،عسكريّة ومدنيّة ،ومن شعورٍبالإحباط والتهيش ،وحتى بالإقصاء للذين آمنوا بالوحدة وعملوا لها ,خاصّة في سـورية (الإقليم الشمالي) ،قاد بعض هؤلاء إلى الإنقلاب على الوحدة ،بل ،وعدم التردُّد في التوقيع على بيان "الإنفصال"، بعد ذلك بسنوات ثلاث تقريباً ،هذا من جهة ،ومن جهةٍ أُخرى ،فإنَّ الساحة السورية تُركت بإخلائها الطوعي ـ السلطوي من "رجال الوحدة المؤمنين" لتُملأَ بالوصوليين والباطنيين المعادين ،وأصحاب الإنتماء ات الضيِّقة :المدينيّة (الكتلة الشواميّة ،الحلبيّة ....)، المناطقيّة (شرقيّة ،جنوبيّة ،ساحليّة....) ،القبائليّة (البدو)والعشائريّة ،بل وحتى الدينيّة والطائفية ،مما ستبرز سماته في الإنتخابات النيابيّة السورية في العهد الإنفصالي اللاحق ،وفوق ذلك ،فقد استمر نشاط الأحزاب (العلمانيّة والدينية)التي عارضت الوحدة (الشيوعيون ،السوريون القوميون ،والإخوان المسلمون) ،مستفيدة ،في اكتساب الصّدقيّة ،من سلبيّات الحكم الوحدويّ وسقطاته في التطبيق .
٤ــ الحساسيّة الإقليميّة ،التي تكشَّفت ونمت ،بين إقليمي الوحدة ،غذّاها اعتماد حاسم القرارلسلطةالأجهزة الأمنيّة ،بكل مايترتب على تلك الممارسة من علائق مرضيّة ،لُحمتها ضياع الحقوق وحدودها ،وسداها امتهان وجود الإنسان وكرامته ،خاصّة في ظلِّ ""تفاوت الوعيّ بمفهوم الوحدة ومعانيها ""بين الكتلة الشعبيّة في إقليميّ الجمهوريّة ،والذي كان ممكنٌ تجاوزه حماسيّاً ،ما كان ممكنٌ إخفاءه في التطبيق .
٥ــ انسحاب الفعل الشعبي المبادر لمصلحة تنظيمٍ سلطوي واحد (الإتحاد القومي) ،والتغييب الرمزيّ للجماهير خلف واجهة التركيزعلى صفات (الزعيم المُلهَم )،وإسباغ الكماليّة على التوجيهات والقرارات الصادرة عن نظامه ،في شخصنةٍ تمنع إمكانية محاسبة المرتكبين ،ونقد الخطأ والمخطئين ،بحكم منظومة علائق الإرتباط الولائي ،الإستزلامي الإفسادي ،والفاسد ،المنفلت من انضباطيّة معاييرالمؤسساتيّة والكفاءة .
وأمّا العوامل الموضوعيّة المعيقة المعرقِلة ،فمنها :
١ــ ازدياد الدعم الغربي للكيان الصهيوني المُهدَّد حسب مزاعمه ،والمبادرة إلى إقامة مشاريع وحدوية مضادّة (الإتحاد العربي الهاشمي العراقي ـ الأردنيّ ،برعاية مباشرة بريطانية ) بمواجهة الجمهوريّة العربيّة المتحدة التي وجدت نفسها ،ذاتيّاً وموضوعيّاً ،بالمواجهة ـ اللامفرَّمنها ـ مع المصالح الغربيّة لدول الإستعمار القديم ، واشك النجم على الأفول .
٢ــ الدخول المحتوم في الصّراع المفروض ،على الجمهوريّة العربيّة المتحدة الوليدة ،من جبهة اصطفاف أنظمة الإقليميّة المتضررة ،من سياسات نظام الوحدة وتوجهاته .
٣ــ سوء تقدير القوّة الذاتيّة (تضخيمها الثقويّ المفرط) ،واختلال معيار فهم موازين القوى الدوليّة ،وديناميّات فعلها وتوجُّهاتها ،وبالتالي ضياع الكثير من الطاقات في عبثية " دونكيشوتيّة "ومعارك خاسرةً سلفاً ،باعتماد أبسط قواعدِ العمل السياسي المحسوب .
في هذا القسم ،الأول ،تمَّ استعراض تجربتين ،من بيئتين مختلفين ،أوروبيّة وعربيّة ،قادت عواملهما المتباينة إلى نجاح الأولى وإجهاض الثانية ، أمّا في القسم الثاني ،القادم ،فستكون المادّة عن (اليمن) في مقاربة مقارنة مع العرض أعلاه .

داسك سيريا

الأربعاء، 22 يوليو 2009

مقال: (ديودونّيه...جاد المالح) والرؤية العوراء: حقٌّ وباطل ،ومنطقٌ هزيل

بقلم: د.منير وسّـوف القـوي

في مطلع هذا الشهر( تمّوز٢٠٠٩ ) ،سُفح الحبرالعبثيّ بكرمٍ حاتميّ ، في أوساط ""مثقفيّ بلاد الأرز""الخالد !!،وعلت أصوات جعجعة الطواحين على خواءٍ بائس ،حيثُ لم يُدّخر شعارٌ شعبويّ ،في ترسانة الكيديّة السياسيّة المأزومة ،إلاّ وشُهِر،و""المناسبة ـ اللامناسبة"" : بركة حلول الفكاهي الفرنسيّ (جاد المالح) على موسم الاحتفالات السنويّة ،في مهرجانات (قصر بيت الدِّين) ومهرجانات (بعلبك) الصيفية ،مدعوَّاً من البعضٍ من معجبيه النافذين ،ولقد كان كافياً ،لفت النظرالذي قامت به قناة (المنار) التلفزيونيّة ،إلى مواقف الرجل السياسيّة ،الملتزمة صهيونيّاً بلا تحفظ ،وخاصة تأييده المعلن لـ (جيش الدّفاع الإسرائيلي ـ تساحال) أثناء عدوانه على "لبنان"،في تمّوزـ آب ٢٠٠٦ ،لكي تُرفع البيارق الجاهزة ذاتها ،وتصدح الحناجرالمتأهبه إياها ،مؤكدة ومشدِّدة في مصيريّة المعركة المفتوحة :
** على حريّة الرأي والإختيار ،وسمو الفنّ وتنزّهه عن الغرضي ،وخاصة السياسي ـ وكأنَّ هناك فنّ بلا غائية !! أوكأن الرجل اعتذر أونفى مواقفه المنوه عنها ،ولو كذباً ومسايرة !! ـ .
** وفي سبيل ثقافة ( حُبِّ الحياة ) المكتشفة في مخابر فرز الثقافات وتكريرها ،بل وتعليبها وتصديرها ،كـ (الفول ،والحمّص ،وبابا غنّوج ) ،بسجلٍّ وعلامةٍ تجاريّتين """ صنع في لبنان ـ ماركة تجاريّة مسجّلة ـ امتيازحصري : مخابر ١٤ شباط للفرزالثقافي وتكريره وتعليبه ،للإستهلاك المحلي وللتصدير""" .
** ورفض الثقافات والذهنيات الشموليّة ،وتأكيد إدانة أيديولوجياتها القاصرة ،والمعادية لمعسكر ثقافة ( حُبِّ الحياة ) الظافر ببركات ضيفه "المعجزة"(جاد المالح) ،في عصرٍ معلوماتيٍّ عولميٍّ ــ لا عوالِميٍّ ،مع أنّه الأقرب والأنسب ــ ،باردِ المشاعر،جامدِ التعابير،وضنين الجود ،بالذات ،بالخوارق والمعجزات (خاصة ذات الطعم ، فكيف بالطعم المالح ؟!!) ،لتصل حمّى سعارالحماسة ،والتوصيف المبالِغ ،بالبعض إلى جعل الهوموريست المتواضع (جاد المالح) ،أعظم فنّان ، والأكثرذكاءً في فرنسا ،وربّما في أوروبا (؟؟!!! ) .
** والحقيقة أنَّ الهوموريست (الفكاهي) المُحتفى به ،والمُختَلَف في تقييمه ذاتوياً ،ليس بالفنّان ذو الثقل المُمَيَّز فنيّاً أوثقافياً ،لا على الساحة الثقافيّة ـ الفنيّة الفرنسيّة ولا الأوروبيّة ،سواء بسواء ،إنّه من صنف فنانيِّ فواصل الترفيه المتظارفين بلا ظرافة ،في مستقطع البلادة من وقت الخمول ،يُلقي " 'القفشاث' و'النكات " المكررة المستعادة ـ المُعادة ،والمتراوحة التقييم ،بين المضحكة المسلية ،والسمجة المملَّة البائتة ،وخصوصاً حين يصوِّب إلى أصوله الإثنيّة أو الدينيّة ، إنّه يبدو كمنْ يتلو آيات ندامةٍ مجانيّة ،لا ينتظرها ،أو يطلبها أحد ، لا بل تجرح مشاعر البعض من أصوله المغاربيّة ،حين يسترسل في تقديم الشخصيّة المغاربيّة المهاجرة ،في قالب من السذاجة الأبدية ،والخَرَق السلوكي المُستحكِّم ،والنُطق اللغويُّ المنعقل اللسان ،لاحس مخارج الحروف / اللهجوي الهجين المُضحك / .
ليصل إلى "منحدر" تألقه في إقحام الموضوع الأحبِّ إلى قلبه ـ ( يهـوديّـتـة ) ـ حيث تتكشف ظاهرة سلوكية شاذة منحرفة ،وشخصيّة مرضيّة ،مليئة بالعقد المركبّة ،تستقي مصادرها من تربية غيتوية ،وثقافةٍ مغلقةٍ ،على نسقيّة مفاهيم تاريخانيةٍ بالية ،يختلط في جبلة ذهنيتها ،الأسطوري والأكاذيب والإدعائي ـ الدَّعَوي ،فاتحة الأبواب على مصاريعها ،لتخصصات علم الإجتماع وميادينه البحثيّة ،لعلم النفس السلوكي المرضي ،وخاصة للطبِّ النفسي ،في رصدِّ (بارانويا) حقيقية ،لشخصٍ يجد في جلد الذات محاولة تطهيرٍ لها ،وإنكاراً ـ لاواعياً ـ لما يعتور سواءها من عقد دونيّةٍ ،تجعلها في خط دفاعها المرضيِّ ،رمزيّة التموضع الغيتوي النكوصي ،والردِّ الإنكاري النافي ،لشعور جمعيٍّ اضطهاديٍّ لاواعي (أساس بارانويا جمعيّة)،يجد مرجعيته التبريريّة ،ومخزون تغذويته المقيمة بآلية تلقيمٍ راجعٍ ،في المتداول من قصص الأمس المحفوظة ،ومن اسطورية تكوينٍ ذهنيٍّ لا ديالكتيكي بالمطلق ،محمولٍ على "المعطى" تسليماً بلا تفكيرنقدي ، بل ،بلا إعمال الفكركليّاً ،وحتى إعفائه من عناء جهد المحاولة!!!
هذا هو الفنّان ،فلتة الزمان ،الذي استنفرت الـ " سوبرماركت الفكريّة "الأربعطعش ـ شباطيّة ،في معركتها "المصيرية" بمناسبة حلوله الميمون ،خفيف الدم والظلِّ ،على "فرفشات" مهرجاناتها الصيفيّة !! .
وليتَّ القضيّة انقضت بالزجل الإعلاميّ المألوف ،بل تعدَّته إلى حفلات الإستقبال (المرجعي) السياسي والحزبي ذو اللون المعروف ،والتوجه التطبيعي المعلن ،مؤكِّدةً أنَّ دعوة هذا الـ (جاد المالح) ليست لوجه الفنّ كما ادُّعِيَ ورُوِّج ،ولكنّه عمل فِتنَويٌّ مقصود ،يندرج في ذات المسلك السياسي الكيديّ التأزيمي ،والإستفزازيّ لفريق لبنانيٍّ لم تجف بعد دماء أبنائه الشهداء ،فضلاً عن اهتبالها ـ بعنجهيّة موالاةٍ منتصرةٍ برلمانيّاً ـ مناسبة تشنيعٍ لرأيِّ المعارضة المهزومة ،والإستخفاف به ،وتسفيه معتقداتها وقناعاتها المواقفيّة ـ الثوابت ،في سلوكٍ أرعن ،يجزم ،بيقينية غِرًّ ،أنّه محور دوران المجرّة وأبراجها الزُهر!!،في عَمَهِ تحليلٍ سياسي ،لايُحسُّ بعجلات القطار المتململة ،وهي تتحضَّرُ للإقلاع مبتعدةً عن محطّة ( الحـئـيـئـة والسـيادة والإسـتـِئلال ) ،التي استُعملت حتى حدود الإستنقاع المُنفِّر ،بل لقد بدأ الإقلاع ، ووحدهم ،بعض أيتام "موسم" اغتيال المرحوم ( الحريري ) ـ والموسم ليس بالأبديّ أبداً ـ والمستفيدون من حَمَلةِ راية " قميصه " لايُصدِّقون ،أو ضُرب على قلوبهم بالأسداد فهم لايفقهون !!!.
وإذا كان الشيءُ بالشيءِ يذكر: ففي الساحة الثقافيّة ـ الفنيّة ،الفرنسيّة ـ الفرانكوفونيّة ،فنّانون مناصرون للحقوق العربيّة ،وخاصّة في فلسطين ،ومن وزنٍّ معتبرٍ ،فنيّاً وسياسيّاً ،وحضورٍ جماهيريٍّ عريض ،على رأس قائمتهم الهوموريست ( ديودونّيه ) ،أحد مؤسسي حزب ( ضـدّ الصـهيونيّة ) ـ نعم هذا هو اسم الحزب ـ الذي دخل الفنّان الإنتخابات الأوروبيّة الأخيرة ( حزيران ٢٠٠٩ ) على قائمته ،ونال ستة وثلاثين ألف صوت في المنطقة الباريسية ،هذا الفنّان ـ الإنسان ،الذي أسرع إلى "لبنان" في أعقاب الحرب الصهيونية التدميرية عليه ،( تمّوز ـ آب ٢٠٠٦ ) ،والذي يحمل راية عدالة الإنسانيّة بمواجهة الصهيونية العنصرية ،ويعاني ما يعانية في مواجهة التيّارات الصهيونية والمتصهينة على الساحة الغربية ،هل مَنْ دعاه ؟!!
لا من لبنان فقط ،بل من مطلقِ مدينةٍ أو دسكرةٍ عربيّة ،لم أسمع بمثل دعوة كتلك ،أمْ أنَّ مقاومتنا تنامُ على "حرير"حقِّها ،ليوقظها وقع أقدام (جاد المالح) "المباركة" ؟!!
المناضل ،الفنّان ـ الإنسان ( ديودونّيه ) ،وترجمة اسمه ( عطاء الله ) ،ليس مسلماً ،ولا من شريف نسل ( قحطان وعدنان ) ،لم يسمع بحرب (داحس والغبراء) السخيفة ،ولا بفتنة حرب ( البسوس) المهزلة ،ولا بشقيقاتهما الغبيّات ،ماهو قائم منها ،مايُعدُّ ،وما قد فات ، ولا أظنه طعّم ثقافته الفنيّة بتركة ( بكْـرٍ و تغـلِب ) ،ومع ذلك فهومن مؤسسي الحزب ( ضـدّ الصـهيونيّة ) ،وفي ساحةٍ أوروبيةٍ صعبةٍ ،معبأةٍ في قسمٍ كبيرٍ من منابرالرأيِّ والقرارالسياسي الوازن فيها ،بالنشاط الصهيونيّ المنظّم ،يساراً ويميناً ووسطاً .

إنَّ نبذةً عن حياة الفنّان لازمةً ،ولاشكَّ، للتعريف به ،ومدخلاً إلى فضائه الفكري ،ونشاطه السياسي المُميَّز والُمتميِّز :
وُلِدَ السيِّد ( ديودونّيه ) في ١١ شباط عام ١٩٦٦ ،في ضاحية (فونتي ـ أُو ـ روز) الباريسية ،لأمٍّ فرنسية ،مجازة بعلم الإجتماع ،رسّامة ،ولأبٍ من أصول أفريقيّة ( كاميروني ) ،خبير حسابات .وقد ترعرع في الضواحي الباريسية الجنوبيّة والشرقيّة .
بعد تنقله في عدد من الأعمال الصغيرة ،دخل الإستعراضات الفكاهية بتشكيله ثنائي مع صديق طفولته (إيلي سيمون) ،اليهودي ذو الميول الصهيونية ،لينفصل عنه عام ١٩٩٧ .
عام" ١٩٩٣" أنشأ شركة (بوني للإنتاج ) ، "١٩٩٥ "دار (ميرلين للنشر) ، "١٩٩٦ "ورشات ( الفضاء الغيني )الفنيّة .
عام "٢٠٠٠" يغني في ثنائي مع (جاد المالح) أغنية ( أنا عندي كُره ) ،في تعاون يتيم ،ليتابع بمفرده بعد ذلك ،في مسرحه الباريسي : ( اليد الذهبيّة ) .
أصبح السيِّد ( ديودونّيه ) منذ العام "٢٠٠٠" هدفاً لهجوم مركّز من قبل دوائر التأثيرالصهيوني ،صحفها ،أقلام مثقفيها ،وهم كُثر،وخاصة ملاحقاته القانونيّة ،بدعاوى افترائية ،في حملةٍ حاميةٍ منظمة ،قادتها المنظمات اليهودية في فرنسا .
في المقال القادم ،سيكون الموضوع حول ( ديودونّيه ) المناضل السياسي ،لا السياسي فقط ،وحول الحزب المعادي للصهيونيّة ،حزب ( ضـدّ الصـهيونيّة ) الذي ينشط من خلاله ،وفيه .......داسك سيريا
هذه المقالة قرأت

0
مرة
-->

الاثنين، 20 يوليو 2009

إيران ..الصين .. والشبكة العنكبوتية ...( القسم الثالث )

بقلم : د. مـنير القـوي
القسم الثالث :
محاولة تحليلية لاستنباط ممكن الحلول:

لا يجب الوقوف باستغراب أمام المفاجآت ـ الصواعق ،خصوصاً إذا فجّرها العنف المنفلت لغضبٍ جمعيٍّ ـ جموعي ،مضغوط في صدورجماهير معبأة (بالحق أو بالباطل ،فالنتيجة واحدة):
فمن كان يتصوَّر في أواسط السبعينات من القرن المنصرم ( باستثناء العارفين والمحللين بعمق ) أنَّ "عرش الطاووس الشاهنشاهي البهلوي" ستكتسح عنجهيته وجبروته جماهير الشوارع الإيرانية الغاضبة ؟ !!
هذا من التاريخ الإيراني الحديث ،وناتجه المعاش ....
ومن كان يتصوّر ،في تلك الفترة ،أنَّ " الإتحاد السوفيتي العظيم !!" لن يكمل العقدين القادمين ؟!!
بالطبع كانت الحرب الأمريكيّة الـ (ريغانيّة) المعلنة على (امبراطورية الشرّ السوفيتية) في أوج إوارها ، وكان دارسون واستراتيجيون ،( بول كندي مثلاً)،يتوقعون نهاية الإمبراطورية السوفيتية ،في سياق منطقٍ تحليلي لتاريخ صعود وسقوط الإمبراطوريات ،عوامل الصعود وأسباب الإنهيار، لكنني أجزم بأنَّ توقيت الإنهيارالمدوّي ،وسرعة وقوعه ،وقصيرالزمن الذي حمله، لم يكن كل ذلك بحوزة أحد ،حتى في ضيِّق جوقة اللاعبين ،والمخططين ،والدارسين ،والمتابعين ،وإنْ تباينت التكهنات والتوقعات .
أسوق المقدّمة أعلاه ،بعد حديثِ اطِّلاعٍ على الكتاب الجديد لـ (توماس فرييدمان)،بغض النظرعن الموقف من الكاتب وأدواره ..!!..) ،والمُعنون ""كتاب : المائة عام المقبلة "" ،والذي جاء في إحدى فقراته :
(أن تاريخ القرن الجاري الـ ( 21 ) ،وبشكل خاص ،النصف الأول منه ،سيتمحور حول الصراع بين طرفين:
ــ الأول يمثل القوى "الثانوية" التي تحاول تشكيل تحالف لاحتواء الهيمنة الأميركية وتقويضها.
ــ الثاني يتمثل في الولايات المتحدة التي ستحاول القيام بمبادرات "استباقية" للحيلولة دون تشكيل مثل هذا التحالف ).
ومن استنتاجات ،أوحتميّات (فرييدمان) الكثيرة في الكتاب : يأتي على رأسها : ""أنَّ روسيا والصين إلى أفول ""(؟!!) .
فهل هي تصورات ، نبوأت ،أومعلومات ؟! بالنظرإلى موقعه (في صحيفة النيويوك تايمس )؛("نعّوم شومسكي" يصف "فرييدمان" بـ : "" الناطق الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية في صحيفة النيويوك تايمس"" ) ،وبخاصّة ،قربه من مراكزالدراسات ،واللوبيات المؤثرة في القرارالأمريكي ،ومطبخ القرار في الإدارة الأمريكية "السابقة" ؟؟
لن أرجِّح احتمالاً ،لئلاّ ترتفع أصوات "الثقافة المارينزيّة" مُندِّدة ومردِّدة الإتهام بـ (نظريّة المؤامرة) السخيفة ،لكنْ لا يمكن ،لمطلق حصيفٍ ،إنكار حقيقة وجود استراتيجيّات صراع مصالح متناقضة ،وحروب قائمة ،بالنارالمباشرة ،وبالوسائل الأخرى المتعددة ،الإقتصادية والثقافية ،الإعلاميّة والنفسيّة ،وحتى الصحيّة والغذائيّة (حروب الحصار وقراراته الدّولية الأشهر) ،وسواء اتّبعت شكل الإستباقيّة ،أوسواه من توصيفاتها الجاهزة .
وبكل الأحوال فما جاءه فرييدمان"موجود ومكتوب ،وفي المتناول المتاح للمتابع السياسي العادي ،والملفت فيه هذا التصنيف الإصطفافي بين معسكرين ،ولا حياد بالمطلق ،( فمن ليس معنا فهو ضدّنا )،وكأنَّ الـ ""بوشيّة"" لا زالت تمسك بزمام القرارالسياسي الإستراتيجي الأمريكي (؟!!) ،استنتاج يدعمه صراحة قول (فرييدمان) : ""أنَّ الولايات المتحدة ستحاول القيام بمبادرات "استباقية"" !! ،فهل ما نشاهده من استعار الحرب الحامية في أفغانستان ،والتدخليّة الفجّة (ولو ميدويّاً عولميّاً...بشتّى الدعاوى والحجج) على الحوادث ــ الإضطرابات المندلعة في الساحين الإيراني والصيني ،خاصةً بواقع تواقتها شبه الصدفوي ،يُمثِّل الترجمة الميدانيّة لتوجهات السياسات ""الإستباقيّة"" التي يتكلم عنها "فرييدمان" ؟!! وهل وراء أكمةِ السياسة الأمريكيّة الحاليّة ،معسولة الخطاب ثقافويته ،أهداف مبرمجة ،قد تفاجئ العالم ،في لحظة استرخاء ،خاصة في منطقتنا العربية ؟
سؤال مشروع ،فكاريزمية الرئيس الأمريكي (اوبـامـا)،لاتُخفي ولا تُجمِّل القتل (ـ بالجملة ـ)في العراق ،ووادي سوات باكستان ،وبَوَادي أفغانستان وحواضرها ،ولاتجعل مفهوماً ،بل تزيد استهجاناً وغرابة ،هذا الإصرارعلى متابعة قتل أهل (غزة هاشم) بالحصار المتفق عليه عولميّاً ،بتواطؤِ الأخ ،وانقياد الأشقاء التُّبع ،لا.... ولايكفي لإخفاء العدوانيّة في تصريحات وزيرة خارجيته (هيلاري كلينتون) ،ولا احتفاظه بذات وزير حرب (جورج بوش الإبن) ،لا.... ولا يكفي بالتأكيد لإغفالِ و تعامي ،وخاصة من قبل البعض الوازن "الخارجي" ،والكم الكبيرمن أبناء "جلدتنا" ،عن التلاقي والتطابق الإستراتيجي المطلق ،والمعلن أمريكيّاً ، بين السياسات الأمريكية وتلك المتَّبعة في الكيان الصهيونيّ العدوانيّ !!! ،نعم إنّه سؤال مشروع ،واليقظة في التقاط الإجابة عليه أكثر من واجب ،إنّها ضرورة ،بل ،و" فرض عين "،خاصة بالنسبة لصاحب المسؤوليّة ومن بيده القرار.
من منطلق كهذا ،رُبّما ،جاءت مبادرة رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام في إيران ،الشيخ (علي أكبرهاشمي رفسنجاني ) في خطبته ـ الجمعة الأخيرة (16/ 7/2009)ـ في جامعة طهران ؟!!حاملة بعضاً من الإقرار بأنَّ (أهل مكّة أدرى بشعابها) ،إلاّ أنَّ الردود المباشرة (مقاطعات الخطبة بالهتافات ،مظاهرات ومواجهات وتوقيفات تلتها )،واللاحقة (الأصداء التي تركتها والردود ،شبه الرسميّة ،التي أعقبتها ـ جريدة كيهان ـ ) ،تُشيرعلى أنَّ أهل مكّة ليسوا على اتفاقٍ في درايتهم بشعاب " مَكَّتِهم " .
صحيح أنَّ الشيخ (علي أكبرهاشمي رفسنجاني ) لم يكن بالمحايد في الإنتخابات الرئاسيّة ،وكان في المعسكر المنافس للرئيس ـ المرشّح ( محمود أحمدي نجاد) ،ولأسبابه ـ الدوافع ،وهوحُرُّ الخيار بالمبدأ (كمواطنٍ ـ فرد ) ،فهل تجاوز صلاحيّاته بحكم موقعه ؟ !! هنا تجب مناقشته ،عوضاً عن تكريس لعبة (شدِّ حِبال) حول توصيفٍ هنا ومصطلحٍ هناك ،فـ"الأزمة السياسية" التي كشفت عنها الإنتخابات الرئاسيّة ،بل وفقططها رقميّاً ـ ثلثا الكتلة الإنتخابية (أغلبية) وثلثها (معارضة) ،حقيقة واقعة ،لايفيد إنكارها بشيء ،لا بل هو الضرر بعينه ،خاصةً وأنَّ اللبوس التي حاولت الأكثرية إلباسها للأحداث ـ وبصورةٍ خاصة للإضرابات الإحتجاجية ـ بدت كمن يحتجُّ على ""موديل الفستان المعروض"" وليس على""نوعيّة القماش المحلّي الحياكة ،لحمةً وسدى"" بلا أدنى شكٍّ أوتشكيك ،وأمّا المعالجات التي وُوجِهت بها ،فلم تخرج عن المألوف السلطوي ـ القمعي لشَغَبٍ جمعيٍِّ ـ مجتمعي(منفلتٍ من منطق عقلانية الفعل ،مشحون الإنفعال بغضب الخيبة ،....منفلتِ الغرائز ربّما ؟!! ) ،مُستَغَلٍ ـ حتماً ـ من الآخر المغرِض ( داخلي كان أو خارجي ) .فما الذي جاءه الشيخ (علي أكبرهاشمي رفسنجاني ) ؟
تأخر ؟!! : ""نعم"" ،لكنّه بادر،وهذا سبق ،وليكن له أسبابه ـ الدوافع هذه المرّة أيضاً ،ولو من موقعه في هرمية نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية ،فتركيزه على احترام إرادة الشعب ،ومشروعيّة السلطات المنبثقة عن تلك الإرادة ،وبالأخص : تقريرحاكميّة الشعب ( فللشعب الحاكمية ""؟!""،لكن في الإطار الجمهوري ـ الإسلامي ) ،هل من خلافٍ على ذلك ؟
فليفتح الحوار بين الأجنحة المختلفة ـ المتواجهة على الساحة الإيرانية ،على قاعدة ""الإعتراف بالآخر"" ،فعليّاً لا إنشائيّاً ،وعلى مفهوم الشراكة ،لا الإقصائيّة والغلبة ،ولا مغانم الإستحواذ .
صحيح أنَّ لاستخدام وسائل الإعلام ،المرئيّة والمسموعة ،على مشروعيتها ،محاذير لا تُغفَل ،والتجربة أثناء حملة الرئاسيّات لم تكن بالمشجِّعة ،لكْنْ يُستطاعُ الإتفاق على وضع ""ميثاق شرفٍ حواري"" يركزعلى الأفكار والبرامج وتطبيقاتها ،بعيداً عن الشخصنة والتسفيه وتراشق الإتهامات ،وإذا كان لابُدَّ من الخلاف ،وهو حتمي ،ومن الإتهام وهو من مألوف التناول ،فليترك للقانون المحترم ،ولقضائه النزيه البتَ بالخلاف ،والحكمَ جزائياً، بعدم صحة أو بجرميّة الإتهام ،ومن هنا مشروعيّة دعوة الرئيس (علي أكبرهاشمي رفسنجاني ) لاحترام القانون والمؤسسات التشريعيّة الشرعية للجمهورية الإسلامية الإيرانية .
فهل نتيجة الرئاسيّات الأخيرة من جملة النتاج المشروع لتلك المؤسسات ،عند الدّاعي ومعسكره ؟!! هنا يجب أنْ يتركّز النقاش "الحواري" مرّة أُخرى ؛عِلماً أنَّ الخطبة الرفسنجانيّة كانت في مبناها والمضمون ،بين تبريد ساخنٍ وتسخين بارد ،فالتوجه التصالحي اقترن بالتلويح التهددي : أنَّ مجلس الخبراء من ينتخب ويعيِّن المرشد الأعلى (ذلك معروف فلماذا التذكير به ؟ !!!) ،وهل من احترام القانون دعوته لإطلاق سراح الموقوفين على خلفيّة الأحداث ( في الموقف الحالي، ليس ضرورياً أن نحتفظ بعدد من الناس في السجون. علينا أن نسمح لهم بالعودة إلى أسرهم. يجب علينا ألّا نسمح لأعدائنا بأن يلومونا وأن يهزأوا منا بسبب الاعتقالات. علينا أن نسامح بعضنا بعضاً) ؟!! ،هكذا وبلغة قبلية بدوية يقدِّم مطلبه ،وكأنّ القضاء في "جمهوريته" الإسلاميّة زائدة دوديّة تُذْكر ـ فقط ـ ساعة التهابها !!! وهو رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام ،ورئيس مجلس الخبراء !!!.
إنَّ المشكلة الحقيقية القائمة : هي في ذهنيّة جيلٍ من مسؤولين جاء مع انتصار الثورة الخمينية ،لايريدُ الإعتراف بالمتغيِّرات ،وخاصة بحق الأجيال الجديدة ،في قول كلمتها ،وباستمراره في ممارسة وصائيّة امتيازيّة ،ترفض الإعتراف بمشروعيّة النضوج المجتمعي بعيداً عن تصوُّراتها ومعاييرها ،وخاصة مصالحها التي نمّتها بحكم سلوكٍ زبائنيٍّ نفعيٍّ ،سمحت به وأتاحته استثنائيّة الظروف التي مرت بها الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة ،وما تزال ،لكنَّ التغييرلا يمكن أنْ توقفه ،وإنْ استطاعت عرقلته ،مراحل استثنائيّة ،وتبقى الخطورة الكبرى إذا أصبحت من الجسامة بحيث تستطيع حرفه إلى مسارات أخرى ،ومن ثم الإنفتاح على المجهول ،وإلى كل استغلال ،فإلى أين المسار ؟ !!!!!!، أعود إلى المقال الأوّل ،تاريخ 12/7/2009 (شامبريس)،وقبل خطبة الرئيس (علي أكبرهاشمي رفسنجاني ) ،لتكرار ماقلته : التسوية هي الحل ،والحوار هو الطريق ،واحترام المؤسسات هو الضمانة ،وإلاّ.... فلن يرحم التاريخ الإيراني من رأى فتعامى ،وانتدب فأهمل ،واستطاع فأحجم ،وولِّي ففرَّط .
أمّا في الشأن الصيني فالعقدة بسيطة في وضوحها ،ومع ذلك فعلى الحلِّ عصيّة ومُربكة .
صحيح أنَّ "الصين ـ الدولة " قوية كفاية لتردع كلّ "خارج" عن مجرد التفكير بالدخول في مواجهة مباشرة معها ،بعكس الوضع الإيراني ،الذي لايفتأُ الكيان الصهيوني عن مناكفته بتوجيه رسائل التهديد شبه اليوميّة إليه ،وقد انضمت إلى الخطاب التهديدي منذ أسبوع سكرتيرة الدولة الأمريكية (هيلاري كلينتون) ،فمع الصين لايمكن ذلك ،ولايستقيم ،وهذا فرق جوهري ،نابع من تباين الثقل المؤثرلكلا الدولتين (الصين وإيران) في معادلة موازين القوى الدوليّة ،ومع ذلك فاستعراض مسيرة السنوات الستين من عمرجمهورية الصين الشعبيّة ( ضعف عمر الجمهورية الإسلامية الإيرانية) ،مع التسليم بواقع المارد الإقتصادي الذي أقامت ،والنووي الذي امتلكت ،والفضاء الذي غزت ،ومجليّ النجاح الإكتفائي لشعبها الملياري ونيِّف (حوالي 1350000000 نسمة ،وقد قصدت الكتابة الرقميّة ) ،إلاّ أنَّ نجاحها اجتماعيّاً وثقافياً (بالخاصّة) ،بل ومواطنيّاً ،لايرقى إلى سوية نجاحاتها أعلاه ،فمشاكلها الإثنية ،والقوميّة ـ الإثنية بلا حلٍّ ،اللهم إلاّ إذا قبلنا أنَّ (القمع الأمني) هوالحلّ ،وبالتأكيد ،ليس هوالحل الدائم والنهائي أبداً ،وإنْ كان اللجوء إلى تدابيره أمراً مفهوماً ،كما في الحالة الراهنة ، دون أنْ يكون مبرراً على إطلاقه ، ناهيك عن مشاكل السكن ،والتعليم ،وشروط العمل وسوقه ، إلخ...والمشكلة ليست بنادر"إسداء النصائح ودروس المواعظ " لكنها تكمن في الرؤية الإيديولوجية '' أحادية اللون ''،إنها تورث مرض "عمى ألوان أيديولوجي" ،يزيده تفاقماً تلك النجاحات السابقة ،فينقلب إلى عظمائية تصلُّبٍ مواقفي ،ترفض النقد ،حتى المخلص النصير ،وتعطل فيها آلية النقد الذاتي المنادية به ،هذا إذا لم تحوله إلى ماكينة "فبركة" اتهامات للمختلف والمخالف ،في سلسلة لا تنتهي من حركات التطهير والتشهير بأعداء الثورة "الجبناء"،"وطاويط الليل المارقين" !!! علماً أنَّ لهؤلاء وجود دائم ،ولكن ليس بالزخم العدديِّ المُعايَن ،وإلاّ لكان ذلك دامغ الشهادة على إجرام "الثوار" وأضاليلهم ،واغتصابهم سلطة ليسوا لها أهلاً ،ولا هم شرعيون بتقلدها ،ما كانوا ،ولا هم كائنون ،ولن يكونوا ،لها أو عليها ،إلاّ من الطارئين.
الصين مشروع امبراطوري صاعد ،لاسماع له لغيرصوته ،وتلك طبيعة كل مشاريع الإمبراطوريات عبر التاريخ ،فهل من جدوى للكلام ؟!! لكنْ للتاريخ عبرته وإن قلَّ الإعتبار،درسٌ قائم يقرع أجراسه ،وقد يصمُّ الآذان ولا من يسمعون .
أخيراً وللختام ،رأيٌّ شخصيّ في التِماع خاطرة :
ناجحة دائماً إدارة "مزارع الأقنان" ،وتبقى كذلك مابقي "القن ـ أداة العمل "في غيبوبة شلل وعيِّه بالذات ،فإذا لفحته ريح التِّمرُّد ،واجتاحته حُمى الحرّية موقِظةً فيه "الإنسان الحرّ" ،أوحتى "مشروعه الهيوليِّ البدئيِّ"،فعلى المزارع ومُلاّكِها السلام الأبدي .
وبالقطع : لا أبديّة لغيبـوبة أبـداً ،فإمّـا موت ينهي الحياة ،عزيزة كانت ،أوحتى تلك التي لاتستأهل شقاء معاناتها،وإمّـا استيقاظ يحسم الوضع المرضي وإنْ طـال المطـال ........!!!!

الخميس، 16 يوليو 2009

إيران .. الصين .. والشبكة العنكبوتية ( القسم الثاني ) :عن الصّين

بقلم : د. مـنير القـوي
القسم الثاني :عن الصّين

بالتأكيد إنَّ استدعاء الدّور الذي لعبته أطرافٍ خارجية ،لمحض مصالح مغرضة (حسب سلطات الدولتين) ــ وهو دورٌ لايَخفى على العين المُلمّة ــ بتوظيف الإمكانيات عالية التقنيّة لوسائل الإتصال الحديثة في التَّدخل على ساحتي الإضطرابات والإحتجاجات في كلا الدّولتين ،والتَّقارب الزمني لوقوع تلك الإضطرابات والإحتجاجات (أسابيع) ،ووقوع كلتا الدّولتين في موقعٍ (جيوبوليتيكوـ استراتيجيك) ملتهب تتصارع فيه وعليه سياسات واستراتيجيّات ،بين إراداتٍ تؤسِّس وتضع أهدافهاعلى "ضوءِ فلسفة ومفهوم" الموقع أعلاه (الموقعٍ الجيوبوليتيكوـ استراتيجيك ) ،""كثابتٍ ـ حقيقة ـ أساس "" ،بكل ما يلحقه ،ويلتحق ،ويُلحَق به ،ويُبنى عليه ،وبين (عولمة شاملة وشمولية) تعتبرالفلسفة والمفهوم السابقان وأساسهما عائق في طريق أهدافها ،التي بدأتها اقتصادياً ويجب أنْ تصل إلى خواتمها السياسية لكي ينجح مشروع العولمة الشمولي والشامل .
وأمّا ما يحصل في الطريق من أزمات ماليّة ، اقتصادية ،اجتماعية ،ثقافية ،وحتى زعزعة المجتمعات بإثارة الحروب الأهلية ،وتحت كل الذرائع ،بل وشنّ الحروب واحتلال البلدان ،وتمزيق ما اصطلح على تسميته : ""خريطة العالم السياسية المُتَفق عليها بموجب توافقات المنتصرين في الحرب العالمية الثانية (الحرب الإمبريالية الثانية) ""،فكل ذلك تفصيلات ،إنْ لم تكن ضرورات لإيصال مشروع العولمة إلى مراسيه الغائيَّة المتصَوَّرة !!.
إذاً هو صراعٌ موضوعيّ وصريح ،في عميقه وتمظهراته ،بين أيديولوجيّات شمولية ثلاث ،تعايشها السلمي مستحيل ،وصراعها هو من صنف الحتميّة المتَّسقة مع تحصيل الحاصل لمنطق الأمور المنضبطة بأسس مقدِّماتها إلى غاياتها .
وإذا كانت أيديولوجيّة الثّورة الإسلاميّة في إيران قد حدّدت ميدانها في محيط عالم الإسلام ،والثّورة الصينيّة الشيوعيّة قد حُلَّتْ أزمةُ أُمميتِها منذ تبني "نموذج النظام الإشتراكيّ في بلد واحد"ــ رغم تحفُّظٍ هنا ورفضًّ هناك ــ فإنَّ الأيديولوجيّة العَوْلَميّة لاتسطيع بحكم وراثتها تطورالمراحل الإستعماريّة ــ والإمبرياليّة في الذروة من تلك المراحل ــ لاتسطيع إلاَّ أنْ تكونَ تدخليّة ،إقصائيّة ،وعدوانيّة الطبع والطبيعة ،وبالتالي فما أشارت إليه السلطات الإيرانيّة ،ومثيلتها الصينيّة ،من تدخلات خارجيّة غرضيّة المقاصد ،يتّفق واستقامة سليم المنطق ،فضلاً عن الوقائع الدّامغة بلا لَبسٍ ولا التِباس ،ومن منابرعالية الصوت ،في جميع عواصم بلدان معسكر العولمة ،وملحقاته المتنوعة المشارب .
فهل هو استمرار للحرب التي فُتحت على كل الأبواب منذ نهاية أربعينيات القرن الماضي ،في مرحلة الثنائيّة القطبية ؟!! حيث أثبت معسكرالرأسماليّة ـ المتطورة ليبراليّاً وإمبرياليّاً ـ ثباته ،بل وغلبته على "المُسمّى أنذاك"النقيض :المعسكر الإشتراكي ـ معسكر رأسماليّة الدولة في حقيقتة ،المتكلس بيروقراطياً بمركزيّة القرار ـ المنضوي في منظومة الإمبراطورية السوفيتية ،التي انهارت في العقد الأخير من القرن المنصرم ،مشكِّلة منعطفاً في الصراع الكوني ،ما زالت تردداته تتمظهر في كل محطة من محطات الصراع ،الذي يبدو بلا أفق منظور .
يبدو أنّ الوقائع تؤكّد ذلك ،فالرأسماليّة ماضية في معركة مصالحها الهجومية ،بأيديولوجيتها العولمية الإقصائية ،وبكل الوسائل ،وإذاً فهي لن تقبل بحالٍ(تجربة ناصريّة) أخرى ،وعلى الطريقة الإيرانيّة هذه المرّة ،ومما يغريها أكثر، ما كشفت عنه الإضطرابات المنفلتة في أعقاب الإنتخابات الرئاسيّة الإيرانيّة من تناقضات عميقة ،بين أجنحة نظام الثورة الإسلامية بالخاصة ،ومكونات المجتمع الإيراني بالمجمل ،وعلى الصُعُد كافّة ،أُفقيّاً وعموديّاً .
على أنّه إذا تخيّل الغرب إمكانيّة إسقاط نظام الجمهوريّة الإسلاميّة بضربة قاضية ،وبالتحديد عسكرية مباشرة ،وهو احتمال يبقى قائم وبقوة ،رغم تصريحات الطمأنة والإستبعاد مؤخراً ،ربّما انتظاراً لسقوط التفاحة من ذاتها (؟!)،والبوادر مُنذرةً مُحذِّرةً ،بل وتبعث على الريبة (؟؟!!) ،فإنّ مجرد احتمال تخيّل ذلك في الحالة الصينيّة ، هوانتحارأكيد ،وليس من المعروف عن الرؤوس الباردة ،واضعة الإستراتيجيات ، في "غرفها السوداء" ،ارتكاب الأخطاء المميتة عادةً .
وإذاً فما يريد معسكرالعولمة ،حقيقةً،من الصين "الشعبيّة" ،فالقصف الإعلامي العولمي ليس عبثيّاً ،ماكان ،ولم ،ولن يكون ،ولا أعتقد أنّ المجّانية من شيم النظام الرأسمالي ،حتى عندما يتحفنا بـ (معوناته الإنسانيّة البريئة!!) ،خاصّة في دقّة ديناميّاته الحالية ،المحسوبة أزمويّاً ،وسفورنسختة المتوحشه المعاصرة ؟!!
لعلّ الوقوف بإيجازٍ مع بعض سمات دينامية "المارد الأصفر" وتوصيفاته التقريرية ،وعلى المستويين ،الداخلي والخارجي ،ومنها محاولة الوصول إلى استنتاجات ــ إجابات ،قد تفي بغرض الرَّد على السؤال ـ الإفتراضي ـ المطروح ،آمرٌ لا بدّ منه في سياق محاولة استيفاء القراءة شروط موضوعيتهاالمُفتَرضة :
بدايةً وبالمبدأ:
لاتستطيع العولمة الشموليّة العدوانية ،صاحبة المصالح "المطلقة كونيّاً" قبول الشراكة مع أية أيديولوجيّة تعبِّر عن مصالح أخرى مغايرة ،فكيف إذا كانت شيّوعيّة الشعار ،ماركسيّة الإيديولوجيّة ،امبراطورية التوجهات ،براغماتية الدينامية ؟!!
إذاً هو الصدام المحتوم ،بل والصراع المفتوح ،إلاّ بالحرب الساخنة المباشرة ،فهي الخطّ الأحمر ،أمّا بالنيابة ،أو على الميادين الجانبية ،فلا بأس ، ولكل أهدافه من تلك الحروب المحدودة الميادين .
فالصين ،عملاق المرحلة الإقتصادي ـ نمو سنوي بمعدل 10% وسطياً ـ يلتهم السوق الإستهلاكي العالمي ،ويغزو أسواق قلاع الرأسمالية ،جميعها بلا استثناء ،حتى أسواق الولايات المتحدة ،زعيمة العولمة ،والميزان التجاري الأمريكي ــ الصيني المختَّل بعمق لمصلحة الصين ناطق بلا مواربة ،وبالتأكيد فمن أهم عوامل الغلبة في ميدان الإنتاج التنافسيّ ،وبكل أشكاله ،تبقى أدوات وآلية النظام الإقتصادي في المقدمة ،وفي الصدارة منها : اليد العاملة منخفضة الكلفة ،ولا أقول الرخيصة لتضارب المرجعيّات ،والصين قاموس المرجعية ،كونيّاً، على قاعدة الإنتاج التنافسي ،والإستهلاكي بالخاصة ،وإذاً فالحاصل ،المطلوب والمتعين ،من التدخّل العولمي في الحالة الصينيّة ،يأخذ ،شكليّاً ونوعيّاً ،وجوهاً مختلفة عن ذاك في الحالة الإيرانيّة ،رغم وحدة جملة الصراع وذات الهدف ـ السمت :
1 ــ إشغال جزءٍ من قوة العمل الصينيّة ـ منخفضة الكلفة ـ في الهمّ الأمني الداخلي ،ومتطلبات كلفته ،مع ما يترتب عليه من رفع كلفتها ،وتحويل جزء من الميزانيّة الصينيّة المخصصة لاستراتيجيتها الإستثمارية إلى الميدان الأمني المكلف ،اللامنتج والمستهلك بحكم طبيعة مهمته .
2 ــ استمرار إيديولوجية العولمة في معركتها الثقافية المفتوحة للسيطرة نهائياً (وفق تصوراتها الغائية)بمحاولة تأكيدها فشل وهزيمة الأيديولوجية الماركسية في نسختها الصينيّة ،تماماً كما حصل مع شقيقتها السوفيتية ،وهي رسالة موجهة بالخصوص ـ فضلاًعن المجتمع الصيني ـ إلى الباقي من الأنظمة ذات التوجهات المشابهة ( كوبا ، كوريا ،وربما النيبال الماوية حديثاً...) ،وإلى الباقي من الحركات التي لم تتحول ،تدجيناً أواختراقاً ،إلى (يساريّة سابقة) أو ماركسويّة ؛وذلك بتسليط الضوء على التناقضات ،وعجز الحلول ،بل وعقيمها أحياناً ،بعد عقود ستة بالتمام والكمال ،من انتصار الثورة الصينية الشعبيّة (بالقيادة التاريخيّة الماوية) في البرِّالصيني وهزيمة (كومنتانغ تشان كاي شيك) إلى الصين الوطنية في جزيرة فرموزا (تايوان) .
ولعلّ أهم المظاهر ،سلبية الديمومة ،التي تسلِّط عليها الأضواء ،وتضخمها ،وسائل "الميديا" العوليّة الموجهة ،وفوق المتطورة ،في هجوم العولمة الضّاري ،في معركتها المفتوحة :
ا ـ صمود الظواهر الإثنية والإثنيّة ـ القوميّة ،أمام إرادة الصهر السلطوي المركزي الإرادوي ،وانفجارات مكبوت دينامياتها ،في ظرف مؤاتٍ أو متاح ، في الـ ( تيبت) بالأمس القريب ،وفي إقليم تشنغ يانغ (تركمانستان الشرقية) اليوم ،ولا يفيد اتهام الخارج المغرض ـ الموجود دائماً ــ مسلّمة لاتناقش ـ،ولا (ربيعة قدير "المنشقة ـ والشيوعية سابقاً "،في تكرارٍ مُمِلٍّ لرواية المنشقّ السوفييتي "سولجينتسين"المعروفة ) ،ففي الواقع وعلى الأرض ،مشكلة حقيقية يجب الإقرار بوجودها ،بل وأكثرمن ذلك ،الإعتراف أنَّ الإيديولوجيا الماركسيّة ، بنسختها الصينية ،وحتى بثورتها الماويّة الثقافية ،وكتابها "الأحمر" الشهير ،لم تقدم حلاً ناجعاً ،ولم تستطع إحلال مفاهيمها مكان تلك التي للإيديولوجيّات البوذية ،أو الإسلاميّة ، أوحتى الكومفوشية رغم كبيرمحاباتها أو الإتكاء عليها ،والتي أثبتت قدرتها على مقاومة محاولات اجتثاثها الإرادوي ،بل وتأكيد حصانة رسوخ وظيفتها الحمائية ـ الدفاعية في الذهنية الجمعيّة لأتباعها .
ب ـ أنَّ أداة الصهر الإجتماعي المعتَمدة في الصين ،هي ذاتها التي فشلت في الإتحاد السوفيتي المنهار ،الأداة الحزبيّة ،مركزية القرار ،فوقيته ،بنخبوية انتهازية ،علائقية الموالاة والنسقيّة والتراتبية،مما جعل الغلبة في مركز القرار السلطوي بيد قوميّة بعينها ( قوميّة الهان ) ،المُعتمَدة نواةً وأداةً لمحاولة الدّمج المجتمعي ؛ ميِّزةٌ خطرة حتى عندما تستقيم في سلوكها ،لما تورثه من أحاسيس ومشاعر فوقيّة رسالية عند هؤلاء (الخان) ،تماماً كما كان الحال عند (الروس) في الإتحاد السوفيتي السابق ،وبالمقابل تورث أحاسيس ومشاعر الإضطهاد والدونيّة لدى الإثنيات والإثنيّات ـ القوميّة الأخرى ،والتي قد تتطور نكوصيّاً إلى عنصريّة معكوسة ضدَّ المعتَبر مُعتَمداً مُهَيمِن .
ج ــ كشفت الكوارث الطبيعيّة (زلازل ،فيضانات) ،هشاشة البنية التحتية الصينيّة وهزال خططها ،بل وبدائيتها ،وضئيل استعدادها ،علاوة على درجة الفساد المرتفعة ،حتى في تنفيذ الأبنية الآوية للملايين من أُسَرالعمّال ،والفئات الشعبية من الصينيين ،والتي كانت تعدُّ مفخرة ومعجزة للأمّة الملياريّة قبل الكوارث التي وقعت ،وكشفت المستور ـ الفضيحة .
د ــ التكرار المأساوي المؤسف لحوادث المناجم ،الأسبوعية وسطيّاً ،وما تُخلّفه من عديد الضحايا بين عمّال المناجم ،مما يكشف الشروط الرديئة ،بل وإهمال الحدّ الأدنى من مواصفات (آمان العمل وأمنه) في بلد نظام العمّال والفلاحين والطبقة العاملة ،بل وألعن من ذلك : // يشير إلى تشييئ الإنسان ،حين يصبح أداة إنتاج في منجم بدائيّ ،فتلك قيمته ولا قيمة له بذاته //!! أوليس ذلك بمأساة تفتح كل أبواب الذرائع للغرضيّة والتدخلات ؟
هـ ــ عدم نجاح السلطات الصينيّة القيّمة على إدارة شؤون ""ثلث البشرية"" ، أولامبالاتها ،بالإنضمام الفعليّ إلى ثقافة (حماية البيئة ) ومواثيقها ،وما يظهرهُ تجاهل مفاعيلها من مخاطرتستدعي اهتمام دولة بحجم الصين ومسؤولياتها ،خاصة تجاه ""ثلث البشرية"" المسؤولة عنه ،وما يلحق به من كوارث مُجلجِّلة العواقب ،بل إنّ الصين تُعَدّ بين الملوِّثين الرئيسيّين على كوكب الرض ،تسبقها فقط الولايات المتّحدة !! .
وــ إختلال التوزيع ،الجغرافي والديموغرافي في المجتمع الصيني ،لمَواطن ومردود النهوض الإقتصادي الحالي بين الأقاليم الصينيّة ،ولا عدالته الواضحة ،واعتبار بعضها ،بل واعتماده " مجتمعاً صناعياً " وهي حقيقة في الشرق والجنوب الشرقي ،(أغلبية هانيّة)،وتصنيف الأقاليم الأخرى بين رعويّة (التيبت) ،وزراعيّة (الوسط) ،ومصادر مواد طاقويّة (الغرب وخاصة الشمال الغربي ) ،حيث تندلع الإضطرابات الحالية في إقليم تشنغ يانغ أو(تركمانستان الشرقية) ،ومن الطبيعي أنْ يورث التفاوت التنموي بين الأقاليم مشاكل بنيويّة مستحدثة تنضاف إلى الكم المتراكم تاريخيّاً في بلدٍ فسيفسائي ،وحَّدته سياسيّاً أيديولوجيا ثوريّة شموليّة ،وعجزت أدواتها المعتمدة عن صهر مكوناته في بناء مجتمعٍ متجانس ٍواحد .
3ــ يبقى الوقوف مع أهداف التدّخل الخارجي ،في امتداد ميدان الصراع مع الصين ،إلى الخارج الصيني ، لإنجازاكتمال إطار الرؤية بانوراميّاً ، دون ادّعاء كمالها :
اــ إنّ تواقت انتقال ثقل الصراع العسكري الأطلسي إلى الساحة الأفغانية لايمكن النظر إليه بمعزلٍ عن مفاعيله في الجوار ،وتأثُّر وتأثير ذلك الجوار (الصيني ـ الإيراني) بارتداداته ،فالمقاومة الأفغانيّة ( المسماة طالبانية ـ قاعديّة ) لقوى الغزو وصنيعتها ـ نظام( كرزاي ) ـ لا تعتمد الحجارة والهراوات أسلحةً في معاركها ،بل أسلحة متطورة ،ولو فرديّة ،لا تُصّنّع حتماً في مغارات " تورا ـ بورا" ،فمصدرها من دول الجوار ،أو من أسواق السلاح ،التي لايمكن منطقيّاً قبول أُرجوفة عصيانها على كل رقابة ، هذا أولاً ،وثانياً لم يقل أحد أنها هبة ،لا سماوية ولا أرضيّة ،بل مدفوعة الأثمان بطرق شتى : تبادل مصالح ،استراتيجيّات مواجهة مفتوحة واستنزاف هادف ،تحالفات مستورة ،وأبسط الأثمان أموال تجارة الأفيون ،زراعة محميّة ،وتهريب منظم إلى أسواق الغرب بالخاصّة ،والتي تجد مرجعيتها التاريخية في حرب الأفيون التي شنتها الإمبراطورية البريطانية على الصين في القرن التاسع عشر.
ب ــ تمثل السياسة التدخليّة العولميّة هجوماً استباقيّاً :
على الصين :
في محاولةٍ لقطع الطريق على وضع استراتيجيتها بالوصول إلى بحر قزوين ومخزونه الطاقوي موضع التطبيق ،بتأكيد التصميم الأطلسي على التواجد في ممر خيبر ،وعلى مسار طريق الحرير .
وعلى إيران :
بمتابعة محاولات حصارها وإضعافها ،وإعاقة توجهات تعاونها مع الصين ،والتلويح لها بعواقب تفعيل تدخلها على الساحتين العراقيّة والأفغانيّة .
ج ــ فتح جبهة مواجهة بين الصين و"التطرف الإسلامي" ،بإعادة استخدامه ،"تأهيله"وإعادة إنتاج دينامية معاداتة ""للشيوعية الملحدة""،كما سبق وحصل مع الإمبراطورية السوفيتية الزائلة ،وعلى امتداد ساحة تطلعات المصالح الصينيّة ،خاصة في القارة الأفريقيّة ،حيث يحتدم التسابق والصراع ،مع ما قد يُنتج ذلك من إحراجٍ لنظام الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة ـ نظرياً على الأقلّ ـ أمام جمهور العالم المسلم حين تصبح حتميّة اختيار التحالفات أمراً ملحّاً وآني !!.
د ــ إرباك الصين العضو الدائم في مجلس الأمن ،على صعيد علاقاتها الدولية ،السياسية والإقتصادية بالخاصة ، ومع الدول الإسلامية بالخصوص ،والموقف التركي ،الرسمي والشعبي ،من قمع الأحداث الجارية بداية الغيث .
(انتهى القسم الثاني ) .
في (القسم الثالث) : سأحاول الولوج إلى تصوّر بعض المخارج، بمقترحات مراقبٍ لايدّعي الإحاطة والشمول ،لكنّها مساهمة لا تخلو من جهدٍ ،حتى وإنْ قال قارئ :خلت من كل اجتهاد !!.
شام برسالجمعة 17-07-2009
عودة
طباعة
أرسل لصديق

الأحد، 12 يوليو 2009

إيران...الصين...والشبكة العنكبوتية

إيران...الصين...والشبكة العنكبوتية
بقلم الدكتور: مـنير القـوي
القسم الأول :
عن إيران
اضطرابات في كلا الدولتين ،وفي كلتاهما يُشار باصابع الإتهام إلى شبكة "الإنترنيت"... إلى مراكز السيطرة على مصادرها ،وإلى الذين يسيِّرونها ،يستغلون إمكانيّاتها في التواصلية اللحظية ،وفي اعتماد وسائل "الميديا" الحديثة التي تمكِّنها من التعميم الكوني للمعلومة التي تختارها ،وللرأي الذي تنتصرله ،وبالتأكيد ،فإنَّ مراكزالسيطرة تلك ،والذين يسيِّرونها ،ويقفون وراء غرضيّات استخدامها ،ليسوا بالمحايدين ،ولم يدِّعوا يوماً "شرف الحياد " ،أويُخفوا انحيازهم الصريح ،بل إنَّ خطابهم التربوي ـ الأبوي ،الإستعلائي ـ الوصائي ،والتدخُّليّ الفجّ :لأوقح في سفورهِ من الفجور.!!
ــ وخارجهما ـ وخاصة في الغرب ـ ترتفع الأصوات مُندِّدةً بقمع الحريات الأساسية ،المكفولة بضمانات شرعة حقوق الإنسان ،والمواثيق الدولية ذات الصِّلة ،ومستنكرةً صورالممارسات العنفيّة لأجهزة الدولة "الأمنية" !!.
ــ هكذا تبدو لوحة ساحة المواجهة في صراعٍ مقيمٍ ،وقوده إنسان تحركه ايديولوجيات تدّعي ناجع الحلول لحاجاته وأزماته ،ومصالح متصارعة غالباً ،أومتلاقية أحياناً ،تقف وراء تلك الإيديولوجيات ،المختلفة من منابع صدورها وإلى مثاوي اعتناقها ،فلكل صوتٍ أسبابه ومنطقه ،بعضها القليل : مُحقّ بحقّ ،ومعظمها الأعم : مغرض وباطل
ـ صحيح أنَّ في الحالة الإيرانية سبب مباشر لاندلاع الإضطرابات ،ألا وهو نتائج الإنتخابات الرئاسية المختلف على نزاهتها ،والتي حُسمت رسميّاً بإقرار إعادة انتخاب الرئيس (أحمدي نجاد) لرئاسيّة ثانية ،ولسنوتٍ أربع قادمة ،لكنْ هل انتهى الحراك المجتمعي ؟
إذْ ليس كافياً اتهام الخارج المغرض بالتدخل ،وهو تدخل مُدان ،واضح لا يخفي حضوره ،بل يتعمد ،وبوقاحة وصفاقة ،تغليف أغراضه ،وكعادته ،ببرّاق ذات الدعاوى : حقوق الإنسان وما يتفرع عنها ويلحقها من حرية التعبير ،والإضراب ،والتظاهر"السلمي!!"،إلخ....حتى إذا وصل إلى حريّة التنقل والسفر أوقف دعاويه على أبواب سفاراته ،وابتلع شعاراته ،وأشهر سلاح الـ " فيزا" المقدّس ،وممارسته تلك : أمر سيادي !! وعلى الرأس من أهدافه :حماية مجتمعاته ،وسلمه الإجتماعي !! وممن ؟!! من ذات الناس الذين يتباكى على ما يلحق بهم من " ظلم" على يد السلطات في بلدانهم !!. والمضحك المبكي ،أنّ هؤلاء الناس لا يُوجَدون ،ولا يتألمون ،إلاّ في البلدان التي تتعارض سياساتها مع سياسات الغرب الهمايونية ،ومفاهيم ثقافته التفوقيّة ،وهيمنة عولمته الإخضاعيّة !! كل ذلك معروف ،واضح ،ومستمر ، ومع ذلك فالحراك المجتمعي قائم ومستمر أيضاً،حقيقة يجب ،ليس فقط الإقرار بها ،بل واحترام ديناميّاتها ،والإستجابة لحاجاتها التطورية ـ المطوِّرة المتجددة ،لكي تثمر في مشروع مساراتها ، فلا تخرج إلى مسارب الإستغلال ، فتنحرف ،أو تُحرَّف :
1ـ بإرادةٍ داخليّة مُعارضة ،خارج سلطوية ،أومُغرضة ، دائمة الوجود ،كموناً متربص ،أو فعلاً هدّام ، أو في الحدّ الأدنى : سلبية تعاطٍ مع السلطات القائمة ،هذا في حال صحة تمثيل تلك السلطات ونظامها لسمتِ ديناميّة إرادة جمهور مجتمعات دولها .
2ـ بإرادةٍ خارجية ،دائمة الوجود ،تبحث عن مصالحها بكل السُبُل المتاحة ، بغض النظر عن معايير الأخلاق المتعارف عليها ،والتي تَضْمُر في حضورها حين تتعارض مع المصالح إلى حدّ إنكارها ،أو الأدهى : تسفيهها وإحلال قيم النقيض في ذات مكان قدسيّة تمجيدها !!!
3-ـ بمحاولة اللعب من بعض أجنحة النظام القائم ،لفرض وجهات نظرها ،أو البرهان على صحة توجهاتها بشهادة الشارع المعبِّر عن استيائه ،من بعض السياسات المطبقة من قبل الجناح القابض على ناصية السلطة .
فمحاولة استغلال مظاهر الإحتجاج على نتيجة الإنتخابات الرئاسية في الشارع الإيراني ،والممارسات التخريبيّة التي مارستها "قِلَّة" ،أخذت العدالة على عاتقها البتّ في تحديد المسؤوليّة عن افتعالها ،لا يحتاج لبرهانها متابع ،ومع ذلك فإنَّ إحالة المسؤولية عن الأحداث وإلقائها على الآخرالمُغرِض (العدوّ الخارجي ، شيطان أكبركان ،أوأصغر،أومن ضعاف النفوس الذين يسهل شراؤهم بأساليب شتّى ....) لايمكن الركون إلى جديّة وحدانيّة خطابها ،بل يمكن قبولها ( مسؤولية الآخر المغرض ) عاملاً تدخليّاً مساهماً في إذكاء جملة أسباب ولادة الأزمة ،وربّما توقيتها ،دون قبولٍ وبالمطلق ،بمسؤولية هذا ( الآخر المغرض ) عن خلق تلك الأسباب أواختلاقها ،والتي تكمن أساساً في تراكمات ثلاثين سنة من عمر الثورة الإسلاميّة في إيران ،فتلك الثورة التغييرية الكبرى ،بل والجذرية حتى ليجوز وصفها بالـ "انقلابيّة"بحقّ ،تماماً كالثورات الكبرى :البلشفية السوفيتية ،والصينية الشيوعية ،قد وصلت إلى استحقاقات عبر تسلم الحكم والمسؤوليّة في " ايران ـ الدولة والمجتمع "،لابُدَّ من الإجابة عليها بطريقة عمليّة ،فالذين وُلدوا عند انتصار الثورة عام ١٩٧٩ يدخلون إلى رحاب العقد الثالث من عمرهم ، هؤلاء لم يعانوا حكم الشاه (محمد رضا بهلوي) ،ولا جهاز السافاك ،وما يعرفونه عن ذلك الماضي قد يكون مشوشاً بالكثير من مفاهيم الدعاوى المضادّة !! وعلى كلٍّ فهو ماضي أو منه ،ثم إنَّ الثورة الإسلامية في إيران قد مرّت بامتحانات ،بعضها بل جلُّها محن حقيقية ،فحرب "الإحتواء المزدوج"العراقيّة ـ الإيرانيّة !! ولسنواتٍ ثمانيّة طوال ،جعلت الكثيرمن مسلمات ايديولوجية الثورة موضع تساؤلٍ ومراجعة ،وأيقظت من تناقضات الماضي أسوأ أطيافها ،والأشد سواداً من صفحاتها ،طبعاً بجهدٍ مبرمجٍ ومدروس من فرق (الغرف السوداء )إياها ،اليقظة دائماً في سهرها على تطويرسيرورات استراتيجياتها ،التي يفوح ـ أبداً ودائماً ـ من تكتيكات وضعها في التطبيق رائحة النفط والبارود والكثيرمن دماء الشعوب ،فضلاً عن تعرية وانكشاف الكثيرمن الأدوات ـ الأدوار .
ثُمَّ إنَّ الزخم الثوري للمرحلة الخمينيّة قد خفَّ وهجه مع الزمن ،وتلك طبيعة الأمور ،خاصة في ميادين العواطف وعواصف الإنفعالات ،التي تخلي مكانها تدريجيّاً وبهدوء لعقلانيّةٍ تعرف أنَّ مكانها محفوظ رغم علو الموجة ،و تبخترزائل الزبد،ربّما بدأ ذلك منذ نهاية الحرب ـ المؤامرة (وعلى إيران والعراق سواء بسواء) عام ٩٨٨ بتوقيع المرجع آية الله ،روح الله الخميني على وقف الحرب ،وخاصة غياب الحضور الكاريزمي له كقائدٍ للثورة المنتصرة ،بوفاته بعد ذلك بعام ،
ثُمَّ إنّ إيران الخارجة من الحرب ،وبكليتها :سلطة ونظام ،دولة ومجتمع ،وجدت نفسها جريح حرب مزمنة ،يحتاج إلى الوقت لإلتئام الجرح ،ونقاهة الجسد ،فرصة لم تتمكن أبداً من اقتناصها بسبب عداوة البعيد وتربص القريب ،وتغيُّر الموازين الدوليّة كلها بانهيار الإمبراطورية السوفيتية ،ومحاولة الولايات المتحدة ـ الشيطان الأكبر حسب توصيفات الثورة الإسلامية ـ السيطرة على القرار الكوني . كلّ ذلك صحيح وأكثر ، لكنّه لا يصلح بحالٍ لتفسير الكيفية التي تجعل من نتيجة انتخابات رئاسيّة ،وإنْ مُختلف على نزاهتها ،مناسبة لانكشاف نظام ،بل وانقسام ذات النظام على نفسه إلى أجنحة متصارعة ،فالمرشحون الأربعة أبناء شرعيون للنظام ،بل الأبناء الشرعيون له وبامتياز، وأفتاهم هو الرئيس محمود أحمدي نجاد ،فأين التفسير أو محاولته بأضعف الإيمان ؟!!
1ــ المرشحون الأربعة من أعمدة النظام ،حملة أيديولوجيته الإسلامية ،وإنْ باجتهادات متفاوته ،إلا أنها لاتفرط بالأسس الجامعة للتوجهات الكلية وأهدافها ،ومع ذلك فالكليات لاتكفي وتبقى في التفاصيل علة الأشياء ومنها أنَّ الرئيس (نجاد) هو الأكثر تصلباً ايديولوجياً ،والأكثرانفتاحاً اصلاحياً على الصعيد الإقتصادي ،رغم أنّه آخر العنقود عمراً .
2ــ ايديولوجيا الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة مازالت لها ذات المفاهيم السمات والشعارات الثوابت ،منذ ما قبل انتصارها ،وحتى ما بعد استلامها الحكم ،وإلى ساعتنا ،رغم أنّ سياسات الجمهورية الإسلامية الإيرانيّة ـ لا سياسة الجمهورية الإسلامية الإيرانيّة ـ تتصف بالكثيرمن البراغماتية ،الناجحة نعم ،خاصة على الصعيد الخارجي ،ولكنها براغماتية ،ثابتها الوحيد متغيرها المتطور ونفسها الطويل ،مما يجعل محاولة المزاوجة بين الإيديولوجيا ـ الثوابت والسياسات ـ المتغيِّر ،كأساس وبناء عليه ،عملاً مُربكاً أحياناً ،يحتاج للكثير من التحليل والتعليل وربّما التبرير أيضاً !
3ــ الصف الأول في السلطة ينتمي لذات النادي الذي لم يتجدد ،اللهم إلاّ جزئياً بوافده الجديد نسبيّاً :الرئيس (نجاد) وبعض رعيله ،وتبقى السيطرة على مفاصل النظام بيد مجالس تسيطر عليها ،بالأغلب الأعم ،ذات الوجوه منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانيّة ،مما يجعل الأجيال المولودة بعد قيامها (الجمهورية) في حالة بطالة فاعلية في ما خصَّ الشأن العام ،وهامشية قرارية في المسار المجتمعي والتطور الإجتماعي ،بل والأدهى أنها تجد نفسها مطالبة بالإنتماء الثوري المستعد للتضحية بالنفس ،في الوقت الذي لايُعترَف لها بنضجها ،وتُبقى في موقع الأصغر الذي لم يعش لحظة بركات انتصار الثورة ،في تكرارٍ لسابقةٍ :علاقة الصحابة مع التّابعين ،مع أنّه لا فضل لأحدٍ في ساعة مولده ،إنّه تقدير قادرٍ وفضل عليٍّ عليم .
4ــ الأجيال الشابّة لها مطالبها المشروعة ،والمتجددة في عصر اختلف فيه كل شيء ،خاصة في العقد الحالي ،بما شهده من ثورة حقيقية في المعلوماتية وميادين الإتصالات ،وتطور ،بل تغيّر معنى بعض المصطلحات ،كمصطلح : أمّي ومفهوم الأميّة بكل تشعباتها ،وولادة مفاهيم ومصطلحات جديدة : كالعولمة والمواطن العالمي أوالكوني ،وما لحق بها من غسل أدمغة 7/7 و24/24 ،وبوسائل القصف الميديوي فوق ـ الحديث والموجه ،مسفِّهاً كل مفهوم انتماءٍ خاص ،وكل تميّز،محملاً إياه كل الشرور ،في عملية كذبٍ منظم ،وتزويرٍ مدروس ممنهج ،ممكن التصدي لها ( وسائل القصف الميديوي) ؟!! : نعم ،لكنْ ليس بسهولة ولا باستسهال ،وحتماً ليس بشتم الظلام ،أو بالإحتماء الخائب بأساليب الظلامية وإغلاق النوافذ على ضوء الشمس وشعاع القمر.
5ــ نجحت الثورة الإسلامية في إيران بإرساء نظامها ،وهذا بيِّن جليّ ،لكنها لم تنجزبلورة الهوية المواطنية كمجتمع ،فبقي الفرد الإيراني في ضبابية انتماءٍ إلى الإيديولوجي الإسلامي الأشمل والوطني الإيراني المدولن ،لم ينجز الأول بحكم ظروف موضوعيّة مفهومة ،ولايستطيع الإنكفاء إلى الثاني بضرورة الإلتزام بالأول ،فضلاً عن ضغوط المتغيِّرات السابقة الذكروالتي تدهمه .
6ــ إنَّ الظروف التي يعانيها الإنسان الإيراني ،والتي يشاركه فيها السواد الأعظم من شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية ،من مجتمع شابّ ،مختلّ التوزيع بين مدينة وأرياف ،مع عدم توازن بين قطاعات الإقتصاد ،واقتصاد ريعيٍ طاقوي ،خاضعٍ لتقلبات الأسواق الخارجية ،وأزمات معيشة ،وسكن،وبطالة ،وسوق عمل لاتمتلك دينامية استيعاب كل الطاقات المتناميّة سنوياً طلباً لفرصتها المشروعة ،وفوق ذلك حصار غربي شبه تام ،وسياسة استنفار مبررة ،بل ضرورية ومحقة ،كل ذلك يجعل الأعصاب مشدودة والنفوس متوترة ،والآراء تحتمل الإجتهادات ،حتى المتضاربة ،المتناقضة ،ولكنها ـ ولابحالٍ ـ تحتمل التصادم والصراع ،في مجتمع فسيفسائي التكوين بأساسه ،في ساعة كثر فيها اللاعبون !!!
وإذاً : لايمكن بحال أنْ تهمِّش أكثرية الثلثين أقليّة الثلث الثالث ،أقليّة تتجاوز الملايين العشرة من الكتلة الناخبة ،وتمثِّل على الأرض ثلث الأمّة الإيرانيّة ،فالتسوية هي الحل ،والحوار هو الطريق ،واحترام المؤسسات هو الضمانة .
وليتذكرالجميع أنَّ إيران بلد بترولي ،وجاره العراق دفع غالياً ضريبة ثروته ،ومازال وإلى مدىً غيرمحسوم ،وأنه علاوة على ذلك مطل على بحر قزوين ومخزونه النفطي ،ويتشارك الحدود مع مناطق ملتهبة ساخنة ،ويقع جيوبوليتيكياً على "درب الحرير"،الذي يبدأ شرقاً من التيبت وأواسط الصين ، "درب الحرير"ويالها من تسمية !! إنّه درب الجلجلة والآلام ، وإلى القسم الثاني مع الوضع المستجد في الصين حيث يبتدئُ "درب الحرير"...........