بقلم : د. مـنير القـوي
القسم الثاني :عن الصّين
بالتأكيد إنَّ استدعاء الدّور الذي لعبته أطرافٍ خارجية ،لمحض مصالح مغرضة (حسب سلطات الدولتين) ــ وهو دورٌ لايَخفى على العين المُلمّة ــ بتوظيف الإمكانيات عالية التقنيّة لوسائل الإتصال الحديثة في التَّدخل على ساحتي الإضطرابات والإحتجاجات في كلا الدّولتين ،والتَّقارب الزمني لوقوع تلك الإضطرابات والإحتجاجات (أسابيع) ،ووقوع كلتا الدّولتين في موقعٍ (جيوبوليتيكوـ استراتيجيك) ملتهب تتصارع فيه وعليه سياسات واستراتيجيّات ،بين إراداتٍ تؤسِّس وتضع أهدافهاعلى "ضوءِ فلسفة ومفهوم" الموقع أعلاه (الموقعٍ الجيوبوليتيكوـ استراتيجيك ) ،""كثابتٍ ـ حقيقة ـ أساس "" ،بكل ما يلحقه ،ويلتحق ،ويُلحَق به ،ويُبنى عليه ،وبين (عولمة شاملة وشمولية) تعتبرالفلسفة والمفهوم السابقان وأساسهما عائق في طريق أهدافها ،التي بدأتها اقتصادياً ويجب أنْ تصل إلى خواتمها السياسية لكي ينجح مشروع العولمة الشمولي والشامل .
وأمّا ما يحصل في الطريق من أزمات ماليّة ، اقتصادية ،اجتماعية ،ثقافية ،وحتى زعزعة المجتمعات بإثارة الحروب الأهلية ،وتحت كل الذرائع ،بل وشنّ الحروب واحتلال البلدان ،وتمزيق ما اصطلح على تسميته : ""خريطة العالم السياسية المُتَفق عليها بموجب توافقات المنتصرين في الحرب العالمية الثانية (الحرب الإمبريالية الثانية) ""،فكل ذلك تفصيلات ،إنْ لم تكن ضرورات لإيصال مشروع العولمة إلى مراسيه الغائيَّة المتصَوَّرة !!.
إذاً هو صراعٌ موضوعيّ وصريح ،في عميقه وتمظهراته ،بين أيديولوجيّات شمولية ثلاث ،تعايشها السلمي مستحيل ،وصراعها هو من صنف الحتميّة المتَّسقة مع تحصيل الحاصل لمنطق الأمور المنضبطة بأسس مقدِّماتها إلى غاياتها .
وإذا كانت أيديولوجيّة الثّورة الإسلاميّة في إيران قد حدّدت ميدانها في محيط عالم الإسلام ،والثّورة الصينيّة الشيوعيّة قد حُلَّتْ أزمةُ أُمميتِها منذ تبني "نموذج النظام الإشتراكيّ في بلد واحد"ــ رغم تحفُّظٍ هنا ورفضًّ هناك ــ فإنَّ الأيديولوجيّة العَوْلَميّة لاتسطيع بحكم وراثتها تطورالمراحل الإستعماريّة ــ والإمبرياليّة في الذروة من تلك المراحل ــ لاتسطيع إلاَّ أنْ تكونَ تدخليّة ،إقصائيّة ،وعدوانيّة الطبع والطبيعة ،وبالتالي فما أشارت إليه السلطات الإيرانيّة ،ومثيلتها الصينيّة ،من تدخلات خارجيّة غرضيّة المقاصد ،يتّفق واستقامة سليم المنطق ،فضلاً عن الوقائع الدّامغة بلا لَبسٍ ولا التِباس ،ومن منابرعالية الصوت ،في جميع عواصم بلدان معسكر العولمة ،وملحقاته المتنوعة المشارب .
فهل هو استمرار للحرب التي فُتحت على كل الأبواب منذ نهاية أربعينيات القرن الماضي ،في مرحلة الثنائيّة القطبية ؟!! حيث أثبت معسكرالرأسماليّة ـ المتطورة ليبراليّاً وإمبرياليّاً ـ ثباته ،بل وغلبته على "المُسمّى أنذاك"النقيض :المعسكر الإشتراكي ـ معسكر رأسماليّة الدولة في حقيقتة ،المتكلس بيروقراطياً بمركزيّة القرار ـ المنضوي في منظومة الإمبراطورية السوفيتية ،التي انهارت في العقد الأخير من القرن المنصرم ،مشكِّلة منعطفاً في الصراع الكوني ،ما زالت تردداته تتمظهر في كل محطة من محطات الصراع ،الذي يبدو بلا أفق منظور .
يبدو أنّ الوقائع تؤكّد ذلك ،فالرأسماليّة ماضية في معركة مصالحها الهجومية ،بأيديولوجيتها العولمية الإقصائية ،وبكل الوسائل ،وإذاً فهي لن تقبل بحالٍ(تجربة ناصريّة) أخرى ،وعلى الطريقة الإيرانيّة هذه المرّة ،ومما يغريها أكثر، ما كشفت عنه الإضطرابات المنفلتة في أعقاب الإنتخابات الرئاسيّة الإيرانيّة من تناقضات عميقة ،بين أجنحة نظام الثورة الإسلامية بالخاصة ،ومكونات المجتمع الإيراني بالمجمل ،وعلى الصُعُد كافّة ،أُفقيّاً وعموديّاً .
على أنّه إذا تخيّل الغرب إمكانيّة إسقاط نظام الجمهوريّة الإسلاميّة بضربة قاضية ،وبالتحديد عسكرية مباشرة ،وهو احتمال يبقى قائم وبقوة ،رغم تصريحات الطمأنة والإستبعاد مؤخراً ،ربّما انتظاراً لسقوط التفاحة من ذاتها (؟!)،والبوادر مُنذرةً مُحذِّرةً ،بل وتبعث على الريبة (؟؟!!) ،فإنّ مجرد احتمال تخيّل ذلك في الحالة الصينيّة ، هوانتحارأكيد ،وليس من المعروف عن الرؤوس الباردة ،واضعة الإستراتيجيات ، في "غرفها السوداء" ،ارتكاب الأخطاء المميتة عادةً .
وإذاً فما يريد معسكرالعولمة ،حقيقةً،من الصين "الشعبيّة" ،فالقصف الإعلامي العولمي ليس عبثيّاً ،ماكان ،ولم ،ولن يكون ،ولا أعتقد أنّ المجّانية من شيم النظام الرأسمالي ،حتى عندما يتحفنا بـ (معوناته الإنسانيّة البريئة!!) ،خاصّة في دقّة ديناميّاته الحالية ،المحسوبة أزمويّاً ،وسفورنسختة المتوحشه المعاصرة ؟!!
لعلّ الوقوف بإيجازٍ مع بعض سمات دينامية "المارد الأصفر" وتوصيفاته التقريرية ،وعلى المستويين ،الداخلي والخارجي ،ومنها محاولة الوصول إلى استنتاجات ــ إجابات ،قد تفي بغرض الرَّد على السؤال ـ الإفتراضي ـ المطروح ،آمرٌ لا بدّ منه في سياق محاولة استيفاء القراءة شروط موضوعيتهاالمُفتَرضة :
بدايةً وبالمبدأ:
لاتستطيع العولمة الشموليّة العدوانية ،صاحبة المصالح "المطلقة كونيّاً" قبول الشراكة مع أية أيديولوجيّة تعبِّر عن مصالح أخرى مغايرة ،فكيف إذا كانت شيّوعيّة الشعار ،ماركسيّة الإيديولوجيّة ،امبراطورية التوجهات ،براغماتية الدينامية ؟!!
إذاً هو الصدام المحتوم ،بل والصراع المفتوح ،إلاّ بالحرب الساخنة المباشرة ،فهي الخطّ الأحمر ،أمّا بالنيابة ،أو على الميادين الجانبية ،فلا بأس ، ولكل أهدافه من تلك الحروب المحدودة الميادين .
فالصين ،عملاق المرحلة الإقتصادي ـ نمو سنوي بمعدل 10% وسطياً ـ يلتهم السوق الإستهلاكي العالمي ،ويغزو أسواق قلاع الرأسمالية ،جميعها بلا استثناء ،حتى أسواق الولايات المتحدة ،زعيمة العولمة ،والميزان التجاري الأمريكي ــ الصيني المختَّل بعمق لمصلحة الصين ناطق بلا مواربة ،وبالتأكيد فمن أهم عوامل الغلبة في ميدان الإنتاج التنافسيّ ،وبكل أشكاله ،تبقى أدوات وآلية النظام الإقتصادي في المقدمة ،وفي الصدارة منها : اليد العاملة منخفضة الكلفة ،ولا أقول الرخيصة لتضارب المرجعيّات ،والصين قاموس المرجعية ،كونيّاً، على قاعدة الإنتاج التنافسي ،والإستهلاكي بالخاصة ،وإذاً فالحاصل ،المطلوب والمتعين ،من التدخّل العولمي في الحالة الصينيّة ،يأخذ ،شكليّاً ونوعيّاً ،وجوهاً مختلفة عن ذاك في الحالة الإيرانيّة ،رغم وحدة جملة الصراع وذات الهدف ـ السمت :
1 ــ إشغال جزءٍ من قوة العمل الصينيّة ـ منخفضة الكلفة ـ في الهمّ الأمني الداخلي ،ومتطلبات كلفته ،مع ما يترتب عليه من رفع كلفتها ،وتحويل جزء من الميزانيّة الصينيّة المخصصة لاستراتيجيتها الإستثمارية إلى الميدان الأمني المكلف ،اللامنتج والمستهلك بحكم طبيعة مهمته .
2 ــ استمرار إيديولوجية العولمة في معركتها الثقافية المفتوحة للسيطرة نهائياً (وفق تصوراتها الغائية)بمحاولة تأكيدها فشل وهزيمة الأيديولوجية الماركسية في نسختها الصينيّة ،تماماً كما حصل مع شقيقتها السوفيتية ،وهي رسالة موجهة بالخصوص ـ فضلاًعن المجتمع الصيني ـ إلى الباقي من الأنظمة ذات التوجهات المشابهة ( كوبا ، كوريا ،وربما النيبال الماوية حديثاً...) ،وإلى الباقي من الحركات التي لم تتحول ،تدجيناً أواختراقاً ،إلى (يساريّة سابقة) أو ماركسويّة ؛وذلك بتسليط الضوء على التناقضات ،وعجز الحلول ،بل وعقيمها أحياناً ،بعد عقود ستة بالتمام والكمال ،من انتصار الثورة الصينية الشعبيّة (بالقيادة التاريخيّة الماوية) في البرِّالصيني وهزيمة (كومنتانغ تشان كاي شيك) إلى الصين الوطنية في جزيرة فرموزا (تايوان) .
ولعلّ أهم المظاهر ،سلبية الديمومة ،التي تسلِّط عليها الأضواء ،وتضخمها ،وسائل "الميديا" العوليّة الموجهة ،وفوق المتطورة ،في هجوم العولمة الضّاري ،في معركتها المفتوحة :
ا ـ صمود الظواهر الإثنية والإثنيّة ـ القوميّة ،أمام إرادة الصهر السلطوي المركزي الإرادوي ،وانفجارات مكبوت دينامياتها ،في ظرف مؤاتٍ أو متاح ، في الـ ( تيبت) بالأمس القريب ،وفي إقليم تشنغ يانغ (تركمانستان الشرقية) اليوم ،ولا يفيد اتهام الخارج المغرض ـ الموجود دائماً ــ مسلّمة لاتناقش ـ،ولا (ربيعة قدير "المنشقة ـ والشيوعية سابقاً "،في تكرارٍ مُمِلٍّ لرواية المنشقّ السوفييتي "سولجينتسين"المعروفة ) ،ففي الواقع وعلى الأرض ،مشكلة حقيقية يجب الإقرار بوجودها ،بل وأكثرمن ذلك ،الإعتراف أنَّ الإيديولوجيا الماركسيّة ، بنسختها الصينية ،وحتى بثورتها الماويّة الثقافية ،وكتابها "الأحمر" الشهير ،لم تقدم حلاً ناجعاً ،ولم تستطع إحلال مفاهيمها مكان تلك التي للإيديولوجيّات البوذية ،أو الإسلاميّة ، أوحتى الكومفوشية رغم كبيرمحاباتها أو الإتكاء عليها ،والتي أثبتت قدرتها على مقاومة محاولات اجتثاثها الإرادوي ،بل وتأكيد حصانة رسوخ وظيفتها الحمائية ـ الدفاعية في الذهنية الجمعيّة لأتباعها .
ب ـ أنَّ أداة الصهر الإجتماعي المعتَمدة في الصين ،هي ذاتها التي فشلت في الإتحاد السوفيتي المنهار ،الأداة الحزبيّة ،مركزية القرار ،فوقيته ،بنخبوية انتهازية ،علائقية الموالاة والنسقيّة والتراتبية،مما جعل الغلبة في مركز القرار السلطوي بيد قوميّة بعينها ( قوميّة الهان ) ،المُعتمَدة نواةً وأداةً لمحاولة الدّمج المجتمعي ؛ ميِّزةٌ خطرة حتى عندما تستقيم في سلوكها ،لما تورثه من أحاسيس ومشاعر فوقيّة رسالية عند هؤلاء (الخان) ،تماماً كما كان الحال عند (الروس) في الإتحاد السوفيتي السابق ،وبالمقابل تورث أحاسيس ومشاعر الإضطهاد والدونيّة لدى الإثنيات والإثنيّات ـ القوميّة الأخرى ،والتي قد تتطور نكوصيّاً إلى عنصريّة معكوسة ضدَّ المعتَبر مُعتَمداً مُهَيمِن .
ج ــ كشفت الكوارث الطبيعيّة (زلازل ،فيضانات) ،هشاشة البنية التحتية الصينيّة وهزال خططها ،بل وبدائيتها ،وضئيل استعدادها ،علاوة على درجة الفساد المرتفعة ،حتى في تنفيذ الأبنية الآوية للملايين من أُسَرالعمّال ،والفئات الشعبية من الصينيين ،والتي كانت تعدُّ مفخرة ومعجزة للأمّة الملياريّة قبل الكوارث التي وقعت ،وكشفت المستور ـ الفضيحة .
د ــ التكرار المأساوي المؤسف لحوادث المناجم ،الأسبوعية وسطيّاً ،وما تُخلّفه من عديد الضحايا بين عمّال المناجم ،مما يكشف الشروط الرديئة ،بل وإهمال الحدّ الأدنى من مواصفات (آمان العمل وأمنه) في بلد نظام العمّال والفلاحين والطبقة العاملة ،بل وألعن من ذلك : // يشير إلى تشييئ الإنسان ،حين يصبح أداة إنتاج في منجم بدائيّ ،فتلك قيمته ولا قيمة له بذاته //!! أوليس ذلك بمأساة تفتح كل أبواب الذرائع للغرضيّة والتدخلات ؟
هـ ــ عدم نجاح السلطات الصينيّة القيّمة على إدارة شؤون ""ثلث البشرية"" ، أولامبالاتها ،بالإنضمام الفعليّ إلى ثقافة (حماية البيئة ) ومواثيقها ،وما يظهرهُ تجاهل مفاعيلها من مخاطرتستدعي اهتمام دولة بحجم الصين ومسؤولياتها ،خاصة تجاه ""ثلث البشرية"" المسؤولة عنه ،وما يلحق به من كوارث مُجلجِّلة العواقب ،بل إنّ الصين تُعَدّ بين الملوِّثين الرئيسيّين على كوكب الرض ،تسبقها فقط الولايات المتّحدة !! .
وــ إختلال التوزيع ،الجغرافي والديموغرافي في المجتمع الصيني ،لمَواطن ومردود النهوض الإقتصادي الحالي بين الأقاليم الصينيّة ،ولا عدالته الواضحة ،واعتبار بعضها ،بل واعتماده " مجتمعاً صناعياً " وهي حقيقة في الشرق والجنوب الشرقي ،(أغلبية هانيّة)،وتصنيف الأقاليم الأخرى بين رعويّة (التيبت) ،وزراعيّة (الوسط) ،ومصادر مواد طاقويّة (الغرب وخاصة الشمال الغربي ) ،حيث تندلع الإضطرابات الحالية في إقليم تشنغ يانغ أو(تركمانستان الشرقية) ،ومن الطبيعي أنْ يورث التفاوت التنموي بين الأقاليم مشاكل بنيويّة مستحدثة تنضاف إلى الكم المتراكم تاريخيّاً في بلدٍ فسيفسائي ،وحَّدته سياسيّاً أيديولوجيا ثوريّة شموليّة ،وعجزت أدواتها المعتمدة عن صهر مكوناته في بناء مجتمعٍ متجانس ٍواحد .
3ــ يبقى الوقوف مع أهداف التدّخل الخارجي ،في امتداد ميدان الصراع مع الصين ،إلى الخارج الصيني ، لإنجازاكتمال إطار الرؤية بانوراميّاً ، دون ادّعاء كمالها :
اــ إنّ تواقت انتقال ثقل الصراع العسكري الأطلسي إلى الساحة الأفغانية لايمكن النظر إليه بمعزلٍ عن مفاعيله في الجوار ،وتأثُّر وتأثير ذلك الجوار (الصيني ـ الإيراني) بارتداداته ،فالمقاومة الأفغانيّة ( المسماة طالبانية ـ قاعديّة ) لقوى الغزو وصنيعتها ـ نظام( كرزاي ) ـ لا تعتمد الحجارة والهراوات أسلحةً في معاركها ،بل أسلحة متطورة ،ولو فرديّة ،لا تُصّنّع حتماً في مغارات " تورا ـ بورا" ،فمصدرها من دول الجوار ،أو من أسواق السلاح ،التي لايمكن منطقيّاً قبول أُرجوفة عصيانها على كل رقابة ، هذا أولاً ،وثانياً لم يقل أحد أنها هبة ،لا سماوية ولا أرضيّة ،بل مدفوعة الأثمان بطرق شتى : تبادل مصالح ،استراتيجيّات مواجهة مفتوحة واستنزاف هادف ،تحالفات مستورة ،وأبسط الأثمان أموال تجارة الأفيون ،زراعة محميّة ،وتهريب منظم إلى أسواق الغرب بالخاصّة ،والتي تجد مرجعيتها التاريخية في حرب الأفيون التي شنتها الإمبراطورية البريطانية على الصين في القرن التاسع عشر.
ب ــ تمثل السياسة التدخليّة العولميّة هجوماً استباقيّاً :
على الصين :
في محاولةٍ لقطع الطريق على وضع استراتيجيتها بالوصول إلى بحر قزوين ومخزونه الطاقوي موضع التطبيق ،بتأكيد التصميم الأطلسي على التواجد في ممر خيبر ،وعلى مسار طريق الحرير .
وعلى إيران :
بمتابعة محاولات حصارها وإضعافها ،وإعاقة توجهات تعاونها مع الصين ،والتلويح لها بعواقب تفعيل تدخلها على الساحتين العراقيّة والأفغانيّة .
ج ــ فتح جبهة مواجهة بين الصين و"التطرف الإسلامي" ،بإعادة استخدامه ،"تأهيله"وإعادة إنتاج دينامية معاداتة ""للشيوعية الملحدة""،كما سبق وحصل مع الإمبراطورية السوفيتية الزائلة ،وعلى امتداد ساحة تطلعات المصالح الصينيّة ،خاصة في القارة الأفريقيّة ،حيث يحتدم التسابق والصراع ،مع ما قد يُنتج ذلك من إحراجٍ لنظام الجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة ـ نظرياً على الأقلّ ـ أمام جمهور العالم المسلم حين تصبح حتميّة اختيار التحالفات أمراً ملحّاً وآني !!.
د ــ إرباك الصين العضو الدائم في مجلس الأمن ،على صعيد علاقاتها الدولية ،السياسية والإقتصادية بالخاصة ، ومع الدول الإسلامية بالخصوص ،والموقف التركي ،الرسمي والشعبي ،من قمع الأحداث الجارية بداية الغيث .
(انتهى القسم الثاني ) .
في (القسم الثالث) : سأحاول الولوج إلى تصوّر بعض المخارج، بمقترحات مراقبٍ لايدّعي الإحاطة والشمول ،لكنّها مساهمة لا تخلو من جهدٍ ،حتى وإنْ قال قارئ :خلت من كل اجتهاد !!.
شام برسالجمعة 17-07-2009
عودة
طباعة
أرسل لصديق
الخميس، 16 يوليو 2009
الأحد، 12 يوليو 2009
إيران...الصين...والشبكة العنكبوتية
إيران...الصين...والشبكة العنكبوتية
بقلم الدكتور: مـنير القـوي
القسم الأول :
عن إيران
اضطرابات في كلا الدولتين ،وفي كلتاهما يُشار باصابع الإتهام إلى شبكة "الإنترنيت"... إلى مراكز السيطرة على مصادرها ،وإلى الذين يسيِّرونها ،يستغلون إمكانيّاتها في التواصلية اللحظية ،وفي اعتماد وسائل "الميديا" الحديثة التي تمكِّنها من التعميم الكوني للمعلومة التي تختارها ،وللرأي الذي تنتصرله ،وبالتأكيد ،فإنَّ مراكزالسيطرة تلك ،والذين يسيِّرونها ،ويقفون وراء غرضيّات استخدامها ،ليسوا بالمحايدين ،ولم يدِّعوا يوماً "شرف الحياد " ،أويُخفوا انحيازهم الصريح ،بل إنَّ خطابهم التربوي ـ الأبوي ،الإستعلائي ـ الوصائي ،والتدخُّليّ الفجّ :لأوقح في سفورهِ من الفجور.!!
ــ وخارجهما ـ وخاصة في الغرب ـ ترتفع الأصوات مُندِّدةً بقمع الحريات الأساسية ،المكفولة بضمانات شرعة حقوق الإنسان ،والمواثيق الدولية ذات الصِّلة ،ومستنكرةً صورالممارسات العنفيّة لأجهزة الدولة "الأمنية" !!.
ــ هكذا تبدو لوحة ساحة المواجهة في صراعٍ مقيمٍ ،وقوده إنسان تحركه ايديولوجيات تدّعي ناجع الحلول لحاجاته وأزماته ،ومصالح متصارعة غالباً ،أومتلاقية أحياناً ،تقف وراء تلك الإيديولوجيات ،المختلفة من منابع صدورها وإلى مثاوي اعتناقها ،فلكل صوتٍ أسبابه ومنطقه ،بعضها القليل : مُحقّ بحقّ ،ومعظمها الأعم : مغرض وباطل .ـ
ـ صحيح أنَّ في الحالة الإيرانية سبب مباشر لاندلاع الإضطرابات ،ألا وهو نتائج الإنتخابات الرئاسية المختلف على نزاهتها ،والتي حُسمت رسميّاً بإقرار إعادة انتخاب الرئيس (أحمدي نجاد) لرئاسيّة ثانية ،ولسنوتٍ أربع قادمة ،لكنْ هل انتهى الحراك المجتمعي ؟
إذْ ليس كافياً اتهام الخارج المغرض بالتدخل ،وهو تدخل مُدان ،واضح لا يخفي حضوره ،بل يتعمد ،وبوقاحة وصفاقة ،تغليف أغراضه ،وكعادته ،ببرّاق ذات الدعاوى : حقوق الإنسان وما يتفرع عنها ويلحقها من حرية التعبير ،والإضراب ،والتظاهر"السلمي!!"،إلخ....حتى إذا وصل إلى حريّة التنقل والسفر أوقف دعاويه على أبواب سفاراته ،وابتلع شعاراته ،وأشهر سلاح الـ " فيزا" المقدّس ،وممارسته تلك : أمر سيادي !! وعلى الرأس من أهدافه :حماية مجتمعاته ،وسلمه الإجتماعي !! وممن ؟!! من ذات الناس الذين يتباكى على ما يلحق بهم من " ظلم" على يد السلطات في بلدانهم !!. والمضحك المبكي ،أنّ هؤلاء الناس لا يُوجَدون ،ولا يتألمون ،إلاّ في البلدان التي تتعارض سياساتها مع سياسات الغرب الهمايونية ،ومفاهيم ثقافته التفوقيّة ،وهيمنة عولمته الإخضاعيّة !! كل ذلك معروف ،واضح ،ومستمر ، ومع ذلك فالحراك المجتمعي قائم ومستمر أيضاً،حقيقة يجب ،ليس فقط الإقرار بها ،بل واحترام ديناميّاتها ،والإستجابة لحاجاتها التطورية ـ المطوِّرة المتجددة ،لكي تثمر في مشروع مساراتها ، فلا تخرج إلى مسارب الإستغلال ، فتنحرف ،أو تُحرَّف :
1ـ بإرادةٍ داخليّة مُعارضة ،خارج سلطوية ،أومُغرضة ، دائمة الوجود ،كموناً متربص ،أو فعلاً هدّام ، أو في الحدّ الأدنى : سلبية تعاطٍ مع السلطات القائمة ،هذا في حال صحة تمثيل تلك السلطات ونظامها لسمتِ ديناميّة إرادة جمهور مجتمعات دولها .
2ـ بإرادةٍ خارجية ،دائمة الوجود ،تبحث عن مصالحها بكل السُبُل المتاحة ، بغض النظر عن معايير الأخلاق المتعارف عليها ،والتي تَضْمُر في حضورها حين تتعارض مع المصالح إلى حدّ إنكارها ،أو الأدهى : تسفيهها وإحلال قيم النقيض في ذات مكان قدسيّة تمجيدها !!!
3-ـ بمحاولة اللعب من بعض أجنحة النظام القائم ،لفرض وجهات نظرها ،أو البرهان على صحة توجهاتها بشهادة الشارع المعبِّر عن استيائه ،من بعض السياسات المطبقة من قبل الجناح القابض على ناصية السلطة .
فمحاولة استغلال مظاهر الإحتجاج على نتيجة الإنتخابات الرئاسية في الشارع الإيراني ،والممارسات التخريبيّة التي مارستها "قِلَّة" ،أخذت العدالة على عاتقها البتّ في تحديد المسؤوليّة عن افتعالها ،لا يحتاج لبرهانها متابع ،ومع ذلك فإنَّ إحالة المسؤولية عن الأحداث وإلقائها على الآخرالمُغرِض (العدوّ الخارجي ، شيطان أكبركان ،أوأصغر،أومن ضعاف النفوس الذين يسهل شراؤهم بأساليب شتّى ....) لايمكن الركون إلى جديّة وحدانيّة خطابها ،بل يمكن قبولها ( مسؤولية الآخر المغرض ) عاملاً تدخليّاً مساهماً في إذكاء جملة أسباب ولادة الأزمة ،وربّما توقيتها ،دون قبولٍ وبالمطلق ،بمسؤولية هذا ( الآخر المغرض ) عن خلق تلك الأسباب أواختلاقها ،والتي تكمن أساساً في تراكمات ثلاثين سنة من عمر الثورة الإسلاميّة في إيران ،فتلك الثورة التغييرية الكبرى ،بل والجذرية حتى ليجوز وصفها بالـ "انقلابيّة"بحقّ ،تماماً كالثورات الكبرى :البلشفية السوفيتية ،والصينية الشيوعية ،قد وصلت إلى استحقاقات عبر تسلم الحكم والمسؤوليّة في " ايران ـ الدولة والمجتمع "،لابُدَّ من الإجابة عليها بطريقة عمليّة ،فالذين وُلدوا عند انتصار الثورة عام ١٩٧٩ يدخلون إلى رحاب العقد الثالث من عمرهم ، هؤلاء لم يعانوا حكم الشاه (محمد رضا بهلوي) ،ولا جهاز السافاك ،وما يعرفونه عن ذلك الماضي قد يكون مشوشاً بالكثير من مفاهيم الدعاوى المضادّة !! وعلى كلٍّ فهو ماضي أو منه ،ثم إنَّ الثورة الإسلامية في إيران قد مرّت بامتحانات ،بعضها بل جلُّها محن حقيقية ،فحرب "الإحتواء المزدوج"العراقيّة ـ الإيرانيّة !! ولسنواتٍ ثمانيّة طوال ،جعلت الكثيرمن مسلمات ايديولوجية الثورة موضع تساؤلٍ ومراجعة ،وأيقظت من تناقضات الماضي أسوأ أطيافها ،والأشد سواداً من صفحاتها ،طبعاً بجهدٍ مبرمجٍ ومدروس من فرق (الغرف السوداء )إياها ،اليقظة دائماً في سهرها على تطويرسيرورات استراتيجياتها ،التي يفوح ـ أبداً ودائماً ـ من تكتيكات وضعها في التطبيق رائحة النفط والبارود والكثيرمن دماء الشعوب ،فضلاً عن تعرية وانكشاف الكثيرمن الأدوات ـ الأدوار .
ثُمَّ إنَّ الزخم الثوري للمرحلة الخمينيّة قد خفَّ وهجه مع الزمن ،وتلك طبيعة الأمور ،خاصة في ميادين العواطف وعواصف الإنفعالات ،التي تخلي مكانها تدريجيّاً وبهدوء لعقلانيّةٍ تعرف أنَّ مكانها محفوظ رغم علو الموجة ،و تبخترزائل الزبد،ربّما بدأ ذلك منذ نهاية الحرب ـ المؤامرة (وعلى إيران والعراق سواء بسواء) عام ٩٨٨ بتوقيع المرجع آية الله ،روح الله الخميني على وقف الحرب ،وخاصة غياب الحضور الكاريزمي له كقائدٍ للثورة المنتصرة ،بوفاته بعد ذلك بعام ،
ثُمَّ إنّ إيران الخارجة من الحرب ،وبكليتها :سلطة ونظام ،دولة ومجتمع ،وجدت نفسها جريح حرب مزمنة ،يحتاج إلى الوقت لإلتئام الجرح ،ونقاهة الجسد ،فرصة لم تتمكن أبداً من اقتناصها بسبب عداوة البعيد وتربص القريب ،وتغيُّر الموازين الدوليّة كلها بانهيار الإمبراطورية السوفيتية ،ومحاولة الولايات المتحدة ـ الشيطان الأكبر حسب توصيفات الثورة الإسلامية ـ السيطرة على القرار الكوني . كلّ ذلك صحيح وأكثر ، لكنّه لا يصلح بحالٍ لتفسير الكيفية التي تجعل من نتيجة انتخابات رئاسيّة ،وإنْ مُختلف على نزاهتها ،مناسبة لانكشاف نظام ،بل وانقسام ذات النظام على نفسه إلى أجنحة متصارعة ،فالمرشحون الأربعة أبناء شرعيون للنظام ،بل الأبناء الشرعيون له وبامتياز، وأفتاهم هو الرئيس محمود أحمدي نجاد ،فأين التفسير أو محاولته بأضعف الإيمان ؟!!
1ــ المرشحون الأربعة من أعمدة النظام ،حملة أيديولوجيته الإسلامية ،وإنْ باجتهادات متفاوته ،إلا أنها لاتفرط بالأسس الجامعة للتوجهات الكلية وأهدافها ،ومع ذلك فالكليات لاتكفي وتبقى في التفاصيل علة الأشياء ومنها أنَّ الرئيس (نجاد) هو الأكثر تصلباً ايديولوجياً ،والأكثرانفتاحاً اصلاحياً على الصعيد الإقتصادي ،رغم أنّه آخر العنقود عمراً .
2ــ ايديولوجيا الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة مازالت لها ذات المفاهيم السمات والشعارات الثوابت ،منذ ما قبل انتصارها ،وحتى ما بعد استلامها الحكم ،وإلى ساعتنا ،رغم أنّ سياسات الجمهورية الإسلامية الإيرانيّة ـ لا سياسة الجمهورية الإسلامية الإيرانيّة ـ تتصف بالكثيرمن البراغماتية ،الناجحة نعم ،خاصة على الصعيد الخارجي ،ولكنها براغماتية ،ثابتها الوحيد متغيرها المتطور ونفسها الطويل ،مما يجعل محاولة المزاوجة بين الإيديولوجيا ـ الثوابت والسياسات ـ المتغيِّر ،كأساس وبناء عليه ،عملاً مُربكاً أحياناً ،يحتاج للكثير من التحليل والتعليل وربّما التبرير أيضاً !
3ــ الصف الأول في السلطة ينتمي لذات النادي الذي لم يتجدد ،اللهم إلاّ جزئياً بوافده الجديد نسبيّاً :الرئيس (نجاد) وبعض رعيله ،وتبقى السيطرة على مفاصل النظام بيد مجالس تسيطر عليها ،بالأغلب الأعم ،ذات الوجوه منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانيّة ،مما يجعل الأجيال المولودة بعد قيامها (الجمهورية) في حالة بطالة فاعلية في ما خصَّ الشأن العام ،وهامشية قرارية في المسار المجتمعي والتطور الإجتماعي ،بل والأدهى أنها تجد نفسها مطالبة بالإنتماء الثوري المستعد للتضحية بالنفس ،في الوقت الذي لايُعترَف لها بنضجها ،وتُبقى في موقع الأصغر الذي لم يعش لحظة بركات انتصار الثورة ،في تكرارٍ لسابقةٍ :علاقة الصحابة مع التّابعين ،مع أنّه لا فضل لأحدٍ في ساعة مولده ،إنّه تقدير قادرٍ وفضل عليٍّ عليم .
4ــ الأجيال الشابّة لها مطالبها المشروعة ،والمتجددة في عصر اختلف فيه كل شيء ،خاصة في العقد الحالي ،بما شهده من ثورة حقيقية في المعلوماتية وميادين الإتصالات ،وتطور ،بل تغيّر معنى بعض المصطلحات ،كمصطلح : أمّي ومفهوم الأميّة بكل تشعباتها ،وولادة مفاهيم ومصطلحات جديدة : كالعولمة والمواطن العالمي أوالكوني ،وما لحق بها من غسل أدمغة 7/7 و24/24 ،وبوسائل القصف الميديوي فوق ـ الحديث والموجه ،مسفِّهاً كل مفهوم انتماءٍ خاص ،وكل تميّز،محملاً إياه كل الشرور ،في عملية كذبٍ منظم ،وتزويرٍ مدروس ممنهج ،ممكن التصدي لها ( وسائل القصف الميديوي) ؟!! : نعم ،لكنْ ليس بسهولة ولا باستسهال ،وحتماً ليس بشتم الظلام ،أو بالإحتماء الخائب بأساليب الظلامية وإغلاق النوافذ على ضوء الشمس وشعاع القمر.
5ــ نجحت الثورة الإسلامية في إيران بإرساء نظامها ،وهذا بيِّن جليّ ،لكنها لم تنجزبلورة الهوية المواطنية كمجتمع ،فبقي الفرد الإيراني في ضبابية انتماءٍ إلى الإيديولوجي الإسلامي الأشمل والوطني الإيراني المدولن ،لم ينجز الأول بحكم ظروف موضوعيّة مفهومة ،ولايستطيع الإنكفاء إلى الثاني بضرورة الإلتزام بالأول ،فضلاً عن ضغوط المتغيِّرات السابقة الذكروالتي تدهمه .
6ــ إنَّ الظروف التي يعانيها الإنسان الإيراني ،والتي يشاركه فيها السواد الأعظم من شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية ،من مجتمع شابّ ،مختلّ التوزيع بين مدينة وأرياف ،مع عدم توازن بين قطاعات الإقتصاد ،واقتصاد ريعيٍ طاقوي ،خاضعٍ لتقلبات الأسواق الخارجية ،وأزمات معيشة ،وسكن،وبطالة ،وسوق عمل لاتمتلك دينامية استيعاب كل الطاقات المتناميّة سنوياً طلباً لفرصتها المشروعة ،وفوق ذلك حصار غربي شبه تام ،وسياسة استنفار مبررة ،بل ضرورية ومحقة ،كل ذلك يجعل الأعصاب مشدودة والنفوس متوترة ،والآراء تحتمل الإجتهادات ،حتى المتضاربة ،المتناقضة ،ولكنها ـ ولابحالٍ ـ تحتمل التصادم والصراع ،في مجتمع فسيفسائي التكوين بأساسه ،في ساعة كثر فيها اللاعبون !!!
وإذاً : لايمكن بحال أنْ تهمِّش أكثرية الثلثين أقليّة الثلث الثالث ،أقليّة تتجاوز الملايين العشرة من الكتلة الناخبة ،وتمثِّل على الأرض ثلث الأمّة الإيرانيّة ،فالتسوية هي الحل ،والحوار هو الطريق ،واحترام المؤسسات هو الضمانة .
وليتذكرالجميع أنَّ إيران بلد بترولي ،وجاره العراق دفع غالياً ضريبة ثروته ،ومازال وإلى مدىً غيرمحسوم ،وأنه علاوة على ذلك مطل على بحر قزوين ومخزونه النفطي ،ويتشارك الحدود مع مناطق ملتهبة ساخنة ،ويقع جيوبوليتيكياً على "درب الحرير"،الذي يبدأ شرقاً من التيبت وأواسط الصين ، "درب الحرير"ويالها من تسمية !! إنّه درب الجلجلة والآلام ، وإلى القسم الثاني مع الوضع المستجد في الصين حيث يبتدئُ "درب الحرير"...........
بقلم الدكتور: مـنير القـوي
القسم الأول :
عن إيران
اضطرابات في كلا الدولتين ،وفي كلتاهما يُشار باصابع الإتهام إلى شبكة "الإنترنيت"... إلى مراكز السيطرة على مصادرها ،وإلى الذين يسيِّرونها ،يستغلون إمكانيّاتها في التواصلية اللحظية ،وفي اعتماد وسائل "الميديا" الحديثة التي تمكِّنها من التعميم الكوني للمعلومة التي تختارها ،وللرأي الذي تنتصرله ،وبالتأكيد ،فإنَّ مراكزالسيطرة تلك ،والذين يسيِّرونها ،ويقفون وراء غرضيّات استخدامها ،ليسوا بالمحايدين ،ولم يدِّعوا يوماً "شرف الحياد " ،أويُخفوا انحيازهم الصريح ،بل إنَّ خطابهم التربوي ـ الأبوي ،الإستعلائي ـ الوصائي ،والتدخُّليّ الفجّ :لأوقح في سفورهِ من الفجور.!!
ــ وخارجهما ـ وخاصة في الغرب ـ ترتفع الأصوات مُندِّدةً بقمع الحريات الأساسية ،المكفولة بضمانات شرعة حقوق الإنسان ،والمواثيق الدولية ذات الصِّلة ،ومستنكرةً صورالممارسات العنفيّة لأجهزة الدولة "الأمنية" !!.
ــ هكذا تبدو لوحة ساحة المواجهة في صراعٍ مقيمٍ ،وقوده إنسان تحركه ايديولوجيات تدّعي ناجع الحلول لحاجاته وأزماته ،ومصالح متصارعة غالباً ،أومتلاقية أحياناً ،تقف وراء تلك الإيديولوجيات ،المختلفة من منابع صدورها وإلى مثاوي اعتناقها ،فلكل صوتٍ أسبابه ومنطقه ،بعضها القليل : مُحقّ بحقّ ،ومعظمها الأعم : مغرض وباطل .ـ
ـ صحيح أنَّ في الحالة الإيرانية سبب مباشر لاندلاع الإضطرابات ،ألا وهو نتائج الإنتخابات الرئاسية المختلف على نزاهتها ،والتي حُسمت رسميّاً بإقرار إعادة انتخاب الرئيس (أحمدي نجاد) لرئاسيّة ثانية ،ولسنوتٍ أربع قادمة ،لكنْ هل انتهى الحراك المجتمعي ؟
إذْ ليس كافياً اتهام الخارج المغرض بالتدخل ،وهو تدخل مُدان ،واضح لا يخفي حضوره ،بل يتعمد ،وبوقاحة وصفاقة ،تغليف أغراضه ،وكعادته ،ببرّاق ذات الدعاوى : حقوق الإنسان وما يتفرع عنها ويلحقها من حرية التعبير ،والإضراب ،والتظاهر"السلمي!!"،إلخ....حتى إذا وصل إلى حريّة التنقل والسفر أوقف دعاويه على أبواب سفاراته ،وابتلع شعاراته ،وأشهر سلاح الـ " فيزا" المقدّس ،وممارسته تلك : أمر سيادي !! وعلى الرأس من أهدافه :حماية مجتمعاته ،وسلمه الإجتماعي !! وممن ؟!! من ذات الناس الذين يتباكى على ما يلحق بهم من " ظلم" على يد السلطات في بلدانهم !!. والمضحك المبكي ،أنّ هؤلاء الناس لا يُوجَدون ،ولا يتألمون ،إلاّ في البلدان التي تتعارض سياساتها مع سياسات الغرب الهمايونية ،ومفاهيم ثقافته التفوقيّة ،وهيمنة عولمته الإخضاعيّة !! كل ذلك معروف ،واضح ،ومستمر ، ومع ذلك فالحراك المجتمعي قائم ومستمر أيضاً،حقيقة يجب ،ليس فقط الإقرار بها ،بل واحترام ديناميّاتها ،والإستجابة لحاجاتها التطورية ـ المطوِّرة المتجددة ،لكي تثمر في مشروع مساراتها ، فلا تخرج إلى مسارب الإستغلال ، فتنحرف ،أو تُحرَّف :
1ـ بإرادةٍ داخليّة مُعارضة ،خارج سلطوية ،أومُغرضة ، دائمة الوجود ،كموناً متربص ،أو فعلاً هدّام ، أو في الحدّ الأدنى : سلبية تعاطٍ مع السلطات القائمة ،هذا في حال صحة تمثيل تلك السلطات ونظامها لسمتِ ديناميّة إرادة جمهور مجتمعات دولها .
2ـ بإرادةٍ خارجية ،دائمة الوجود ،تبحث عن مصالحها بكل السُبُل المتاحة ، بغض النظر عن معايير الأخلاق المتعارف عليها ،والتي تَضْمُر في حضورها حين تتعارض مع المصالح إلى حدّ إنكارها ،أو الأدهى : تسفيهها وإحلال قيم النقيض في ذات مكان قدسيّة تمجيدها !!!
3-ـ بمحاولة اللعب من بعض أجنحة النظام القائم ،لفرض وجهات نظرها ،أو البرهان على صحة توجهاتها بشهادة الشارع المعبِّر عن استيائه ،من بعض السياسات المطبقة من قبل الجناح القابض على ناصية السلطة .
فمحاولة استغلال مظاهر الإحتجاج على نتيجة الإنتخابات الرئاسية في الشارع الإيراني ،والممارسات التخريبيّة التي مارستها "قِلَّة" ،أخذت العدالة على عاتقها البتّ في تحديد المسؤوليّة عن افتعالها ،لا يحتاج لبرهانها متابع ،ومع ذلك فإنَّ إحالة المسؤولية عن الأحداث وإلقائها على الآخرالمُغرِض (العدوّ الخارجي ، شيطان أكبركان ،أوأصغر،أومن ضعاف النفوس الذين يسهل شراؤهم بأساليب شتّى ....) لايمكن الركون إلى جديّة وحدانيّة خطابها ،بل يمكن قبولها ( مسؤولية الآخر المغرض ) عاملاً تدخليّاً مساهماً في إذكاء جملة أسباب ولادة الأزمة ،وربّما توقيتها ،دون قبولٍ وبالمطلق ،بمسؤولية هذا ( الآخر المغرض ) عن خلق تلك الأسباب أواختلاقها ،والتي تكمن أساساً في تراكمات ثلاثين سنة من عمر الثورة الإسلاميّة في إيران ،فتلك الثورة التغييرية الكبرى ،بل والجذرية حتى ليجوز وصفها بالـ "انقلابيّة"بحقّ ،تماماً كالثورات الكبرى :البلشفية السوفيتية ،والصينية الشيوعية ،قد وصلت إلى استحقاقات عبر تسلم الحكم والمسؤوليّة في " ايران ـ الدولة والمجتمع "،لابُدَّ من الإجابة عليها بطريقة عمليّة ،فالذين وُلدوا عند انتصار الثورة عام ١٩٧٩ يدخلون إلى رحاب العقد الثالث من عمرهم ، هؤلاء لم يعانوا حكم الشاه (محمد رضا بهلوي) ،ولا جهاز السافاك ،وما يعرفونه عن ذلك الماضي قد يكون مشوشاً بالكثير من مفاهيم الدعاوى المضادّة !! وعلى كلٍّ فهو ماضي أو منه ،ثم إنَّ الثورة الإسلامية في إيران قد مرّت بامتحانات ،بعضها بل جلُّها محن حقيقية ،فحرب "الإحتواء المزدوج"العراقيّة ـ الإيرانيّة !! ولسنواتٍ ثمانيّة طوال ،جعلت الكثيرمن مسلمات ايديولوجية الثورة موضع تساؤلٍ ومراجعة ،وأيقظت من تناقضات الماضي أسوأ أطيافها ،والأشد سواداً من صفحاتها ،طبعاً بجهدٍ مبرمجٍ ومدروس من فرق (الغرف السوداء )إياها ،اليقظة دائماً في سهرها على تطويرسيرورات استراتيجياتها ،التي يفوح ـ أبداً ودائماً ـ من تكتيكات وضعها في التطبيق رائحة النفط والبارود والكثيرمن دماء الشعوب ،فضلاً عن تعرية وانكشاف الكثيرمن الأدوات ـ الأدوار .
ثُمَّ إنَّ الزخم الثوري للمرحلة الخمينيّة قد خفَّ وهجه مع الزمن ،وتلك طبيعة الأمور ،خاصة في ميادين العواطف وعواصف الإنفعالات ،التي تخلي مكانها تدريجيّاً وبهدوء لعقلانيّةٍ تعرف أنَّ مكانها محفوظ رغم علو الموجة ،و تبخترزائل الزبد،ربّما بدأ ذلك منذ نهاية الحرب ـ المؤامرة (وعلى إيران والعراق سواء بسواء) عام ٩٨٨ بتوقيع المرجع آية الله ،روح الله الخميني على وقف الحرب ،وخاصة غياب الحضور الكاريزمي له كقائدٍ للثورة المنتصرة ،بوفاته بعد ذلك بعام ،
ثُمَّ إنّ إيران الخارجة من الحرب ،وبكليتها :سلطة ونظام ،دولة ومجتمع ،وجدت نفسها جريح حرب مزمنة ،يحتاج إلى الوقت لإلتئام الجرح ،ونقاهة الجسد ،فرصة لم تتمكن أبداً من اقتناصها بسبب عداوة البعيد وتربص القريب ،وتغيُّر الموازين الدوليّة كلها بانهيار الإمبراطورية السوفيتية ،ومحاولة الولايات المتحدة ـ الشيطان الأكبر حسب توصيفات الثورة الإسلامية ـ السيطرة على القرار الكوني . كلّ ذلك صحيح وأكثر ، لكنّه لا يصلح بحالٍ لتفسير الكيفية التي تجعل من نتيجة انتخابات رئاسيّة ،وإنْ مُختلف على نزاهتها ،مناسبة لانكشاف نظام ،بل وانقسام ذات النظام على نفسه إلى أجنحة متصارعة ،فالمرشحون الأربعة أبناء شرعيون للنظام ،بل الأبناء الشرعيون له وبامتياز، وأفتاهم هو الرئيس محمود أحمدي نجاد ،فأين التفسير أو محاولته بأضعف الإيمان ؟!!
1ــ المرشحون الأربعة من أعمدة النظام ،حملة أيديولوجيته الإسلامية ،وإنْ باجتهادات متفاوته ،إلا أنها لاتفرط بالأسس الجامعة للتوجهات الكلية وأهدافها ،ومع ذلك فالكليات لاتكفي وتبقى في التفاصيل علة الأشياء ومنها أنَّ الرئيس (نجاد) هو الأكثر تصلباً ايديولوجياً ،والأكثرانفتاحاً اصلاحياً على الصعيد الإقتصادي ،رغم أنّه آخر العنقود عمراً .
2ــ ايديولوجيا الثورة الإسلاميّة الإيرانيّة مازالت لها ذات المفاهيم السمات والشعارات الثوابت ،منذ ما قبل انتصارها ،وحتى ما بعد استلامها الحكم ،وإلى ساعتنا ،رغم أنّ سياسات الجمهورية الإسلامية الإيرانيّة ـ لا سياسة الجمهورية الإسلامية الإيرانيّة ـ تتصف بالكثيرمن البراغماتية ،الناجحة نعم ،خاصة على الصعيد الخارجي ،ولكنها براغماتية ،ثابتها الوحيد متغيرها المتطور ونفسها الطويل ،مما يجعل محاولة المزاوجة بين الإيديولوجيا ـ الثوابت والسياسات ـ المتغيِّر ،كأساس وبناء عليه ،عملاً مُربكاً أحياناً ،يحتاج للكثير من التحليل والتعليل وربّما التبرير أيضاً !
3ــ الصف الأول في السلطة ينتمي لذات النادي الذي لم يتجدد ،اللهم إلاّ جزئياً بوافده الجديد نسبيّاً :الرئيس (نجاد) وبعض رعيله ،وتبقى السيطرة على مفاصل النظام بيد مجالس تسيطر عليها ،بالأغلب الأعم ،ذات الوجوه منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانيّة ،مما يجعل الأجيال المولودة بعد قيامها (الجمهورية) في حالة بطالة فاعلية في ما خصَّ الشأن العام ،وهامشية قرارية في المسار المجتمعي والتطور الإجتماعي ،بل والأدهى أنها تجد نفسها مطالبة بالإنتماء الثوري المستعد للتضحية بالنفس ،في الوقت الذي لايُعترَف لها بنضجها ،وتُبقى في موقع الأصغر الذي لم يعش لحظة بركات انتصار الثورة ،في تكرارٍ لسابقةٍ :علاقة الصحابة مع التّابعين ،مع أنّه لا فضل لأحدٍ في ساعة مولده ،إنّه تقدير قادرٍ وفضل عليٍّ عليم .
4ــ الأجيال الشابّة لها مطالبها المشروعة ،والمتجددة في عصر اختلف فيه كل شيء ،خاصة في العقد الحالي ،بما شهده من ثورة حقيقية في المعلوماتية وميادين الإتصالات ،وتطور ،بل تغيّر معنى بعض المصطلحات ،كمصطلح : أمّي ومفهوم الأميّة بكل تشعباتها ،وولادة مفاهيم ومصطلحات جديدة : كالعولمة والمواطن العالمي أوالكوني ،وما لحق بها من غسل أدمغة 7/7 و24/24 ،وبوسائل القصف الميديوي فوق ـ الحديث والموجه ،مسفِّهاً كل مفهوم انتماءٍ خاص ،وكل تميّز،محملاً إياه كل الشرور ،في عملية كذبٍ منظم ،وتزويرٍ مدروس ممنهج ،ممكن التصدي لها ( وسائل القصف الميديوي) ؟!! : نعم ،لكنْ ليس بسهولة ولا باستسهال ،وحتماً ليس بشتم الظلام ،أو بالإحتماء الخائب بأساليب الظلامية وإغلاق النوافذ على ضوء الشمس وشعاع القمر.
5ــ نجحت الثورة الإسلامية في إيران بإرساء نظامها ،وهذا بيِّن جليّ ،لكنها لم تنجزبلورة الهوية المواطنية كمجتمع ،فبقي الفرد الإيراني في ضبابية انتماءٍ إلى الإيديولوجي الإسلامي الأشمل والوطني الإيراني المدولن ،لم ينجز الأول بحكم ظروف موضوعيّة مفهومة ،ولايستطيع الإنكفاء إلى الثاني بضرورة الإلتزام بالأول ،فضلاً عن ضغوط المتغيِّرات السابقة الذكروالتي تدهمه .
6ــ إنَّ الظروف التي يعانيها الإنسان الإيراني ،والتي يشاركه فيها السواد الأعظم من شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية ،من مجتمع شابّ ،مختلّ التوزيع بين مدينة وأرياف ،مع عدم توازن بين قطاعات الإقتصاد ،واقتصاد ريعيٍ طاقوي ،خاضعٍ لتقلبات الأسواق الخارجية ،وأزمات معيشة ،وسكن،وبطالة ،وسوق عمل لاتمتلك دينامية استيعاب كل الطاقات المتناميّة سنوياً طلباً لفرصتها المشروعة ،وفوق ذلك حصار غربي شبه تام ،وسياسة استنفار مبررة ،بل ضرورية ومحقة ،كل ذلك يجعل الأعصاب مشدودة والنفوس متوترة ،والآراء تحتمل الإجتهادات ،حتى المتضاربة ،المتناقضة ،ولكنها ـ ولابحالٍ ـ تحتمل التصادم والصراع ،في مجتمع فسيفسائي التكوين بأساسه ،في ساعة كثر فيها اللاعبون !!!
وإذاً : لايمكن بحال أنْ تهمِّش أكثرية الثلثين أقليّة الثلث الثالث ،أقليّة تتجاوز الملايين العشرة من الكتلة الناخبة ،وتمثِّل على الأرض ثلث الأمّة الإيرانيّة ،فالتسوية هي الحل ،والحوار هو الطريق ،واحترام المؤسسات هو الضمانة .
وليتذكرالجميع أنَّ إيران بلد بترولي ،وجاره العراق دفع غالياً ضريبة ثروته ،ومازال وإلى مدىً غيرمحسوم ،وأنه علاوة على ذلك مطل على بحر قزوين ومخزونه النفطي ،ويتشارك الحدود مع مناطق ملتهبة ساخنة ،ويقع جيوبوليتيكياً على "درب الحرير"،الذي يبدأ شرقاً من التيبت وأواسط الصين ، "درب الحرير"ويالها من تسمية !! إنّه درب الجلجلة والآلام ، وإلى القسم الثاني مع الوضع المستجد في الصين حيث يبتدئُ "درب الحرير"...........
الاثنين، 23 فبراير 2009
العلاقات السورية ـ التركية والأمن القومي العربي
بقلم : د. منير القوي
في حلقات ثلاث سابقة على موقع (مركز المعطيات والدراسات الإستراتيجيّة) ،تناولت بشيءٍ من التفصيل العلاقات السوريّة ـ التركيّة ،من منظور رؤيةٍ :لا تأخذها استراتيجيةٌ تقفز فوق الوقائع ،ولا براغماتية تلغي حوادث التاريخ ،ولكن من واقعيّةٍ حياتيّةٍ ،لا تعدم المستقبل لحساب ما أصبح اجتراره إعاقةً ثأريّةٍ ،لإمكانيّة انسجام تطلعيٍّ ،يرتكز على حقائق الجيوبوليتك ،نحو بناءٍ يحقق مصلحة أمتنا في امتلاك أسباب القوة : وأولها: عدم هدر طاقاتها في معارك سيِّئة التوقيت ،جانبيّة وعبثيّة (معركة البوابة الشرقيّة :شاهدها البائس، ومثالها الغبيّ) 0وثانيها: التزام صواب الرؤية في تحديد العدوّ ، ولا عدوّ لأمة العرب ،يتقدّم عدوانيّة وشراسةٍ ،واستهدافاً على الكيان الصهيونيّ الغاصب ، والذي أصمَّ تابعوا سيّده الأمريكي ،وشركاؤه ،مغتصبوا شرعيّة أمّة العرب ،الآذان عن نداء الرئيس العربي (بشّـار حافظ الأسـد) ،بل صرخته أنّ هذا الكيان: (إرهابيّ) ،وهو كذلك ،ولم يكن غير ذلك ،ولن يكون إلاّ ذلك ، ولكنْ كيف يشهد شريك القاتل على الجريمة ؟! فكيف إذا تعدّى الشراكة إلى التحريض ؟! بل وتوسل الإجهاز على الضحيّة ؟! أوليس ذلك ما قاله مدلل (شرم الشيخ) : أولمرت ؟!! وأكّدته ( السّت :حسب أبي الغيط ،ويقصد الإرهابيّة : ليفني) من على منبر بوابة قصر الرئاسة المصريّة ؟!!بكلّ البساطة : للكيان الصهيوني صهاينته من حكّام النظام الإقليمي (اللاعربي) ـ السايكسبيكوي ـ البلفوري ،وذلك قديمٌ قدم نكبة العرب في فلسطين، بل منذ طور الإعداد لها ،وللنظام السعودي قصب السبق ،وإن بدأ بعض التّبع سباقاً أعرجاً معه، في اثبات الولاء للسيّد المتعاقب ،الإنكليزي بالأمس ،والأمريكي اليوم ، فهل سيسمح لهم متابعة أشواط الخيانة مع سيّد الغد ؟ !! أشك بذلك ،فجماهير أمّة العرب قالت كلمتها بعنوان : ( غزّة العزّة ) ،وقبلها :( لبنان المقاوم المنتصر)، نعم قررت الجماهير العربيّة الحرّة : أنّها سيّدة الغد ،فلا مكان للتُّبَّع ، ولا للخنّع ،ولا (لأنصاف الرجال )، فكيف وهم شرّاك إجرامٍ صهيونيّ ،وسدنة حصار مقاوم غزّة ،وأعداء جماهير الأحرار ؟ !! بل وسرقة قوتهم ومستقبل أطفالهم ؟ !!واليوم :حين ينتفض رئيس الوزراء التركيّ ،السيّد ( رجب طيّب أردوغان ) على همجيّة عصابة القتلة في الكيان لإرهابي الصهيوني الغاصب ،لا يجب فهم ذلك بتبسيط بدويٍّ بدائي،ولا بتسخيفٍ مفهوميٍّ ثأريّ ،أو بنرجسيةِ ذاتٍ متضخمة أعرابيّة ،بل بموقف رجل دولة مسؤول ، يرفض لغة الحكّام التُّبَّع ،الذين يبررون عدوان عصابة صهيون ،ويشرعنون جرائمها ،تبريراً للاشرعيتهم المغتصِبة للشرعيّة القوميّة لأمّة العرب ، نعم هذا الـ (أردوغان) ليس شريكاً في النظام اللاشرعي الغاصب للشرعيّة في وطن أمّة العرب ، هذا النظام الإقليمي (اللاعربي) ـ السايكسبيكوي ـ البلفوري ـ الصهيوني ـ الكامب ديفيدي ـ الوادي عرباوي ـ الأوسلوي ، الذي يرفع العقيرة بالخطر الإيراني ،ويرى الأمن القومي العربي متحققاً بالأساطيل الأمريكيّة ، بالإحتلال الأمريكي ـ الصهيوني ، بل ويشرعن الإغتصاب والإحتلال، ويشرحه بوقاحة صفيق موظّف ، وعلى لسان حاكم مصر،الحارس لمعبر رفح ،بأوامر صهيو ـ أمريكية 0هذا الـ (أردوغان (الذي يقول: لا يمكن السكوت عمن صمتوا إزاء ما حدث في غزة.. و يجب ان تأخذ حماس مكانها على الساحة الديمقراطية الفلسطينية) ،هل يمكن أنْ يرتقي التّبّع ،رغم جلالاتهم ،وفخاماتهم ،إلى بعض قامته ؟ بل إلى بعض البعض منها ؟ حتى لا أُضطّر إلى مجانبة الأدب ،ولو أنَّ حذاء (منتظر الزيدي) سما بقدر الأحذية إلى المقام البوشي، الذي يدين له بالتبجيل (أنصاف الرجال) ممن يعرفهم الجميع .إنّ الأمن القومي العربيّ ،ليس شعاراً ،ولا صراخاً، ولا أمن عروش وكراسي ،مغتصِبة مقلقلة ،وليس دفتر شيكات تفوح منها رائحة النفط المسروق ،إنّه تحييد العدوّ إنْ لم يمكن إلغاؤه ،ومصادقة المحايد إنْ أمكن اكتسابه ،ومعايشة الحقائق بلا محاولة تزويرها. رؤية استراتيجية عقلانية اتبعتها السياسة السورية جعلت من التحالف الاستراتيجي التركي ـ الصهيوني وثيقة في ذمة التاريخ ، ومن الجار التركي عمقاً جيوستراتيجياً لشمال الوطن العربي يمتد إلى أوروبا الوسطى وجبال القوقاز ، إلى آسيا الوسطى وبحر قزوين.بتلك الروحية المستلهمة لأهداف أمة العرب وأمنها القومي استطاع الرئيس العربي ( بشار حافظ الأسد ) أن يستمر في رفع راية الموقف المقاوم والصمود الممانع وتأكيد حقيقة تاريخية : ( ماذهب بالقوة لا يسترد بغير القوة ) .فهل فهم التّبّع المنصاعون ؟!.أم ضُرب على قلوبهم بالأسداد ؟!. فما فهموا يوماً... ولن يفهموا أبداً ... تلك عادتهم الذميمة ، وديدنهم الذليل ... فهم في حمأة الخطيئة سادرون.
شام برس
الاثنين، 26 يناير 2009
رسائل زيارة العماد ميشيل عون إلى سورية
بقلم : الدكتور منير القوي
ببساطة المسلمة في علوم الهندسة:"أن الخط المستقيم" هو الأقصر بين نقطتين "وجدت بيروت دربها إلى دمشق بكل بوح الصدق في ابتسام بركة موسم ، طال انتظار المؤمنين بغني غلاله على بيادر الأمل الواعد ، دائما، لمحكوم بآت الغد ، والغد لا بد آت :
جاءت زيارة العماد "ميشيل عون" إلى سورية، إقرار ثابت ، منطق حقيقة ، وتجديدعمادة لأزلية وجود ، حضاري العطاء ، لواقع جيوبوليتيكي، أشبه بالمعطى ،لا خيار لأهله في حقيقة تحققه ،بكل انسجاماته وتناقضاته، وخصوماته،لاخيار لهم فيه ، إلا بمقدار خيارهم في ولادتهم على تلك البقعة من أرض الله الواسعة... فأي خيار حين يكون "أنت أو أنت"؟!
هكذا زيارة العماد لسورية ، رافد لتاريخ حي ، واندماج في اتساقية السياق لمسار حقائق خصيب الأفعال إلى سيروراتها المنجبة الولود:
وعليه فكل ما شذ عن مسار تلك السيرورات انتهى ، وينتهي إلى عقمه: نهاية كل خروج عن حقائق الاشياء وطبائع مسلماتها.
تلك الزيارة الممتازة في تميزها ، رغم طبيعيتها ، الشجاعة في روحيتها ، رغم عاديتها بين الأهل ، المقدامة في مبادرتها ، رغم عفوية مرجعيتها، حين للرجولة نسبتها ، تلك الزيارة تصلح دعوة ومثالا لأبناء أمة العرب:
دعوة ومثالا:
1-لمحاولة حل كل الخصومات والتباينات في "البيت العربي "،قبل تداعي الدعائم والبوادر منذرة ،وامحاء الزوايا والنفوس حائرة محيرة ، فقد انكشفت الأغطية ، وسقطت معظم السقوف.
2-لإعادة تحديد مفردات الخطاب العربي ، الرسمي والشعبي ، وحتى إعادة دراستها ، بنية عصرنة تعريفها ، بعد طوال خلط واختلاط ، وأوهام وهوامية ، تنذر بتكريس خروج من لغة العصر ، لابل فعّال العالم ، قبل الخروج من لغة القاموس العربي ، ولسان ضادها المبين.
3-للعودة إلى الذات التي ضمرت بهجرها وازدرائها ، إلى الضمير الذي أضطرب ، أو كاد يغيب بضمورها ، وتكريس الاستهانة بها إلى المراجعة بلا تراجع ، إلى الاعتراف بلا اتضاع ولا مكابرة ، إلى نقد الذاتي بمرونة وتواضع ، بلا عقد الذنب ومشاعر الدونية ، بلا نرجسية الاحاسيس ،وعوائق مركبات الغرور .كفانا يا عرب ... كفانا ...نعم كفانا و يكفي وكفى فبين الأهل والأخوة (كما ترددون) :
لاعداوة إلا لمن عادى أمته ، بخيانة الثوابت القومية والأسس الوجودية ، واعتدى في المفاصل المصيرية ، التي هي محط اتفاق جامع ، وقرار منطق قاطع مانع ، أما الباقي فوجهات نظر ، تختلف أو تتفق ، أو حتى تتناقض ، وقد تختصم في خصومات متواجهة ، ربما هي الحد الأعلى في التعبير عن اختلاف الآراء ، في ذروة شحنة انفعالاتها ، وهذا يجوز وجائز ، تقره العقلانية ويدعمه المنطق ، مثالا وواقعا ، فأولئك هم البشر وتلك هي علاقاتهم .أما أن تبالغ في الانفعالات في انحرافها إلى الضد الهدام ، وتنفلت من انسانيتها إلى منابع الغرائز البدائية، في آلية تدمير ذاتي عدوانية التعبير وانتحارية ، فذلك لا يكون بين أهل وأشقاء ،و لا بين أناس متحضرين ، بل بين " الأنا الموجود" " والآخر النافي ".بين" الآهل والأخوة" كما( تقولون ) ، لا مكان " للآخر النافي " لا مكان لذاك الإقصائي الاستئصالي ، العدواني ، المدمر !!بين الأهل والأخوة : في مجتمع التعاضد ، في الشعب المتجانس ،وiلأمة المنشودة ، يتموضع ال " أنا الفرد" تفاعليا مع " أنا الجماعة" ، وعلى كل المستويات العلائقية ، حتى في التناقض ، وهو طبيعي وصحي ، أما حين تتصادم ال "أنوات الجمعية " – والآخر النافي في عددها – فالعلاقة تصبح خارج كينونة سيرورتها ، وخارج الطابع العلائقي بين الاهل والأشقاء، والشعب والآمة ...إنها تدخل حلقة الانتحار وتلاشي الذات ، في تلك الحلقة المعيبة العبثية ، والعدمية : تصبح الأصوات ضجيجا ، والمنطق لغوا ، والحماسة تهويشا ، والحمية لؤما ، والدعوات ادعاء وافتراء ، يصبح التاريخ محنطا والمرجعية ذريعة وتبريرا،يصبح الالتزام استرقاقا واستزلاما ،والرجال خدما ومطية !!!
فكم كان الأسف عميقا ، والفرح في زفته جريحا ، ومحطات بعض " الميديا اللبنانية " الموظفة ترفع عقيرتها بالردح والشتم ، والتهويش والتشويه ، بسفاهة السفيه، وبذاءة السوقي .كم هو مؤسف سماع أصوات تتعامل مع التاريخ بغرضية المفتري ، وذمة شاهد الزور ، مستخفة بالعقول برخص وهبل ، وبلغة مجانبة للصدق والمصداقية،يصوغ الزور ضجيجها ، ويحبك لكنتها التزوير ،يشحن مفرداتها الحقد ، وتلوك ألسنتها المرارة وهي تفضح سقوط رهانات ، وخيبة صغير التطلعات !!
نعم كان مؤسفا ومستهجنا أن يخرج نائب في البرلمان اللبناني ، ومن أركان اتفاق " الدوحة" ،أن يخرج بكلام ، أقل ما يقال فيه : ،أنه لا مسؤول ولا عقلاني ، كيدي وحقود ، مع أنه لو وصف بالتزوير لاستحقه ، وبالتجني لما نال ما يستحقه ، لكن حين يصبح الحقد ناطقا ، وهزيمة الرهان الهزيل واقعا وحقيقة لا يصبح مستغربا سماع النشاز في تقاسيم الموتورين !!كم هو مؤسف ومخيب خائب أن يصدر عن السيد النائب " بطرس حرب" ماصدر!!! أن يصدر عن "رجل قانون "يدعيه ، طالما مدح فيه الاتزان(؟!!!) بل وروهن عليه ذات أمس قريب ، مرشحا جديا لرئاسة الجمهورية اللبنانية !!!أن يصل (رجل القانون) المثقف كما يفترض ، والقارئ للتاريخ ، لاكما يتصور ، إلى " أسرلة " السيد المسيح! قاتلا التاريخه لحساب اللحظة الحقود، والثابت – الأساس على مذبح العارض المريض المتحول!!!، فسورية مهد المسيحية ، قاعدة انطلاقتها حارسة حي أوابدها ، وشمس إشعاع أنوار محيتها ، بكل ماتحمله تلك ال" سورية بكل تبدلات خرائطها " من تاريخ -قيمة ، وحياة –حضارة، تتساوى عند السيد النائب "حرب –رجل القانون "بمرتكبي مجازر "قانا"و"دير ياسين" و"غزة"!!!تتساوى عند "النائب المتزن –المرشح الجدي لرئاسة لبنان "بعصابات قاتلي الأطفال الصهاينة ، ببقرة بطون الحوامل ، بالعنصريين القتلة ، الذين لم يعرف التاريخ مثيلا لغلو عنصريتهم ، ولطويل باع اجرامهم ودمويتهم !!!
مؤسف ومحزن ، مخزي وجنائي ما أتيته يا "رجل القانون "ففلسطين (جنوب سوريا أو سوريا الجنوبية ، تاريخيا –حضاريا ) شطبتها و أقررت كيان غاصبها ،زورت التاريخ و"أسرلت "السيد المسيح!!!وأقررت أيها النائب في كرسيه البرلماني ،قفزت مستهترا بموقف بلد أنت نائب في مؤسسته التشريعية !!! التي يفترض أنها الحارسة على دستوره وسيادته وسياساته ومعاهدته ؟، فلا أعرف أن بين لبنان والكيان الصهيوني "اعترافا رسميا متبادل" بل عدوان مستمر ، ومجازر، وخرق سيادة (طبعا من قبل ذلك الكيان ، وبحق لبنان) ، وأن ما بين الإثنين ، إن هو إلا أمر واقع ، لا يختلف في توصيفه عن ذلك الذي للجريمة " تامة الأركان ":
قاتل وضحية, شكاوى مظلوم, ومحاضر الأحزان !! وما زلت في لبنان (نائب يا رجل القانون؟!! فهل في المؤسسة التشريعية مثلك كثيرون؟!! وأعجبي !!! يبدو أننا لم ننته من اتفاق 17/أيار/1983 ، ويبدو أن صفحته لا تزال مفتوحة بك وبأمثالك ،أن له عرابيه وحوارييه ، أزلامه ومترجيه, فعليه يتأسفون ،لإحيائه يعملون ،وبأمله يعيشون ، لتوجيهات "عوكر"ومن خلف "عوكر"ينقادون ،ولسقوط مشاريع الهيمنة لا يعون ،ولاهم لعبر التجارب يصدقون ؟!!! وحتى لو كانت "بيت لحم" مهد المسيح ،فسوريا هي مهد المسيحية بامتياز.
فإجرامي هذا الهجوم على"خيار" العماد "عون" بلغة الرهانات الساقطة .هستيري هذا التعامل معه بمنطق "محاكم التفتيش" وجعله "المرتد"!! وهو- والله- المنسجم في مواقفه ومسيرته ، دون ادعاء عصمة له ، أو إسباغ كمال القديسين على شخصه.هذا الرجل الذي يصر على وطنيته بطريقته ، وافقته أو اختلفت معه ،ما الذي جناه حين يرى الحقيقة في أحد وجوهها؟
*أن التاريخ حي فينا ... لا محض آثار وأوابد ، أن المسيحية مشرقية الجذور والمفاهيم ،لا موضة مستوردة ، ولا دبابات معربدة ،ولا صليبية ملعونة وخاصة ليست مشاريع مفروضة، مشبوهة ومهددة؟!!
*أن لبنان "حتى الكياني "من نسيج هذا المشرق العربي، رسالة حضارة ومحبة وبوتقة تعايش ، ليس قاعدة، ولا جسرا ، ولا "وكرا " ، وليس (قطعة سما على أرض ) ، مع حبنا للكبير "وديع الصافي " فلبنان حقيقة معاشه ، لا اسطورة ، ولا خرافة ؟!!
*ما الذي جناه ، وهل جانب الحقيقة حين يقول : أن اللبنانية من تللك الأرض ونبتتها ، إنسانها أصيل ، وليس "جالية مستوردة "؟!!
*أين الخطل في رؤيته التاريخ حيا ، والمسيحية مؤسسة ، والمارونية مطورة مجتهدة ، في مهدها السوري الحي، من "أنطاكيا " إلى "جبل سمعان" إلى " أفاميا " و"شيزر" إلى " كفر طاب" إلى قبر "مار مارون"ب"براد" في منطقة حلب إلى جرود "جبيل " و" وادي قنوبين "؟!!
*أين جانب هذا الرجل حقائق التاريخ الناطق أثناء زيارته ، حين عانق حقيقته الحية فينا، نحن أهل سورية ، لا بخارطة "سايكس بيكو " وعتلات متفرعاتها ، بل بعراقة " سورية التاريخ" و عطاءاتها بين "سيناء الطور "في الجنوب ، و"أنطاكية " في الشمال ، مسارات أهلها، وبناء إهداءاتها؟!!
هذا الرجل " الرسالي"بالمعلن من قناعته : من "صيدنايا " و" معلولا " و"دمشق" "وحلب" ، وفي كل محطة من زيارته ، جسد الفهم الحواري لتاريخ أمة عريقة ، أكبر من جراحها ، عصية على عوامل الانقراض ، على كوابيس الفتنة ، ومعاول هدم انقلاب المرتدين ، قدم ألوانها انسجام طبيعة ، وفسيفساء اختلافاتها غنى ، ونبع خصب ، فهل هو خطاء من الخاطئين ؟!!
قدم التسامح شيمه مسيحية ، والصفح خلة عروبية ، والمسيحية المؤسسة في هذا المشرق درعا وسيف انتماء ، فهل يكون مرتدا ، أو هداما ، من شلة "باعة المواقف" في أسواق تجارة السياسة ، ومتلوني الوجوه في أسواق النخاسين ، أو من ناثري الأرز على الصهاينة الغازيين؟!!لفد كان لزيارة العماد "عون"والتفاعل الرسمي والشعبي معها رسائل لمن يقرأ ويعقل ، وحتى لمشوشي العقل من الشراذم الضالة:
1 -إلى لبنان :
كيف يعيش شعب الجمهورية العربية السورية ، وفيه كل مكونات الفسيفساء اللبنانية ، بانسجام المواطنية ، وهارمونية الانتماء، في نبذ ونزع لألغام التفرقة والنزاع والمحاصصة الطائفية المقيتة المعيقة ، كيف يذوب الثانوي لصالح الأساسي ، حين الوطن ومصالحه في الميزان كيف كل عربي سوري "كبوشي" المعتقد والقناعة ، فكله مسلم لله في أمره، وكل بطريقته ، فالدين لله والوطن للجميع، منذ خرج العثماني من دمشق العروبة .
ببساطة: قدم مثل إلغاء الطائفية السياسية التي طالما نادى به، لصالح دولة المواطن في لبنان ، قدمه واقعا حيا معاشا مطبقا في سورية العرب ... فلماذا لايكون في لبنان ؟!!! نعم قدم المثل العربي السوري ... راهن على الزمن وإنسان تلك المنطقة .
2-إلى سورية:
شكرا للحاضنة والحارسة ، والقلعة المقيمة للمسيحية, كما العروبة ، في حاضرها الغنّي ، و ماضيها التليد ، و في مشروع العروبة الحضارية المبدعة و روح مشرقها العربي الاصيل .أنّ الإقصائية ، و التكفيرية ، و الظلامية الهّدامة ، لا مكان لها في سورية أبداً و لن يكون لها ، ففي سورية خلقت هذه الفسيفساء الجميلة ، لوحة تعكس روح أمّة و مسار حضارة ، و ليس لمخرب أبداً حتى محاولة العبث بمكون من جمال ما أبدعته الروح السورية ،فكل الصليبية و ايديولوجياتها ، قديمها و الحديث ، لم تصل إلى إصابة روح المسيحية بلوثة ، بل لفظت الروح المسيحية المشرقية ، كل زبد ، حاول أو يحاول المنحرفون إلصاقه بنقاء أصالتها ، من مشاريع ارتهان ، و رهاناتها ، من تغريب مفتعل بيد بعض أدواتها ، باظهار أن المسيحيين في الشرق مهددون، و أنّ خلاصهم على يد مشاريع الهيمنة و دعوات هجرتها ، و تطبيقات تهجيرها ، و يستخدم الظلاميّون في هدّام الهدف ،بشراكة "يهوذا الاسخريوطي " في مسيرة المسيحية ، لكنّ الفشل لهم المآل ، فمسيحيوا المشرق العربي ليسوا بــ " جالية مستوردة " بل لبنة - أساس في هذا المشرق ، و لبنان ليس جغرافية ملحقة بلاصق مصطنع ، و أهله، و خاصة من المسيحيين ، ليسوا " جالية بيضاء " في " روديسيا " أو عصابات كيان مغتصب لفلسطين ... و سيخسأ المرجفون التبع بما يخرصون .
3 – إلى الكيان الغاصب في فلسطين :
أنّ العداوة لا مكان لها بين أهل البيت الواحد ... نختلف نعم ... نتخاصم نعم.... لكننا جميعاً نعرف من هو العدوّ ، و الموقف " العوني " في الخندق المقاوم أثناء العدوان الصهيوني على لبنان في تموز – آب 2006 ، شاهد و قرينة و ثبات التزام.
4 - إلى العرب و خاصة لأهلنا في فلسطين :
أنّ التمسك بالحق العربي في فلسطين ، و خاصة حقّ العودة هو ثابت قوميّ ، و ايمان وجداني ، لكل العرب ... في سورية و لبنان ... و في كل بقعة عربية ، و أنّ التمثيل الشرعي و الوحيد للشعب الفلسطيني أمانة ،وكالة ، يحكمها الوفاء بشروطها ، و الوفاء بالتزاماتها ، و أنّ أمّة العرب التي أقرت التمثيل تستطيع في كل لحظة استرجاع الأمانة من يد المساوم ، فلا تفريط... و لا تواطؤ... فالممثل وكيل، و الموكّل له إبطال الوكالة في كل لحظة يشاء... فليفهم المساومون على حقّ العودة ... سواء في فلسطين من "أوسلويين"،أو أعراب تبّّع يؤمرون فيطيعون .
5- إلى كل هذا العالم :
الذي تحركه مصالحه ،و توازنات قوىً لا تدوم ،أنّ الدخول على الخطوط الضبابية والاستضعاف ،و اللعب على التناقضات الثانوية ،و سياسات الخانعين ،على الخلافات الانفعالية ،كل ذلك لا مستقبل له و لا دوام ،وأنّ القرارات المستصدرة لإرهابنا ،و المسماة ب"الدولية" وسائل تنتهي بمواسمها ،و تبلى بسقوط ذرائعها.
فهل فهم الرسائل هذا البعض الضّال في شراذم ال"14 شباطيين" فيسرع إلى التوبة عن غيّ و خطيئة رهان؟!
أم أنّ من ارتهن ،سقط في الضلالة ،فلا التوبة يعرفون ،رغم أنهم يرددون و "يجعجعون" أنهم "مسلمون و مسيحيّون"؟!!هل ضَرب على قلوبهم بالأسداد ،وعلت الغشاوة منهم العيون؟!!
إنّ الشعب الذي رأوه ،عفوياً، في الترحيب بالعماد "عون" في كل محطة سوريّة من زيارته ،سيحاسبهم إن لم يرعووا، فإن لم يفيقوا على التوبة ،مآلهم ساعة حساب شعبٍ ،وعلى وقعها سيستفيقون.
ألاساء رهط لا يقرؤون ، و إن قرؤوا لايفهمون ،و إن فهموا لايعتبرون و لايعقلون.منقلب السقوط مآلهم ، فهم فيه منقلبون بما يرتكبون، ألا بئس ماهم يصنعون .
شام برس
تعليقات حول الموضوع
the General
09:04:58 , 2008/12/17 mike
the only hope for the lebanon people god pless and protect this man he and naserullah and arsalan
بعد زمان
17:55:32 , 2008/12/17 فهمان
وين كل هالغطة إلنا زمان ما سمعنا حسك يا منير يا قوي..
شام برس
تعليقات حول الموضوع
the General
09:04:58 , 2008/12/17 mike
the only hope for the lebanon people god pless and protect this man he and naserullah and arsalan
بعد زمان
17:55:32 , 2008/12/17 فهمان
وين كل هالغطة إلنا زمان ما سمعنا حسك يا منير يا قوي..
الأحد، 19 أكتوبر 2008
وقفة حوار مع د.دريد درغام.. في إطار موسع قليلاً وبمقارنةٍ مع أقلامٍ أصحابُها في موقع المسؤولية الإقتصادية وربّما في موقع القرار(القسم الرابع)..
(القسم الرابع)..
بقلم : د. منير القــوي
أتابع الحوار مع الدكتور (دريد درغام) محاولاً الإجابة على بعض أسئلته ـ التساؤلات ،بقدر استطاعتي ،ومن متابعة تداعيات الأزمة النقدية ،بحكم وجودي على ضفة الأطلسي الشرقية ،حيث كان للرئيس الدوري للإتحاد الأوروبي ،الرئيس الفرنسي ( نيكولا ساركوزي ) مبادرته المبكّرة ،وتنظيم الإجتماعات الثنائية ،والرباعية ،والعامة لأقطاب (منطقة الأورو) زائداً بريطانيا ،في محاولات الخروج بحلول ـ وصفات لفرملة كرة الأزمة المالية المتدحرجة ،كبلدوزر بلا مكابح ،بدأ أمريكيّاً ،وتمدد قاريّاً ليأخذ طابع العالمية ،في شبكة نظام ماليٍّ معولم مؤمرك ،ممسوك ،حتى ساعته ،بتوأمي "مؤسستي بريتون وودز":( البنك وصندوق النقد الدوليين ) ،وبأنظمة منظمة التجارة الحرّة (العالمية) ،وبالدولار ـ الدكتاتور ، وبمبدأ التبادل الحرّ ، المقدس ليبرالياً ،دون ادِّعاء كماليّة الرّد ،بل بابتعادٍ عنها ،يتساوى عكسيّاً مع ادِّعاء مالك الحقيقة ،من برج عليائه المقلوب ، وتجنباً للوقوع في المونولوج ،ومناجاة الذات ،بل والإستغراق فيها ،سأسمح لنفسي بطرح التساؤل ،ونقله إلى صيغة السؤال المباشر للكاتب ،أمام كل عجز في التلقي ،وسبحان الكامل ذو الجلال .
اليوم والإجتماعات الأوروبية اكتمل انعقادها ،وبانت بعض مقرراتها ،وطبقت قراراتها بضخ مئات مليارات الدولاراب ، بل أكثر ( المانيا :450 مليار أورو ، فرنسا 360 مليار أورو ،بريطانيا: 200 مليار استرليني ،إيطاليا :مبلغا مشابه ، وبقيّة دول منطقة الأورو ،والتي ضخت في شرايين النظام المصرفي العالمي ما يزيد على ضعف المبالغ التي ضختها الولايات المتحدة الأمريكية ) ،بالإضافة إلى تدخل الدولة التي أسرع إليها الجميع ،بالتأميم ،والضمانات للودائع ،وللإقتراض بين البنوك ... إلخ ... يكمل الرئيس الفرنسي ،السيّد ساركوزي ، الرئيس الدوري للإتحاد الأوروبي ،حركته الدينامية المعروفة ، فيدعو إلى اتفاقية أوروبية ـ كندية ،مستبقاً اجتماعات الفرانكوفونية ،التي رأسها في ( مونريال،العاصمة الكيبيكيّة) في (كندا ) ،والتي دعا أنْ تتجاوز بعدها الثقافي ،إلى تشكيل منظومة سياسية ، وبالتالي اقتصادية ـ سياسية ، لها دورها في صياغة السياسات العالمية ،ومنها الإقتصادية ،
مع سؤالين لا يجانبهما المنطق ، مع أنّ رائحة ( الرشوة) تفوح من وجبتهما ( الملغومة) :
فقد تساءل الرئيس ســاركوزي ،وسأل ،أمام مؤتمر الفرانكوفونية :
1ـ كيف يمكن تصور " مجلس أمن دولي " يقوم على حفظ السلام العالمي ،وليس فيه عضو دائم أفريقي أو آسيوي ؟ والسؤال هل هو جادّ ؟
أمْ يستغبي الآخرين ؟ أمْ يحرج الأعضاء الأربعة الباقين ،أصحاب حق "الفيتو" في مجلس الأمن بظهوره المدافع عن عدالة عالمية جديدة يجب أنْ تولد على أنقاض عدالة متهالكة بتراء منذ ولادتها ،مع منظمة أمم متحدة ،أداة لتنفيذ سياسات ومصالح المنتصرين ،في أعقاب الحرب الإمبريالية الثانية (الحرب العالمية الثانية)؟
2ـ كيف يمكن صياغة سياسات "عالمية"!! اقتصادية وماليّة ، بغياب عمالقة اقتصاد صاعد كالصين ، الهند ، روسيا ، النمور الآسيويين ، جنوب أفريقيا ... إلخ ....... ؟!!
أيّاً كان الهدف ،فهو اعتراف بإفلاس أخلاقي قبل كل شيء ، وبخلل بنيوي أساسي بالتالي ،لنظام عالمي ،لا عادل ،ولا إنساني ،وصل إلى مرحلة التوحش الديناصورية المنبعثة تغوليّاً ،بغريزية بدائية الوحش ، وتقنيّة الكومبيوتر ، فأيّ وحش خرافيّ مُهجَّن ؟ !!
وأيَّ كائن اسطوريٍّ مؤتمت ؟!! إنّه بحقٍّ (فرانكشتَيّن) الذي تخيّلوه ، لكنّه واقع معاش بكل أسف .
وبوصول الرئيس الفرنسي ،السيّد ساركوزي ، الرئيس الدوري للإتحاد الأوروبي ،إلى (كامب ديفيد) ،واجتماعه بالسيّد (بوش) الرئيس الأمريكي ،والبدء بطرح شعار (الرأسمالية الديمقراطية !!) من فم الرئيس (ج .و.بوش ) ،مُعدّلاً الشعار الساركوزي (الرأسمالية الإجتماعية الرسالية !! ) ،//مما سيكون لنا معه وقفة في مقال مستقّل ،وربّما أكثر من مقال ،مع الإيديولوجية أو الإيديولوجيات الجديدة وصراعها المأزوم ، عقمها ،تبريريتها ،تناقضها ،وتناقضيتها،وخديعيتها ،والمصير المحتوم // .
وبعد استعراض تبسيطي لتطورات المساعي للجم تداعيات ومفاعيل الأزمة المالية العالمية ، ومؤشرات التعثّر ، بين البورصات المتأرجة ، والمغلقة غالباً على انخفاض ،لتفتح على ريبة وترقب واهثزاز ثقة ، وعودة التلاعب بأسعار المواد الأولية والتسعير وسياسة سلاح الدولار ،في ذات لعبة تصدير أزمة"" رأسمالية المركز المهيمِن ""المعروفة ، إلى عنق الحلقة الأضعف ، الاقتصاديات الريعيّة للبلدان الطرفيّة التابعة ،المنهوبة ،والمعدة بنيوياً اقتصاديّاً ، وجيوسياسياً بالخاصة ،للعب دور الإسفنجة الممتصة ، و"خرقة " التنظيف ،أو ببساطة "" الممسحة "" لا لأرض السيِّد وقصره فقط ، بل ولحذائه أيضاً ،وربّما لما هو ألعن في دورات مياهه المعطرة !! .
نعم يا دكتور دريد درغام ، هذا هو ( أثر السياسات الأمريكية على الدول النامية) ،فهل تستطيع تلك الدول ،ومنها سورية بالطبع ، حماية نفسها ، ولو جزئيّاً ، من آثار أزمة المال العالميّة ،وما يبدو في الأفق من ركود اقتصادي عالمي ،بدأت بوادره ،أولاً على النشاط الصناعي في المركز الأسمالي ، صناعة السيارات مثلاً ؟ !!
وكيف ؟!!
وبامكانيات جدّ متواضعة ،نسبيّاً ، لبلد بحجم سورية اقتصادياً وماليّاً ؟ !!
فمع كل الإتفاق على تشخيصك في فقرة( ملامح الوضع السوري ) من مقالتك ،وكل التوقعات الإفتراضية الواقعية ،أجدني جدُّ متشائماً ، ومتسائلاً عن واقعية اقتراحاتك وتوصياتك ـ الحلول ،أو تصوراتها ،في فقرة ( توقعات ء أسئلة أجوبة؟ و توصيات ) من مقالتك ، تسأل أوتتساءل :
3ـــ ( لماذا قبلنا بسهولة تبرير رفع أسعار المواد الغذائية والأولية والصناعية بسبب ارتفاع أسعار النفط؟) ؟!!
ــ ( لماذا لا نطرح الآن التساؤلات المتعلقة بعدم تخفيض الأسعار مع انخفاض أسعار النفط؟ ) ؟ !!
ــ لتصل بعد تحليل تقني إلى السؤال :(ويبقى السؤال الدائم ما هو الحل؟) ؟!!
ورغم المحاولة الطموحة للإجابة ،والتي تختلف الآراء حولها من (تكبيل الأسواق والمؤسسات المالية وإعطاء السلطة المطلقة للمصرف المركزي أو لأية جهة مركزية رقابية أخرى ) ،وقطعيّة ردِّك النافي ،وهذا اجتهادك وحقّك ،والذي خالفته كليّاً ،قرارات المركز المالي الرأسمالي المقرِّر ،صاحب الأزمة والمتصدي لحلّها ،بالرقابة الصارمة للخزانات المركزية ،بالتأميم حتى (بريطانيا!!التتشرية اقتصاديّاً) ،وبالضمانات المفتوحة بلا سقف لصناديق الإستثمار والإئتمان ( المانيا ،اقتصاد السوق الإجتماعي ) .....إلخ ...... يبقى في منتهى التواضع والإيجابية الحوارية قولك ـ الدعوة :
( وفي جميع الأحوال تبقى مختلف النقاط الواردة في هذا المقال مجرد تحريض لمزيد من الحوارات من أجل بلورة نظام وإيقاع اقتصادي أكثر عقلانية وأكثر إنسانية. خاصة وأن الضوابط التي وضعت على الدول النامية لم تكن كافية لضبط فلتان الدول المتقدمة.) .
سأختصر قولي ""اللاجواب"" ،على الأسئلة ـ التساؤلات للدكتور درغام ،بسؤاله :
من المؤهل أكثر ـ افتراضيّاً ـ للإجابة ؟
أليس هو ،ومن مثله ،في موقع مسؤولية القرار المالي والإقتصادي ؟ !!
بالتأكيد لديّ رأي ـ محاولة إجابة ، ولكنْ في فمي ماء ،كما يقال ، وماء علقم ،يبقى في الحلق ،لا يبتلع ،مع سياسات الفريق الإقتصادي الحكوميّ العجيب ،"" فريق الكراريس الهالكة ،والوصفات الفاشلة المؤذية ،والمصرِّ ،على شعار :( لا أرى ، لا أسمع ) ،وليت ذلك فقط ، بل و ( لا أفهم ) أيضاً .و
أخيراً :
وبكل الإحترام ،سأترك للدكتور ( دريد درغام ) ،الإجابة على أسئلته ـ التساؤلات في نهاية مقاله ، وعلى الصعيدين : العالمي والمحلي ، وإنْ كانت الإجابات متضمنة ،وبوضوح في صيغة السؤال وطريقة طرحه ، وهذا يثبت وجهة نظري ، أنّه الأجدر بالإجابة : فببساطة هو في مطبخ القرار ، وأدرى بمفردات محتوياته ، وإنْ أجاب فمن موقع العارف المطّلع ، ومن موقع المسؤول ، أمّا أنا ،فمن موقع المحلِّل ،اللاحق الحدث ، لا صانعه ، فضلاً عن أنّه : "" في فمي ماء "" !!!
لكنَّ نقطة أساسيّة تستوقف ، وأظن أنَّ في التوجه إليها ،بوضعها الحالي ،هو من نوع البناء على الرمال :بالذات في الفقرة ( ب) :(الاستفادة من الفرص النادرة الناجمة عن هذه الأزمة من حيث:) من (على الصعيد المحلي:) :
1(. استخدام الظروف الحالية من أجل شرح أكثر وضوحاً لمختلف دول العالم التي لم تكن تفهم وجهة نظر سورية في مواجهة العقوبات والحصار الاقتصادي. والتأكيد على أن ما نشهده حالياً هو الحليف الأكبر لنا عند تنشيط الإعلام والندوات والملحقين التجاريين في مختلف سفاراتنا للتأكيد على أن الحوار هو الأساس والخيار الأفضل لحل جميع المشاكل. ) :
مشروع وضروري (شرح أكثر وضوحاً لمختلف دول العالم التي لم تكن تفهم وجهة نظر سورية في مواجهة العقوبات والحصار الاقتصادي.)،أمّا الوسيلة التي طالبتها بالقيام بتلك المهمة ،فهو البناء على الرمال :
1 ــ فالإعلام الرسمي لدينا ،خاصة ،ينوء بأسباب عجزه ، لغة الستينات ، ويقنيّة الإيديولوجيا ، والحديث إلى الذات ، وفي أحسن الأحوال لأصحاب ذات الرأي ،بنوع من جزميّة الرأي وقطع كل إمكانية حوار ، ببساطةٍ ،لغة إعلام شعبويٍّ تعبويّ ،قد تصلح لحشد قطيع ايديولوجي يقيني ، ولكن بالقطع لا تنفع لغة حوارٍ مع مختلفٍ ، فكيف بمخالف ؟ !!
2ـ أمّا تعويلك على (الملحقين التجاريين في مختلف سفاراتنا ) ، فهنا أطمئنك أنك لا تبني على الرمال فقط ، بل تحرث البحر أو تبلِّطه لا فرق ، إذْ يبدو لي ، أيها المثالي التنظيري ، وهذا من باب التقييم ، مع واجب الإحترام الأكيد ، أنك لا تعرف حال معظم سفاراتنا ، على الأقل أنا أعرف حال سفارتنا في فرنسا ، وليس سرّاً حين أقول :
حالها لا تفرح محِبّ ، بسفير أو بلا سفير ، مع أمنيتي بتغيّر الأحوال مستقبلاً ، ولستُ متفائل كثيراً ، لكنْ علَّ وعسى ؟!!!
3ـ أمّا الطموح بـ ( القدرة على شراء مشاريع ) في مختلف أنحاء العالم ،(بما يضمن لسورية تواجد وانتشار عالمي ) ،فطموح امبراطوري أراه ،لاعقلاني بالمطلق :هذا أولاً ،
وثانياً :ألا ترى فعلاً ماحصل مع الأزمة المالية الحالية ؟!:أنَّ الذي دفع الثمن هي :الشركات والمصارف والمؤسسات المالية الصغيرة أو المتوسطة ،وصغار المستثمرين ،وهو سبب انهيار أسعارها ، لا انخفاضه فقط ، إلى حدّ اعتبارك ذلك فرصة لشرائها ?!!
يا دكتور دريد ، مهما كان سمك الزينة جميل يغري ،يبقى طعام السمك الأقوى ، فكيف بالحيتان ؟
بالله عليك ،هلاّ أخبرتني بأية ضمانات ستدخل سورية ،في سوق الإستثمارات هذا ،في ظلّ آليات السوق الحالية ،وأزمة احتضاره ،لا المالية فقط ، ولا الآتي فقط من ركود اقتصادي ، أشرتَ بحقٍّ إليه ، بل بالسقوط المدوي لثقافته وايديولوجيته النيوليبرالية ، وفشل ما يتصورونه من حلول "ترقيعية" لنظام رأسماليٍّ ،لا يعترف أباطرته بعيبه البنيوي ،ويصرُّون على أنّه "خطأ في التطبيق" ، في لغة ريائيّة منافقة مزدوجة ، وكأن الأمس قد محوه من الذاكرة ، فسقوط المنظومة الإشتراكية ،شهادة انتصار ليبراليتهم ،لم يقبلوه" فشلاً في التطبيق "، بل لتدخليّة الدولة ، واقتصادها الموجه ، وللفكر الإشتراكي بمجمله ، العمل مع هؤلاء لصوص مسلحين ،أليس مغامرة ، إنْ لم يكن الجنون بعينه ؟ !!
3ـ طلبك الحق على ( التأكيد في المنابر الدولية على أهمية إيجاد رؤية نظام عالمي مالي واقتصادي جديد أكثر عدلاً ) ،هو المنطق السليم بعينه ، ولكن أين هي تلك المنابر الدولية ، والإقتصادية خاصة :
آـ منظمة الأمم المتحدة ، ووكالاتها المتخصصة ؟!
الكل يعرف من يسيطر عليها ، ويستثمرها ، ويوجّه سياساتها : الولايات المتحدة الأمريكية ، وبلا منازع حتى الآن .
ب ـ المنظمات الإقليمية ؟!
الكل يعرف حالة المشلول المزمن " جامعة الدول العربية "
ـ منظمة المؤتمر الإسلامي ؟!! لاتعليق .
ج ـ تبقى منظمة دول الجنوب :
وهي شعار ،وربّما صرخة احتضار ،ففسيفساء تكوين بنيتها المأمول ،لا متجانس ، بل وكاريكاتوري :
ــ فمعظم دولها رخوي البنية الإقتصادية ،مدين، تابع ورهين القرار السياسي ، وأصحاب الخزائن الريعية اللامدينة ، معروف أين مربطهم ، لا مربط فرسهم ، فلا خيول لديهم ،حتى لسوسها أو سياستها .
ــ أعمدة دول الجنوب ،متصارعة متناقضة :
* ـ البرازيل مثلاً : تطور من الذرة ،محصولها الزراعي الضخم ، (الآكروكاربون) ،كبديل للنفط ،وفي حربٍ عليه ، يتوافق كليّاً مع سياسات الهيمنة الأمريكية ، رغم مناداة نظامها السياسي بالإيديولوجيا الإشتراكية ، ولكنّها المصلحة الوطنية والبراغماتيّة السياسية .
*ـ الهند : تبرم مع الولايات المتحدة عقود الذرة للأغراض السلمية ،لإنتاج الطاقة !! الممنوعة عن إيران ، بحجة ديمقراطية الهند ، وتيوقراطية إيران (؟!!!) .
*ـ الصين : يحكم موقفها ، ضخامة استثماراتها في السوق المريكية ( ترليون دولار)، وفلكيّ احتياطيِّها من الدولار ( قرابة 2 ترليون) ، وخطط نموّها ،ومعدلاته ،وخطط تحوّلها إلى اقتصاد السوق .
* ـ النمور الآسيوية ، لا تختلف عن الحال الصينية ، مع "رشة" انضباط إضافية بالسياسات الأمريكية .
ج ـ العلاقة بالدول الإستقلالية الرؤية ،نسبياً، كعلاقتنا بالجار التركي ،تبقى منطقية ومبشرة ( معاينة سلسلة مقالاتي :العلاقات السورية ـ التركية والأمن القومي العربي ،على موقع "مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية بدمشق" <dascsyria@gmail.com>) ،وكعلاقاتنا مع جمهورية ايران الإسلامية ، التي تحارب بسيف (المؤسسة الدولية للطاقة الذرية) ، المسيّرة من الباب إلى المحراب بالسياسات الأمريكية ـ الصهيونية ،وتحاول ذات السياسة التدخلية الهمايونية ، جرَّ سورية زوراً وعنوة إلى ذات الموقع باتهامات لا أساس لها ، والمخجل المشين ، أنّ مسوّق الإتهامات هو المعتدي الصهيوني النووي السلاح ، والذي "تفهمّ" العالم ،العادل جداً ،"" عدوانه !!،ودوافعه المفهومة !!""على منشأة عسكرية سورية قيد الإنشاء ، وكفّنها ببعثة تفتيشه الذريّة ، يالخجل الحقّ والمنطق !! هذا هو العالم الذي تريد الإستثمار فيه ، وفي إطار شرعيته ،وغابته ، يا دكتور دريد (؟!!) .
إنْ لم يخرج هذا العالم من أزمته الحالية بتعددية قطبية ، وعلى كل الصعد ، ومنها الإقتصادية ، ستبقى البشرية ، كل البشرية ، وإن بتفاوت الدرجة ، ضحية اللاعدالة ،واللامساواة، والإحتيالية ، والعدوانية ،والنهب المنظم ، وشريعة قاطع الطريق ، وستبقى كل دعوة للدخول في مغارة لصوصيته ، وشريعة غابته ، مقامرة ، ومغامرة حمقاء ، والتاريخ غنيّ بالدروس ، ومعلم لمن يفهم ويعتبِر ، لا من يقرأ فقط ، ويمشي بنظرية ( مشوار جينا عالدني مشوار ) ، جميلة أغنية فيروز الرائعة ، ولكن للعشّاق الحالمين ، لا لرجال المال والإقتصاد ، أم أنني مخطئ ؟ !!
الأربعاء، 15 أكتوبر 2008
مقال اقتصادي: أيّها العمل ـ البقرة ، وأنت (رأس المال) ،أيّها العَلَق : بقلم: د.منير القـوي
مقال اقتصادي:
ليس بيننا من لا يعرف ( البقرة )،ولكنْ هل كلّنا يعرف علاقتها بـ (العلق )؟ وقبل ذلك هل كلّنا يعرف هذا (العلق )؟!!
ليس بيننا من لا يعرف ( البقرة )،ولكنْ هل كلّنا يعرف علاقتها بـ (العلق )؟ وقبل ذلك هل كلّنا يعرف هذا (العلق )؟!!
إنّه طفيليّ يعيش على امتصاص دم البقرة ،ومن صفاته أنّه النهمٌ بلا حدود ،لا يوقِف امتصاصه إلاّ انفجارُه ،بما يعجزجلده ـ الغلاف ـ الخزّان عن استيعاب المزيد من الدم (المشفوط) ،والمشكلة معه وفيه ،أنَّه أداة إعادة إنتاجه ،تترافق بنيوياً مع مسيرة سلوكه الآلي الإنتحاري المحتوم ، فلا هو ينتهي بانفجاره ،ولا تملك البقرة له دفعاً ،فإلى متى ؟
لعّل ديناميّة الصورة أعلاه تقترب من علاقة العمل ـ رأس المال ( البقرة ـ العلق ) ،فالجهد الخلاّق الإنساني ،"المضاف" للمادة الطبيعية البكر،هو الذي يحيلها إلى (قيمة استعمالٍ ـ سلعة )،تساوي قيمة الجهد المحوِّل لها من مادة خامٍ لا قيمة لها بذاتها ( قبل تسعيرها الرأسمالي طبعاً) ،إلى قيمةٍ نافعة لصاحب الجهد المنتج ،
ولكنْ ولخصائص في الكائن البشري ،(الإنسان ذلك المجهول ـ حسب كاريل) ،ليس مجهولاً فقط بيولوجياً ،رغم العلوم وتقدمها،بل الأهم بسيكولوجياً ،حيث معرِفتَه مصادَرة بالإيديولوجيا من كل صنف ،وأهمها اعتقاده المطلق !! بتفوقه ،وتميُّزه عن ،وعلى الطبيعة ومركبّاتها ، وهو مِن ،وفي عدادها !!.
اعتقاده الجمعي هذا ،وهو ايديولوجيّ بيِِّن :
بإنزاله إلى السوية الفردية أنتج سلوكية تنافسةٍ هدفها ( التَسَيُّد والهيمنة ) بكل أسمائهما ،وبكل الأدوات ،فيزيائية كانت أم فكرية ،وبترجمته على السوية الجمعيّة :
أنتج الأيديولوجيات ""التفوُّقية ـ العنصرية """ وكلّ ايديولوجيّةٍ : تفوُّقية ـ عنصرية ،بل وعدوانية المبدأ والمعتقد ،حتى المساواتية المطلقة منها ،بادِّعائها تلك الصفة الأخلاقية ،ظاهرياً ،واحتكارها لها حصريّاً ،في تنكّرٍ نفييٍّ للامتفق معها ،لا تشذُّ عن القاعدة ـ التعريف ،فهي نرجسيّة متثبّتة الليبيدية ،عصابيّة كماليّة الهدفيّة ،معظِّمة الذّات بعقدة التفوُّقيَّة الخلاصيّة ،حاصرةٌ إيجابية القيمة بالعنصر المؤمن بها ،فهي عنصرية ذهنية ،وعصبويّة أداتيَّة قمعيّة ،موكلة لمعتنقها التبشير الرساليِّ بها ،وبكل متاح ،فعدوانية توسعيّة هي ،ومحاربة أيضاً وإقصائيّة .
والرأسمالية منذ بدائية تشكّلها الجنيني ،وحتى نسختها الحديثة ،النيوـ ليبرالية ،تقدّم المثل : مساراً وتطوُّرا ، أدواتاً وهدف ،لكنّها لا تحمل أبداً من تمثيلٍ ـ للإنسان مبتدعها إلاّ مجهوله ،منذ محاولته الأولى في بحثه عن الأبديّة ـ جلجامش الميزوبوتاني ـ ، بمقابل الموت ـ المصير المحتوم ،فهل خالق الأيديولوجية جشع بطبعه ؟
هل هو منحرف سلوكيّاً منذ إدراكه لأناه ،وتمييز ذاته عن ،وفي القطيع ؟
أم هو كائن احتمائيّ يحاول تدعيم دفاعات وجوده المهدد بالأخطار ؟ : الفناء ،الجوع ،القهر،الطبيعة العمياء ،اعتباطية انفلاتاتها الهوجاء المدمرة ،وسطوة المفترس من وحوشها ؟
هل الإنسان الإجتماعيُّ مُعطى كما يقال ؟
أم سلوكٌ مكتسبٌ تراكميٌّ يعطي /شخصيته ـ القناع / ملامحها ،لا مورفولوجياً فقط محكوم بـ (د.ن.ا) المورِّثة ،بل وحضوراً ديناميّاً ،يكرّسه فعلاً سلوكياً ـ موقف ، أي ببساطة "" كائن ايديولوجي "" ؟
هل الإنسان ،المادّة الذكيّة (خاصّيته ،كما الحرارة خاصٌية اللهب ) ،تتلمذ سلوكياً على عادات الوحوش المفترسة في تناهشها الفريسة ،فروّض يومي حياته نمطيّاً على قياسها ،دجّنه الوحش المفترس ،"معلمه الأول" ،فحين بدأ يمارسُ التدجين بدوره ،استبطن الوحش ،تماهى به ،ليصبح هو ،فلا يُقِرُّ بفضلٍ يقلل من إطلاقية تميُّزه ،أو يجرح أناه النرجسيّة العطوب ؟
ولتأكيد تميُّزه وتفوُّقيته ، ابتدع فكرة الإدِّخار وآلياته ،أم تعلّمها من النّمل ،وكعادته نسبها إلى منجزاته ؟!
فهو السيِّد المُطاع ،حتى قبل أنْ يستخلفه الله في الأرض ،فمن يجرؤ على السيّد المطاع ؟!!
النظام الرأسمالي الذي رافق الشذوذ السلوكي للإنسان ،وتطوربالتلازم معه ،منذ لحظة ابتلائه بجرثومة " أناه"المتنامية ،الباحثة عن "فضائها الأنوي" ،بغريزيةٍ دفاع لإثبات الذات ،أمام الآخرالكليّ الساحق ،الأقوى بمنظومة هيمنتهِ "المُدجِّنة ـ المُدجَّنة"،والتي ساقت تلك الـ (أنا) الفردية المأزومة ،لابتداع أسلحة دفاعها ـ الحيلة ،لحفظ بقائها وفرض وجودها ،مستعملة خاصية ذكائها ،في تطويع المفاهيم ،واجتراح الأسانيد لتبرير سلوكها ،( سلاح الإيديولوجيا )،فالقتل جريمة ،ولكنه يصبح مبرراً دفاعاً عن النفس ،وبطولةً في سبيل الدفاع عن المقدس ،ومفهوماً في جرائم الشرف ، وحبُّ الذّات ،والأنانية ،والطاووسية نقائص خُلُقِيَّة ،ولكنها مطلوبة أمام مستهينٍ طمّاع ،متشاوف متسلِّط ،بل وتأخذ تسميات أخرى : فحبُّ الذات يصبح شعور بها ،وهو مشروع ومحبب ،والأنانية تصبح واجب صون الذّات المُهدَّدة ،والطاووسية تصبح كبرياء وشعور بالكرامة ... إلخ ... لذلك ليس غريباً أن يصبح النظام الرسمالي "الربحي الهدف" ،المرافق لهذا الإنسان الأيديولوجي ،في الطبعة الأخيرة "النيوـ ليبرالية " من أقدم أيديولوجيا ،رافقت السلوك المنحرف لولبياً تصاعدياً لشخصيّة الإنسان الأيديولوجي ،أي ببساطة المريض ,بتثبته الليبيدي عند المراحل الطفليّة المبكرة من التطور العاطفي الإنفعالي ،هذا النظام الرأسمالي في مرحلتنا لم يكن مستغرَباً أن يتطور إلى مضارب مقامر ،إلى جشع نهِم ،إلى مندفعٍ بلا كوابح ،إلى الربح الأعظم الممكن ،وبالسرعة القصوى المتاحة ،وليبدأ بتحديد أهدافه وأولوياتها ،فالمسرح مهيأٌ جاهز،وعدّة الشغل كاملة :
١ـ عولمة يُسبِّح الكون "بفضائلها" ،فالأرض قرية صغيرة بالتوصيف التكنولوجي المنتشي بثورته المعاصرة .
٢ ـ قطبية كونية ،أحادية مهيمِنة ،سياسياً وعسكريّاً ،تقبض على ناصية النظام الإقتصادي العالمي ، منذ إقامة هذا النظام ،والذي عماده التوأم الأدواتي : (البنك الدولي) و(صندوق النقد الدولي) ،والمعروفين بـ "مؤسستي بريتون وودز" ،المولودتين عام 1944 أثناء مؤتمر لزعماء العالم في (بريتون وودز) بولاية نيوهامبشير الأمريكية ،لوضع الاقتصاد الدولي على الطريق الصحيح !! بعد الحرب الإمبرياليّة الثانية ( الحرب العالمية الثانية ) .،وخاصةً على جهازه المالي ،بدولارها ،الملك المطلق ،منذ فكَّ الرئيس الأمريكي (ريتشارد نيكسون) ارتباطه بالذهب عام 1971 ،والمطاع بلا نقاش ،إنْ في كونه أداة التسعيرالعالمية المقبولة ،أوالتبادل المُقرّالمُقرِّر،أوكرصيدٍ احتياطي في خزائن دول العالم .
٣ـ اتفاقية التجارة الحرة ،قيد التطبيق ،بتبادلها الحر ،والحركية النقدية في عروق الشبكة المصرفية العالمية ،الممسوكة بكل الثقة والضبط من المركز النيويوركي ،بذرائع وشروحات شتى ،وكلها من لزوم ما لا يلزم ، فالملك لم يعد هو الملك ، بتبسيطٍ شديد : /الملك هوالأمريكي /،خاصة مع إدارة المحافظين الجدد ،منذ مطلع الألفية الثالثة .
إنَّ رأس المال ،وقد تطوّر من رأس المال/ فضل القيمة ـ الربحي التوسطي / ،إلى /الإنتاجي المشارك في عملية الإنتاج /في استثماره بإدخال (أداة الإنتاج اللا آدمية ) ،إلى / رأس المال النقدي / بتوسُّع التجارة تحت الشعار المعروف :( دعه يعمل ،دعه يمُرّ) ،إلى إعادة إنتاج ذاته "" نقداً"" ببنوكه الربويّة ،إلى توسع مقدرته بالسياسات الأمريكية التي اعتمدته سلاحاً ،منذ وضع الحرب الإمبرياليّة الثانية ( الحرب العالمية الثانية ) أوزارها ،في حربها المزدوجة :
ــ ضدّ القطب السوفيتي ،والتي عرفت بـ (الحرب الباردة) ،والتي لم تكن يوماً باردة ،مع التدخلية الأمريكية المباشرة ( كوريا ، فيتنام ،غرينلاند ،الصومال ،لبنان ...) أو غير المباشرة ،كالحروب بالوكالة ،أو بالتآمر والإنقلابات ،أو باعتماد منظمات مرتبطة على امتداد ساحات العالم ،ومنطقتنا بالخاصة ،شاهد مقيم .
ــ ضدّ ماعُرف بـ (الإستعمار القديم) ،لوراثته المتدرجة بـ (الإستعمار الجديد )،أي الأمريكي ،في تكريس لا لما هو واقع الحال فقط ،من أنَّ أوروبا الغربية أصبحت إحدى (محميّات "التاج الأمريكي") منذ (مشروع مارشال) في أعقاب (الحرب الإمبرياليّة الثانية ـ الحرب العالمية الثانية ) ،بل إلحاقها النهائي بالمشروع الأمريكي كـ (تابع) ،مطبِّقاً عليها ( نظام الحماية والوصاية ـ عصبة الأمم ) ،ذات الدرس الذي مارسته علي الشعوب المستعمَرة ـ المستدمَرة ،بين الحربين الإمبرياليتين (المعروفتين بالعالميتن ،الأولى والثانية ) .
وصولاً إلى رأس المال المتغول ،بكل الصفات ،التي لم يعد يخفيها أصحابه ،ولا يتحرّجون منها :
فرأس المال المتغول هذا ،أصبح مضارباً ، نصّاباً ، لصّاً ، بالمختصر :( رأس مال احتيالي ) مضيفاً تلك الصفة إلى صفتي : جبنه ولا وطنيته التاريخيين ،انظر مقالنا :(السذج فقط يفاجؤون : حين يضيف قاطع الطريق صفة النصّاب إلى سجله !!.. على موقع شامبريس ،تاريخ 04/10/2008 ) وكذلك مقالنا (صندوق النقد الدولي والعولمة .. على ذات الموقع ،تاريخ 08/08/2008 ،على الرابط : mail@champress.com) .
هذا الرأس المال بأوصافه العصرية ،أصبح نجم نوادي القمار العملاقة ( البورصات العالمية ) ولص صناديق الإدخار والتقاعد ،والرساميل ،ريعية المصدر غالباً ،والمنهوبة من ثروات الأمم المحيطية ،وحتى شعوب المركز الرأسمالي دخلت في هدفية تغوّله بقضم قوتها الشرائية .
فما هي الأهداف التي وضعها رأس المال الإحتيالي وأبطاله ،وعلى رأسهم الشركة الأمريكية (الإدارة الأمريكية بمحافظيها الجدد ـ الشركة العملاقة منفلتة الشراهة بلا جنسيّة ) ،ليبدأ الإحتيال الممنهج لسحب السيولة من أسواق العالم إلى جيوب الوحش الخرافي (أسماك القرش ـ الغيلان) ،ملوك رأس المال الإحتيالي ،وبلا تردّدٍ توجهوا إلى بداية السلسلة ،وعلى محورين :
ــ المادة الأولية ،وبخاصة مصادرالطّاقة ،وعلى رأسها البترول ،دم الآلة الصناعية العصريّة ،وغذاء البقرة الأزلية ـ قوة العمل ،في إعادة تسعيرٍ (قمارية ـ مضاربية) ،وكلنا يتذكّر التراشق التكاذبي ـ الإتهامي بين منظمة الـ (أوبك) وملوك المضاربين ،أو ممثليهم ،الأمر الذي طار بارتفاع الأسعار للمواد الإستهلاكية ،إلى قضم القوة الشرائية للمستهك في المجتمعات المتقدمة ،وقاد حتى في المركز الأمريكي إلى العجز عن سداد القروض العقارية ،الملغومة العقود "قصداً" : دراسةً ،وفائدةً متحركةً ،وشروط رهنيّة ،إذا ليس معقولاً أنْ تجتمع ،عفوياً، كل تلك العيوب في عقد واحد مع مقترِضٍ ساذج ،مغسول الدماغ بآلة الميديا ،لثقافة استهلاكية هادفة .
أمّا في المجتمعات الطرفية الرخوية الإقتصاديّات ،فقد أوصلها ارتفاع الأسعار الجنوني إلى انفجار الأزمات الإجتماعية وانتفاضات الجوع ،وبداية العنف ،بل وجرائم ( رغيف العيش ) في الطوابير على الأفران ( الحالة المصرية ،صاحب وصفات صندوق النقد الدولي ،منذ حوالي 35 سنة ) .
ــ المحور الثاني على وثيق الترابط بالإوّل ،لإحكام اللعبة الإحتيالية لرأس المال النصّاب المضارب الـ ........ ألا وهو استهدافه مصادرالمواد الغذائية : قمح ، ذرة ،أرز، إلخ .... بالمضاربة عليه وزعزعة أسواقه ، لا بالأسعار المضاربية فقط ، بل بإشاعة اللجوء إليه كطاقة بديلة للبترول ( وقود آكروبيولوجي نظيف ) في محاولة لرفع أسعاره للحدّ الأقصى ،واستعماله سلاحاً ضدّ بعض منتجي البترول اللامتعاونين ،أو المشاغبين على آلية السوق المقدسة نيوـ ليبرالياً : ( روسيا ،إيران ،فنزويلا ،وأنظمة أمريكا الوسطى المعارضة للهيمنة الأمريكية ....... ) ، وألفت النظر إلى الدراسة العميقة للمفكر الإنساني الكوبي ( فيدل كاسترو) ،الرئيس الكوبي السابق "ماغيرو" والذي كان الأول الذي لفت النظر إلى جريمة الرأسمالية الجديدة ،في سحبها اللقمة من فم أبناء العالم المحيطي ،وتركهم ضحايا تنامي المجاعات ،بالإستعمال الجشع للذرة ،في إنتاج طاقة بديلة للبترول ( وقود آكروبيولوجي نظيف ).
الآن ومتابعة اللعبة تستمر ،بنقل ميدانها إلى "محاولة الحل الإحتيالي "للأزمة المالية الحاليّة ،بالإجراء ات العاجلة ،وبالقبول بتدخل الدولة بآليات السوق "المقدسة" ،المرفوض ليبرالياً بـ "المبدأ" ؟!،والمُسرَع إليه " ببراغماتيةٍ احتيالية ملتوية " (مراجعة مقالنا :إفلاس الإيديولوجية الليبرالية . على هذا الموقع ،تاريخ :05/10/2008 )، والتي تهدف إلى :
1ـ تخليص المؤسسات المالية المنهارة من أعبائها ،بالإفلاس الإحتيالي في العمق ،وإجبار الخزائن المركزية إلى الإسراع لنجدتها ،خوف انهيار النظام المالي العالمي ،وهي ذات اللعبة التي تمارسها "الدولة الأمريكية" الفلكية المديونية مع بقيّة العالم ،ما أبلغ الشبه ، ولا غرابة ،فاللاعب واحد ، ولا حاجة لكبير ذكاءٍ لإدراك ذلك ،بل لبرهنته .
2ـ تحميل المستهلك ،ودافع الضريبة ،والمدَّخر ،والمستثمر الصغير ،وخاصة المجتمعات الطرفية ،وعلى الآجال : القصيرة والمتوسطة والطويلة العبء بحكم آليات الدولة المتدخلة إرادوياً ،لحل الأزمة المالية .
3ـ إقراض المؤسسات الماليّة المنقذَة ،من ذات رأس المال المضارب النصاب ،الذي مركز الكتلة النقدية ،في إعادة تحريك دورته ،بتوازن مقصود بين كتلة النقد الممركز وقنوات تسييله وسيولته ،في الشبكة المالية المعقدة للنظام الإقتصادي العالمي .
والسؤال الآن : غبار المعركة لم ينجل بعد ، ولكنّ المتابع يتساءل :
من ستكون الفريسة المقبلة للطفيلي العلقي الشره حتى انفجاره ، إنها البقرة ـ العمل، نعم ،ولكن أين تكون وكيف تكون ؟
مع وحش متغيِّر الشكل والوسيلة ، مع جوهره الدائم ،ولكن الصفيق والوقح ،اعتباراً من الآن ،
هل ستولد التعددية القطبية الإقتصادية ؟
أم أنها الثنائية القطبية الدائمة ،تعود إلى مربعها الصراعي الأول :ثنائية صراع مستغِلٍّ قاهر ـ مستغَلٍّ مقهور ؟
والتي ليست بحال من الأحوال ثنائية مَنَويّة . داسك سيريا
الاثنين، 13 أكتوبر 2008
وقفة حوار مع د.دريد درغام.. في إطار موسع قليلاً وبمقارنةٍ مع أقلامٍ أصحابُها في موقع المسؤولية الإقتصادية وربّما في موقع القرار(القسم الثالث).. بقلم :
بقلم : د. منير القــوي
اعترافاً بالفضل ،ورغم أنّي بعيد عن كل عمل وظيفي ،بل وعلى بعد آلاف الكيلومترات جغرافياً ،من وطني (سورية) ،ومدينتي الجميلة ( الدريكيش )،وحارتي المتواضعة الصغيرة ،التي هي حارة الدكتور (دريد درغام ) ،لكنّنا لا نعرف بعضنا شخصياً ،يمكن بسبب اغتراب كلينا ،كلّ في مهمّةٍ وهمّ ،ومع ذلك واعترافاً بالفضل ،كما أسلفت ،فكلّ الشكر للكاتب لما حرضه في أعماقي ،من حماسةٍ لحوار أحب ،وإتاحته فرصته بكرم (وفي جميع الأحوال تبقى مختلف النقاط الواردة في هذا المقال مجرد تحريض لمزيد من الحوارات من أجل بلورة نظام وإيقاع اقتصادي أكثر عقلانية وأكثر إنسانية.) كما هدف الكاتب بتواضع ونبل في ""قولٍ ـ أملٍ ـ خلاصة "" جعل وقفتي مع تواضعه وانفتاحه الحواري ،يمتدّ لأكثر من حلقة ،وذلك بحدِّ ذاته قيمة ، فقد سبق وقرأت مقالاتٍ مدرسيةٍ لبعض الكتابيين الإقتصادويين ،استوقفني الحزن أمام فقرها وبؤسها ،ولم تستوقفني لقيمة بذاتها ،والأنكى أنّ كتابها يتموضعون في موقع الأستذة المتعالية ،والتعليم الواثق ،ككل مرضى ادِّعاء امتلاك الحقيقة ،فما يقولونه أحكام قطعيّة مبرمة ، لا تقبل استئنافاً أو نقض ،فكيف باختلافٍ ونقد ؟!!
هل هي أزمة سيولة أم تفاقم جشع المتعاملين؟ يسأل الكاتب ،وللسؤال شقان :
هل هي أزمة سيولة ؟ بالتأكيد ،ولكنْ مفتعلة ، كيف ؟
إنّ مركزة الكتلة النقدية بيد المضارب ـ اللاعب ،كسدٍ على مجرى نهر ،أعاد توزيع الكم النقدي بين بحيرة السّد المتحركة في استطاعة خزنها ،وما تسمح به ،تحكُّما تقنياً محسوب ،لما تراه ضرورياً لاستمرار دوران توربين صيانتها ،وبالتالي بحثها عن مجالات أخرى ،ومصادر تغذي منها بحيرتها الدينامية الإستطاعة المتنامية تغوُّلياً ،متسلحة بنظام نقديٍّ معولم ،وبدولارٍ طليق منذ عام 1971،تاريخ قرار الرئيس الأمريكي ( ريتشارد نيكسون) فك ارتباط الدولار بالذهب ،وحرية تبادل منفلتة من (الرقابة التدخلية للدولة) ،التي اعتبرها الرئيس الأمريكي ( رونالد ريغن ) عام 1984 (كل المشكلة ) ، في إطار حربه المفتوحة على (امبراطورية الشرالسوفيتية ـ حسب وصفه ) التي تعتمدها (الرقابة التدخلية للدولة) أداة ضبطٍ وتحكّمٍ ،في النظام الإشتراكي الموجه ،أنذاك .
هل هي تفاقم جشع المتعاملين؟ بالتأكيد فذلك واضح ،بينا في الجواب على الشّق الأول ،طبيعة أحد طرفي التعامل :المضارب ـ اللاعب ـ المتغول بانفلات متوحش ،أمّا الطرف الثاني للتعامل : المقترض ،أكان فرداً أومؤسسة ،فبتّأكيد لا يمكن إخلاءه من مسوليته ،ولكنّي لا أتفق مع (الدكتور درغام ) في حكمه القاسي (وهؤلاء يستحقون العقاب الذي أصابهم) ببساطة لأسباب عدّة ،منها :
1 ـ الفرد الذي ربتّه منظومة المجتمع الإستهلاكي على قيمها ، هو انعكاس سلوكي لتلك القيّم ، فالربح السريع ،ومهن الفهلوة المربحة بضئيل الجهد ،والربح العالي في أنشطةٍ مشبوهة كمهن المافيا ،والوساطة ،والتهريب ،والتجارات المحرّمة ،سلاح ،مخدّرات ،وحتى أعضاء بشريّة نشطت أسواقها ،بيعاً طوعياً بدافع الحاجة أوالنهم الإستهلاكي ، أوسرقة واختطاف من عصابات ،ومشافً ،وزبائن مقتدرين ،في جهاز آلة ربحيّة ،جهنمية مجرمة ،شوهت شخصية الفرد ،وقتلت في ذهنيته مفهوم قيمة العمل ( العمل = قيمة ) خاصة بعد سقوط أنظمة الأيديولوجية المقدِّسة للعمل ،بانهيار الإتحاد السوفيتي ومنظومته .
2 - الطفولة المتنامية الإمتداد اقتصادياً ،خاصة في المجتمعات الكومبرادوريّة المتخلِّفة التابعة ،المفلسة تطورياً ،والفاشلة تنموياً ،بحكم التشوه الهيكلي البنيوي لدولها ،منذ فصّلها على المقاس ذات النظام الإمبريالي ،صاحب توأمي "مؤسستي بريتون وودز":( البنك وصندوق النقد الدوليين ) ،وارث الامبراطوريات القديمة للأبيض العنصري الإستعلائي المستعبِد ومنجزاتها ـ الجرائم ،ملك الدولار ـ الدكتاتور النقدي ،صاحب (العولمة )و(منظمة التجارة الحرة) أو"المنفلتة" و(التبادل الحرّ) " وحيد اتجاه المنفعة " ،تاجر الحروب ،موظف مآسيها ،لتغذية وحشه الرأسمالي المتغول ،ومحاولة التهام العراق ،شاهد ناطق ، وكلّ التبريرات والدعاوى لا تتعدى الكذب الوقح ،والأضاليل المفضوحة .
3ـ المجتمعات المأزومة ،وخللها المتفاوت النسبة ،وإن بدرجات لا متشابهة النوعية ،وبحلول متنوعة ،بين مجتمع متخلِّف ،أو متقدّم ، زراعي أو رعوي ،أوخليطٍ منهما ،صناعي أو خدمي إلخ ...حيث يلاحظ تفاقم البطالة ،وإغراق أسواق العمل بطالبيه ،وعجزها المتنامي ـ المركب عن التلبية ،ومعوقات تكوين الأسرة ،وانفجارمعظم المحقق منها،وتأخر سن الزواج ،وانخفاض معدلات الخصوبة والإنجاب في المجتمعات المصنعة ،وانفجارها في المجتمعات المتخلفة ،وظاهرة أبناء الشوارع ،وساكني الأرصفة وحتى المقابر،وأزمات الجوع ،والأمراض الإجتماعية ،والأوبئة ،وتهديد البيئة والتوازن الطبيعي ...إلخ..
4 ـ قوة آلة الميديا ،والدعاية ،والإعلان ،وغسيل الدماغ المنفعل بتلقيه قصفاً ثقافوياً موجهاً ،على مدار الساعة ،جاعلاً من الدماغ وعاء تلقٍّ ،لا مجال تفاعل وتفكير ،في إلغاءٍ متعمد لملكاته اللامرغوبة ،من النظام المهيمِن ،لإكمال تشييء الإنسان ،وإنجاز إلحاقه الناجح بآلة الإنتاج الرأسمالي عضوياً ،وبانتقائية النخّاس للعبد المؤهل ،حيث يرفض ابن المجتمعات المتخلفة الجائعة ،والتي عبّرعنها بتبسيطية كاريكاتورية العقيد القذافي في زيارته لباريس العام الماضي ،حيث أطلق تصريحه الشهير ،في مظاهرة "الزبالين" التي قادها في باريس ،حيث قال مخاطباً الغرب :( لاتريدون هؤلاء الجائعين ،حسناً، أعيدوا لهم ثرواتهم التي سرقتوها ،وإلاّ فلهم الحق في مشاركتكم ماهو حق لهم ،وليس من قوة في الدنيا تستطيع منعهم من القدوم إليكم ،فالجائع يبحث عن الطعام ،وأنتم سرقتوه ) ،تصريح أثار عواصف من الإستنكار ،خنقتها الصفقات التي وقعها مع الرئيس ساركوزي ،إنها قوة المصلحة ،ولغة البراغماتية التي انتصرت على العاصفة .ويأتي الدكتور درغام ليعاقب الضحية مرّة ثانية (وهؤلاء يستحقون العقاب الذي أصابهم) !! مما لا أتفق معه عليه أبداً ،ولا أقبله ، فضلاً عن تناقضه الصارخ مع قول الدكتور في ارادويته من الحوارات التي يدعوا إليها : (الحوارات من أجل بلورة نظام وإيقاع اقتصادي أكثر عقلانية وأكثر إنسانية.) ،فهل ذلك متسق ؟ !!
وهنالك ملاحظة كنت قد نوهتُ إليها في القسم السابق :(واستعمال بعض المصطلحات خارج سياقها الزمني ،أو في قسرٍ راجع ،ربّما سهواً ،لاستعمالها قبل ولادة مفهومها )، فمصطلح "الدول النامية" لم يُعرَف ،إلاّ في أعقاب الحرب الإمبريالية الثانية (الحرب العالميّة الثانية ) ،وبشكلٍ متدرِّج كرونولوجي للمصطلحات ، ظهر في بداية الأمر مصطلح " الدول المتخلفة " وقُصد بها الإشاره لما كان يُسمى" ماوراء البحار " واغلبها كانت خاضعة آنذاك للاستعمار الغربي ،ونتيجة للإنتقادات التي وُجهت لهذا المصطلح فقد تتابع توالي المصطلحات والتسميات مع أن المقصد منها واحد ،لكنها أختلفت في طابعها فبدت أقل حـدة وأكثر تقبلا .فظهر مصطلح " الدول الأقل تقدماً " ثم " الدول النامية " وقصد بها الدول ذات الأمكانات المحدوده وفيما بعد مصطلح " دول العالم الثالث "،مما وجدت لزاماً وأمانة الإشارة إليه ،أمام استعمال الدكتور درغام له في فترة بين الحربين الإمبرياليين ،الأولى والثانية :(رغم كون أزمة الكساد الكبير عام 1929 هي الأشنع في التاريخ إلا أنها اقتصرت بمساوئها ونتائجها المدمرة على الدول المتقدمة بشكل أساسي، وبقيت الدول النامية شبه معزولة عن الهزات العنيفة لتلك الأزمة. فمعظم تلك الدول كان من الدول الزراعية التي تعتمد على الاكتفاء الذاتي من محاصيلها. أما الدول النامية التي تأثرت فكانت تلك المعتمدة على التجارة أو تلك المعتمدة على تصدير المواد الخام والأولية.)،ففي بداية الثلاثينات من القرن الماضي ،لم تكن خريطة الدول الحالية ،لمعظم دول آسيا وأفريقيا معروفة ،فضلاً عن تصنيفها بالنامية ،فالدول الحالية هي الوليد المصطنع لنتائج الحرب الإمبريالية الثانية ،وتسوياتها ( يالطا وأخواتها ) ،فضلاً عن أنها بمعظمها كانت محميّات ومستعمرات ،لما اصطلح عليه بإمبراطوريات الإستعمار القديم ،حتى الهند والصين ،وكل أفريقيا .
أمّا أنّها ( أزمة مالية ستتحول أزمة اقتصادية وإنتاجية ؟) ،فبالتأكيد ،إنَّ أزمة ـ زلزال بهذا الحجم لا يمكن لجم تداعياتها ،فانخفاض القوة الشرائية ،سينعكس على الإستهلاك ،كمّاً ونوعاً ،سينقص الطلب على المنتَج ،فيتراكم المعروض ،فيتباطأ الإنتاج حُكماً ،لتدخل عجلة الإقتصاد ككل في تباطؤٍ ،أيصل إلى كسادً زلزالي ،أمْ بآلية متخامدة التسارع ؟ ذلك رهن بالحلول والتصديات ،وربّما نقل الأزمة إلى توازن قلق آخر في ميدان آخر ،أجاد النظام الرأسمالي حتى الآن إدارة لعبته ،وإنْ كانت الصعوبة ،مع الأزمة الحالية أكبر وأعقد ،وهامش المناورة إلى الضيق أقرب
.
وأمّا أنَّ الأزمة ستقف بتطورها عند حدود الأزمة الاقتصادية والإنتاجية ؟ فذلك مشكوك فيه ،فالبوادر تشير إلى إمكانية تطوّرها ،بل دخلت فعلاً في طور الأزمة الإجتماعية المخيفة ، فمليوني بريطاني فقط مهددون في أعمالهم ،ومؤشر البطالة في فرنسا سجّل أعلى ارتفاع له في آب 2008 ،ولا يجرؤون على نشر أرقام أيلول ، والصراع الأيديولوجي يشتد ،واليمين الفاشي يتجذر ويميل إلى العنف أكثر فأكثر ،صورة قاتمة متشائمة ترتسم ، وعوضاً عن المزاج المتفائل للدكتور درغام ،ألاقيه في التقدّم بمقالته ،وقد لاقاني في مربعي التشاؤمي ولونه الرماديّ الغامق ،حين يقارب الوضع السوري في آتون الأزمة :
(وبما أن التبادل التجاري وإرساليات المغتربين السوريين من العناصر الهامة في رفد سورية بالقطع الأجنبي، نجد أن الأزمة الحالية سيكون لها أثر كبير على الاقتصاد السوري. فمن جهة سيؤدي الركود الاقتصادي العالمي إلى تأثر فرص العمل ومستويات الدخول لجميع المقيمين في تلك الدول ومنها المغتربون السوريون. وهذا سيؤدي إلى احتمال تزايد الطلب على فرص العمل في سورية من قبل المغتربين الذين تأثروا بالركود في بلدان المغترب فضلاً عن احتمال انخفاض حجم القطع الأجنبي الوارد.).
لقاء في منطقة التشاؤم الكالح ،يجعلني أقف ،لأخذ النفس ،إلى لقاء قادم .
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
