الاثنين، 19 ديسمبر 2011

العراق والنصر ... وعديد القراءآت ؟


من قلم د . منير وسوف القوي

الرئيس الأمريكيّ ( باراك حسين أوباما ) يخطب في كارولينا الجنوبية ، بمناسبة الإنسحاب المعلن ـ رسميّاً ـ لقوّاته الغازية من أرض الرافدَن ، والمحتفلة في بغداد بتلك المناسبة !! ، أنّ الحرب الأمريكيّة على العراق تمثّل نجاحاً ونصراً تطلّب انجازه تسع سنوات ، بدأ بغزوٍ تأسس على أكاذيب ( أسلحة دمارٍ شامل لم تثبتها يوماً بعثات التفتيش الأمميّة العديدة ، ولكن مهزلة " كولن باول " في مجلس الأمن يبدو أنّها كانت كافية البرهان حينها !! ، تبعتها بعد انكشاف كذبها الفاضح ، وتهافت حججها ، دعاوى المهمام الأخلاقيّة ـ الرساليّة ـ والأمريكيّة حصريّاً ـ ،لإسقاط الدكتاتوريّة الصدّاميّة وتحرير شعب العراق !!!، بل والقضاء على ( إرهاب القاعدة ) التي لم يكنْ لها في العراق قدم ، واستجلبها الغزوّ ، فيما بعد ، في جملة وسائله المشبوهة اللامعلنة ( اللعب بالورقة الطائفيّة في العراق وتوظيفها ، وقد نجح ، وتخفيف ضغط القاعدة على وجوده في أفغانستان ، وقد فشل ) !! والأدهى ، إعلان الهدف الأسمى بتأسيس ديمقراطيّة ــ قاعدة ، تنشر مثالها وشموس أنوارها على المنطقة والمحيط ) !!! هذه قراءة أمريكيّة ، لايستحي فيها الرئيس الأمريكي ، حتى من نفسه ، وهو الذي عارض تلك الحرب اللا أخلاقيّة ، باعتبارها فضيحة مجلجلة عالميّة ، هشّمت الصورة الأمريكيّة ، بدوافعها المتهافتة الملفقة !! ( وكأنّ صورة الأمريكيّ ـ قبلها ـ جسّدت سماحة المسيح !! ) ، بل واعتبرها ـ في توضيح معارضته لها ـ كارثة قوميّة للأمة الأمريكيّة ، بمسارها والنتائج المترتبّة عليها ، من مجتمعيّة إنسانيّة ، واقتصاديّة مرعبة بتكلفتها ، وسوء حساباتها ، وارتجاليّة إدارتها ، كلّ ذلك قبل أنْ يصبح "الرئيس أوباما " ، وارث تلك الحرب وأوزارها ، لكنْ وعلى ما يبدو ، فـ ( أوباما المرشح ضدّ بوش الإبن ) ليس ذاته ( أوباما الرئيس المرشح لوراثة نفسه ) ، بل بالتأكيد ليس هو ، إلاّ إذا كان المنافق الموهوب اللاعب الدّور ونقيضه !! ، أوالمتأرجح في ثنائيّة أزمة الصراع الداخليّ بين الخير والشرّ ، ومرضيّة أعنف تمظهراتها ، في تجسيدها الصدامي واقعاً تناوبيّاً ،بتعاقب الليل والنهار ، كما في الرواية الخيالية : ( دكتور جايكل ومستر هايد ) للأديب الأسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون !! ولئن كان للخياليّة مشروعيّة تصوّراتها ، فإنّه ليس للإنتهازيّة السياسيّة أيّة مشروعيّة ، خاصّة حين تنظّم مهرجان احتفاليّة للتزييف والتضليل و " روتشة " وجه الجريمة البشع ' لأبطال ' ملحمة الإنحطاط في سجن ( أبو غريب ) ــ اللوحة المعبّرة عن فظائع ذلك الغزوّ الرهيب . فأين النصر الأمريكيّ ، أيّها الرئيس ( اوباما ) ؟ !! ــ أبالآلاف الخمسة من القتلى الأمريكيين في حربك القذرة ؟ !!!

ــ أبعشرات الآلاف من مشوهي الحرب الأمريكيين ، أو المرتزقة الموعودين ـ رشوةً ـ بالجنسيّة الأمريكيّة ، وجنّة الحلم الأمريكي ، وها هم ،على أبوابها ، ينتظرون ،مشوّهين جسديّاً ونفسيّاً وأخلاقيّاً ، أفجنّة موعودة لهؤلاء ـ هي ـ أم مصحّة عقليّة وإصلاحيّة مجرمين ؟ !!! ــ أبسفه تبديد البلايين الفلكيّة المهدورة من ثروات العالم ـ لا الأمريكيّ فقط ـ مما يضع الإنسانيّة ـ لا الأمريكيّ المدلل فقط ـ لا في عنق زجاجة الأزمة الإقتصاديّة ، الخانق لكل تطوّرٍ وازدهار ، ولكنْ يصلبها على جدار الركود الإقتصاديّ ، بكل تبعاته المدّمرة ، والتي تشكّل الحروب العدوانيّة بعضاً من الآليات الجانبيّة في ترجمة الفشل بتقديم ناجع الحلول لها ؟ !!!

ــ أبالعراق المتروك لتشريعات المواد " المقدّسة " لدى الصنائع ـ المستفيدين من دستور ( بريمر ) ـ لا ( حمورابي ) ـ ، والتي جعلت من " العراق ـ الوطن " مشروع " أوطانٍ ـ فتات ـ أقاليم " قيد التنفيذ ، برايات إثنويّة ( كرديّة ، عربيّة ، تركمانيّة ، آثوريّة ) ، دينيّة ( إسلام ، مسيحيّة ، عبدة الشيطان : ولم لا ؟ فأكثريّة ـ هم ـ بلغة الواقع !! ) ، أو طائفويّة فتنويّة موقظة من ( طائفيّة سياسيّة : سنيّة ـ شيعيّة ) مستدعاة من عفن دهاليز ظلاميّة تاريخ ثأريّ مشين ؟!!! نعم أين النصر أيّها الرئيس الأمريكيّ ( اوباما ) ـ وخاصة الأخلاقيّ ـ ؟ !!! ــ أبمئات آلاف العراقيين ـ الضحايا ، أم بملايين اللاجئين منهم ـ داخليّاّ وخارجيّاً ـ أم بالملايين الخمسة من اليتامى وعذابات الأرامل أمّهاتهم ، أو بجعل ـ بعض ـ اللحم العراقي الحيّ الحرّ ، رخيص بضاعةٍ في سوق تجارة الرقيق الأبيض وكلّ لون ؟ !!! ــ أبجرائم ( بلاك ووتر ) ، أم بإنجازات ( لصوص الآثار ) سرقة التاريخ ؟!!!

ــ أبتمزيق اللحمة الوطنيّة للمجتمع العراقي ، وتشويه ديناميّة البنى المفاهيميّة لحركيّة نموّه الحضاريّ ، وإعادته ـ قسراً نكوصياً وبالقوّة الغازية السافرة ـ إلى مركّبات التشكّلات قبل ـ الوطنيّة وهدّام صراعاتها ؟ !!! ــ أبهدم وتدمير البنيّة التحتيّة والأسس الماديّة لإرساء أساسيّات العمران المدني ، الذي بدأه إنسان أرض الرافدين ، فاتحاً به باب التاريخ ، لآلاف سنواتٍ عشرةٍ خلت ، ممتدّةٍ بين أمس ولادته الميزوبوتانيّة ويومنا المعاش على إيقاع رسميّ الإنسحاب الأمريكيّ ، بعد إنجاز مجازر انتصاراته على الجسور التي دمّر ، وشبكات الطرق التي محا ، ومشاريع المياه التي عطّل وخرّب ، ومستوى خدمات الصحة التي أهمل وألغى ؟ !!!

ــ أبإخراج العراق من نهضة تصنيعه التي كانت قبل الغزوّ ، ورغم سنوات الحصار الظّالم ، وإنْ تلطّى وتغطّى بقرارات المجتمع الدوليّ نظريّاً ( والأمريكيّ واقعاً ) ، متقدّمة نسبيّاً على تلك الموجودة في دول الجوار العراقيّ ؟ !!!

أمْ بإعادة زراعته بدائيّةً إلى عصر اكتشافها ، بالتدمير المبرمج بقصف بنية مشاريع الريّ وخاصّة ـ عمودها الفقريّ ـ السدود ؟ !!! ــ أبإفراغ العراق من علمائه اغتيالاً وتهجيراً وإغراءً ، والأكثر أذيّةً ، شيطنتهم وأبلستهم بربطهم ـ تسمية وأوصافاً ـ بأسلحة الدمار الشامل ، فتلك العالمة أصبح اسمها : الدكتورة جرثومة ( يعنون الدكتورة هـدى صالح مهـدي عمـاش المختصّة بالعلوم البيولوجيّة) ، وذاك العالم أصبح اسمه غاز" السارّ السّام " إلخ....، لتقديمهم رموز شرٍّ يحقّ للخيّر ،الكوبوي الأمريكي ، بل ويصبح من واجبه بصفته تلك ، اسئصال شأفتهم ، نيابة عن الإنسانيّة جمعاء ، وخدمة لخير التطوّر السلميّ الآمن لحضارة البشر ؟ !!!

ــ أبإيصال دولة العراق ومركزيّة قرارها إلى أثرٍ بعد عينٍ بتحطيم مؤسساتها ، خاصة الجيش والتعليم ، والتاريخ ، و....، وليس ما يستحق حرص الجيش البوشيّ الغازي إلّا وزارة النفط وشركة النفط الوطنيّة العراقيتين ؟ !!! كلّ سواد أفعال الغازي في الواقع ـ المعطى ، الناطق بإجرامه ، والتي لا تفعل الأسئلة أعلاه ـ ومئات أخرى تكملها ـ إلّا حمله استفهاماً ، وتضمّنه االإستفهام جواباً ، وتحميله تصوير واقع الجريمة الكاملة الأركان وثوقاً وتأكيداً ، كلّ ذلك يسميّه الرئيس الأمريكيّ ( اوباما ) : ( نجاحاً ونصراً !!! ) ، فبأيّ القياسات والمعايير ؟ !!!

ربّما هي قياسات خاصّة ومعايير مخفيّة ، نقيضة للمعلنة التي ثبت تهافت مصداقيّتها وكذب ادعاءآتها ، لكنّه الأمريكيّ ، الذي يصدق فيه المثل الذي لطالما سمعته من أقران جدّتي : ( اثنان محكومان بالنسيان : فضيحة الغنيّ ، وميتة الفقير ) ، إنّه تكثيف ـ فلاش لفضيحة ـ جريمة الأمريكيّ ( الغنيّ ) ، وواقع ضحيّته العراقيّ ( الفقير ) ، أو أنّه ـ وباختصارـ نصر المجرم على ضحيته المغدورة ، ونجاحه ـ السقوط بإجهازه عليها ، وإلاّ فكيف يجوز ـ وأخلاقيّاً قبل كلّ شيء ـ اعتبار الخراب والقتل والإجرام ، وفظاعات التعذيب الصريحة والمعترف بها : نجاحاً ونصراً ؟!!!، لكنّه قانون منطق القوّة الفارض مفهوم مصطلحه ، مزيحاً واقعيّة الفعل القائم ، لمصلحة فرض واقع سورياليّةِ عالمِ تزييفٍ غريب !!! على الضفّة الأخرى والمواجِهة ، محلياً عراقيّاً ، تيارات وتحالفات ودول ، إقليمياً ودوليّاً ، الجميع يتبادل أنخاب النجاح بنشوةٍ هنا ، وشماتة هناك ، فالجميع منتصر ، إنها حفلة لامعقول غرائبيّ ، مهرجانٌ تنكريّ لاحتفال تكاذب وتنافق للبعض ، ومشاركة تعويضٍ هروبيٍّ للبعض ، وقنابل تضليل دخانيّة من البعض ضدّ البعض ، أمام استحقاقات واقعٍ مستجدٍّ ، ومحاولات تموضعات متغيّرة ، لكل القوى والأطراف ، المتصادقة المتحالفة قبل المتعادية المتصارعة ، فوق واقعٍ رمليٍّ متحرّك . في ذلك السديم ـ المصطنع معظمه ـ برز فريق مختلف الأهداف مستقلّها ، مخالف التوجه للإملاء الأمريكي ، بل أكثر من ذلك ميّز نفسه بتموضعه في خندق مقاومة المشروع الأمريكيّ للمنطقة بلا لبْس ، وتعرّض لحربين ـ عدوانيين ، شنتهما الدّولة الصهيونيّة ، قاعدة الإمبرياليّة المتقدمة في المنطقة على الجبهة اللبنانيّة ، ضدّ مقاومتها الجاهزة للرد بصلابة وتصميم عمودها الفقري : ( حزب الله ) المجاهد ، الذي هزم صموده الاسطوريّ عام 2006 آلة الحرب الصهيونيّة وجيش تساحالها ( الذي لا يقهر !!! ) ، ونقل المعركة إلى داخل الكيان الصهيونيّ لأولّ مرّةٍ في تاريخ مسار الصراع العربيّ ـ الصهيونيّ ، وعلى ( غزّة هاشم ) عام 2007 ـ 2008 ، حيث صمدت مقاومة غزّة ، وبقيت واقفةً بعزّة المؤمن الصّادق بوجه وحشيّة ( عمليّة الرصاص المصبوب ) ومحرّم أسلحتها ( اليورانيوم المنضّب والفوسفور الأبيض و........... ) ،

وبالطبع كان لهيب الحربين السابقتين رسماً بالنار على مساحة اللحم الحيّ ، إلّا أنّه لم يكن كلّ المبتغى ونهاية المطاف ، بل لعلّ الظاهر الطّافي من جبل الجليد يقارب توصيفهما !!! فللمواجهة بين الفريق المختلف ـ المخالف لمشروع الهيمنة الأمريكيّ ـ الصهيونيّ ( الشرق الأوسط الجديد ) وبيادقه المحليّة ، أشكال ، وسويات مواجهاتٍ ، لم تتوقف ، بل تعددت ساحاتها ، وتنوّعت أدواتها ، من استثمارٍ لاضطرابٍ مفتعلٍ أو حراكٍ مُطالبٍ بحقٍّ مشروعٍ ، لإذكاء الفتنة وهزّ تماسك الجبهات الدّاخليّة (حالتا إيران و سورية ) ، إلى استنفار المنظمات الأمميّة الخاضعة للهمايونيّة الأمريكيّة ، إلى التلويح بالعصا الناتويّة المجربة من ( يوغزلافيا السابقة إلى ليبيا اليوم ) .

إنّ استعراض أهل هذا الخندق المقاوم ، المختلف والمخالف ، للأسئلة أعلاه ، ببارد عقلانيّة التحليل ، في محموم الهجمة الصاخبة التي يتعرضون لها ، والعمل على توظيف معطياتها ، كما فعل المستشار الألماني ( اديناور ) في خمسينيات القرن الماضي ، محوِّلاً خراب المانيا الخارجة من جحيم الحرب العالميّة الثانية إلى فرصة نهوضٍ اغتنمها ، فلم يقف باكياً على الأطلال ( ربّما لأنّه لم تشكل ذهنيته حكمة شعرنا العربيّ ومعلّقاته المعلِّقة !! ) ، مما قد يوفر إمكانيّة التلويح بنصرٍ لشعوب المنطقة ، من المبكّر جدّاً الإحتفال بحصوله ، فواقع رسميّة انسحاب الأمريكيّ من العراق لا يعني أنّه ناجز منجز إلاّ شكلاً ، فالإتفاقيّات الأمنيّة الأمريكيّة ـ العراقيّة لم يجف حبرها ، وأكبر سفارة أمريكيّة في العالم تقيم في المنطقة الخضراء !! من بغداد ، والعالم متعدد الأقطاب في رحلة مخاضه المستمرة العسيرة ، وأحياناً المتعثّرة ، ولغة التسويات والمساومات ، وتبادل المنافع على نقاط تلاقي المصالح وتقاطعها قائمة على قدمٍ وساق ، وأمّا المبدئيّة والأخلاقيّة ، والطهرانيّة المثاليّة ، فقد تركها منطق البراغماتية النفعيّة أيقونة " يوتوبيا " وقصيدة رومانسيّة حالمة . لستُ ـ أبداً ـ رسالة شؤمٍ ولا مرسالها ، لكنّ حقائق الواقع تقول : إنّ النصر ممكن ولكن دربه شاق وطويل ، فلا يجوز قرع طبول الفرحة لبشارته على أهميّتها ، لأنّ المحتفل بربح ورقة اليانصيب بأرقام غير مكتملة الظهور قد يخذله الرقم الأخير ويحيل فرحه اللحظيّ إلى مشاعر خيبةٍ وإفلاس رهان ، فلينتبه ، وليتعقلن ، فليس موسم البذار دائماً حتميّ موسم الحصاد ، فليُذكرْ دائماً حاسم دور المطر ، وإلّا ............


رسالة إعجابٍ تأخرت ، للسوريّ الوطني الدكتور قدري جميل

من قلم د . منير وسوف القوي
حين جمعتني بك مائدة غداءٍ في مطعم فندقٍ دمشقيّ ، كنتُ للتوّ قد عرفتُ شيئاً عنك ، من رفيقٍ سابقٍ لك ، حزبيٍّ شيوعيٍّ " سابق " ، صديق طفولةٍ لي ، " سابق أيضاً " ، وكان معظم ما قدمه لي سلبياً ، حتّى لا أقول أكثر من ذلك !! تحامليّاً مثلاً .... يشي بالموقف الشخصيّ ، وكنمطيّة عادة معظم ــ " مناضلينا الآنويين المأزومين السابقين والآنيين والمستقبليين اللاحقين ، وإلى ما شاء الله " ــ ، بشخصنة كلّ خلاف سياسيّ ، والخلط الممنهج اللاعقلانيّ بين الخلاف المعلَّل وموجباته ، والإختلاف الحتميّ ومنطقيّة تمظهراته ، بين الذاتيّ والموضوعيّ ، بين الحقيقة برأسها المنتصب وجبهتها للشمس وبين ليّ عنقها لحشرها في رغبويّة امتلاكٍ جنونيٍّ عظمويّ التعبير ، كلّ ذلك كان في الإطار لصورتك المقدّمة لي ، دون دفعي لأخذ موقفٍ مسبق من شخصك

وزاد في الطّين بلّةً تنوُّع المتحلّقين على مائدة الغداء تلك ، بين استراتيجيّ الرأيّ قاطعه ، ومدّعٍ تمليه الظروف ، بين متكلّمٍ للكلام ، وصامتٍ يجمّع معطياته للخروج بحكمٍ يدّعي الموضوعيّة ، وأزعم أنني كنتُ من الصنف الأخير الصامت خلافاً لعادتي ، فبكل الإنتباه أصغيتُ إليكَ ، وأنتَ المتخصص بالإقتصاد ، ولكن دارسه في جدلية الإقتصاد والسياسة ، بنائَين تحتيّ وفوقيّ ، متلازميّ الديناميّة والجدل ، نعم أصغيتُ إليك وأنت ترسم بوضوحٍ ، وتربط بمنطق الإيمان القاطع جيوـ استراتيجيّة القيادة السياسيّة للإتحاد الروسيّ ، وخاصّة ما يخصُّ منها الموقع الجيوـ استراتيجيّ الإقليميّ لسورية ، في قطعيّة جازمة ، وكأنّك كنت تتحدّث بلغة حنين إلى الإتحاد السوفيتيّ السابق واستراتيجيّات الحرب الباردة وساحات صراعها ، مما زاد في تشوّش صورتك في ذهني ، وجعل عدم تبنّي حكماً مسبقاً بحقّك فضيلة أغبط النفس عليها ، وتمر الأيام ، سنتان ونيّف ، ويأتي البرهان مُصدّقاً ماقلتَه أيّها الوطنيّ في ( الفيتو ) الروسي ، يدعمه ويصلّبه مثيله الصينيّ ، في جلسة مجلس الأمن الملغومة ، المنعقدة بدعوة " ملائكة السلام الدموي النيتوي " لإدانة سورية الضّحيّة ، وشرعنة التدخليّة في شؤونها ، لا لمساعدتها في ضروريّة ومشروعيّة الحراك المجتمعيّ لشعبها ، بل لركوب موجة المطالب الجماهيريّة المحقّة ، والسير بسوريّة التاريخ والوطنيّة إلى التنازلات ــ العروض وأوراق الخيانة الوطنيّة والقومية ــ الإعتماد في بازارالمهزلة ( الغليونيّة) وبائس أضرابها ، من المعارضات ــ التعارضات ، في داخل الساحة السوريّة قبل خارجها .

نعم أيها المعارض الوطني النظيف ، وإنْ لا يمكنني إلاّ الإصرار على اختلافنا الموقفيّ السياسيّ ، المتضائل طرداً مع اشتداد شراسة الهجمة على وطننا سورية ، فإنّه لايسعني إلاّ الإعتراف لك بصائب نظرتك في الشأن الروسي ، فمن رضع مع الحليب رفض الإمبرياليّة وعدوانيّة سياساتها ، لايمكنه ــ سوفيتيّاً كان أو روسيّاً بعد سوفيتيّاً ــ إلاّ أنْ يرفض تغوّلها وتوحّشها وإجرامها ، فصدقت في تحليك وقراءتك السياسيّة ، على مائدة ذلك الغداء الدّمشقيّ ، وسعيد ـ أنا ـ بذلك التعارف ، وتلك المعرفة اللاعابرة بدليل كتابتي اليوم إليك ، لا كرسالة شخصيّة أبداً ، ولكنْ إضاءة على موقف وطنيٍّ شريفٍ ، يستحقّ حتى ـ بأضعف ورقيق الإيمان ـ الإشادة به ، لا التنويه به فقط ، في عالم أقلام السمّ وأصوات الردّة والنشاز ، ممن يصح في بعضهم القول : ( نكبتنا الأخيرة ) لا آخر النكبات ، فلستُ متفائلاً كثيراً برغم وجود أمثالك الوطنيين ، ولستُ ، بالمقابل ، رأس المتشائمين من نعيق الغربان الكثر ، وجوقات الساقطين بامتحان الوطنيّة ، وبدرجة قحّة الأرزقيّة وامتياز الخسّة الزنيم .

أمثالك أيها الوطنيّ الواضح يستحقون الإعجاب ، بل الثناء والعرفان أيضاً بخصائص يملكون .


الأربعاء، 14 ديسمبر 2011

انقلب السحر على الساحر و فعلها ( آردوغان ) ، وأخيراً ، الأزمة الدّاخليّة السّوريّة ( شأن داخليّ تركيّ !!! ) :

من قلم : د. منير وسوف القوي :

في سلسلة مقالاتٍ سابقة ، في رصدٍ وتحليلٍ لتطوّرالعلاقات السورية ــ التركيّة ، بعنوان ( العلاقات السورية ـ التركية والأمن القومي العربي ) ، كان للتحذيرمن التوجهات المستحدثة لسياسات ( حزب العدالة والتنمية التركي ) ، اتجاه الجار السوري ، ـ والمنقلبة على مسارها أولاً ـ ، شديد التنبيه لخطورة نتائج تدخليتها ،والقدح المعلّى في التشديد على مغامريّتها ولا عقلانيّة حساباتها ، وبالتحديد منذ بدايات الأزمة السوريّة في 18 آذار ـ مارس 2011 ، نعم لقد فعلها ( آردوغان ) ومكمليّ ثلاثيّ مسرحه السياسي ( أحمد أوغلو وعبد الله غُل ) ، فعلوها "" بخطإ حسابات صاحب عقليّة لاعب البوكر حين يلعب الشطرنج "" ، لينبّه ويستفيق ــ لا لينتبه ــ ، للاعب الشطرنج المحترف مقابله ، بصوته الهادئ الواثق ، وعينه على رقعة الشطرنج ، يختتم الجولة ، بشهير الجملة : ( كشّ ملك ، أو شاه مات ) ، وتلك ـ موضوعيّاً ـ إحدى أوراق النظام السوريّ ، ولن أضع العبارة بين قوسين ، فلفظة " نظام " توصّف عقلانيّة حسابات لاعب الشطرنج ، وتستدعي الضدّ :

فهلويّة وفوضويّة عقليّة بوكريٍّ أمام الحركات المحسوبة للقطع المنقّلة بـ " نظامٍ " حديديٍّ محسوبٍ على مربّعات رقعة الشطرنج ـ الإمتحان !!!
وفعلاً : ( الضدّ يظهر حسنه الضدّ ) ، والعكس صحيح ، وهذا العكس ، هو بالضبط مافعله ثلاثيّ مسرح سياسات ـ لا سياسة واحدة ـ حزب العدالة والتنمية التركيّ ، فأخطؤوا وانقلب السحر على الساحر ، كما يقال ، فباستعراضٍ بسيطٍ للوحة المسرح السياسيّ التركيّ ، وحتى بلا جهد الإجتهاد والتحليل ، يخرج المرء بخلاصات عجاب في ضوء النتائج ـ الوقائع ، تجعل التساؤل مشروعاً :
أسياساتٌ تلك فعلاً ، يا ثلاثيّ حزب العدالة والتنمية، أم هي رهانات مراهقات سياسية ؟ !!!
لن أستعرض هنا السياسة الخارجيّة التركيّة ، فإفلاس سياسة ( تصفيرالمشاكل مع الجوار ) الداوود أوغليّة ، والتي أصبحت فعليّاً فعل " تصفير" ، ومفتوح العدد ، ولكنْ بتموضع الأصفار على يمين الرقم ( 1 ) ، وليست ( صفر عاليسار بالعاميّة الدارجة !!! ) ، فموضوع المقال لا يتضمنها ، ولكنّ الإشارة إليها تقتضيها أمانة شموليّة النظر إلى السياسة التركيّة ، بلا انتقائيّة ذاتويّة ولا انتقاص تكامليّة موضوعيّة ، بلا بترٍ ولا ابتسارٍ ولا رؤية باعورار .
ففي المشهد السياسي الدّاخليّ التركيّ ، تقف المعارضة الحزبيّة المنظّمة ، والبرلمانيّة منها خاصّة ، من السياسة المستجدّة لثلاثيّ حزب العدالة والتنمية ، اتجاه الجار السوري ، لا موقف المعارضة العاديّة ، بل تذهب إلى التنديد والإتهام بالإرتهان والتبعيّة ، ومسخ الحضور التركيّ إلى قامة أداة ذيليّة التنفيذ لأجندات أطلسية ، بتوجهاتها التدخليّة المستجدّة في الشأن السوريّ ، بعد أن كانت العلاقات السوريّة ـ التركيّة ، ولقرابة العقد من سنوات عمرها المتأخّر ، شهادة نجاحٍ إقليميّ لساسة حزب العدالة والتنمية ، ونجاعة خيارٍ جيوـ استراتيجيّ واقعيٍّ ، ردّاً على الشروط المهينة ، والصدّ المتعالي لتركيّا على أبواب الإتحاد الأوروبيّ .

أفلا يصبح مفهوماً ومبرراً ، وبمنتهى درجات الواقعيّة السياسيّة ، ونقاء الوطنيّة الحقّة ، موقف زعيم الحزب الثاني وزناً في البرلمان التركيّ الحالي ، ( حزب الشعب الجمهوري التركي ) المعارض ، السيّد ( كمال كيليتش دار أوغلو ) ، الهجومي على سياسة ( حزب العدالة والتنمية التركيّ ) حيال الأزمة السوريّة ، حين يؤكّد متّهِماً بالذيليّة ، والأداتيّة المسيَّرة ، بمرارة وازدراء : ( أنّ حكومة رجب طيب اردوغان لعبة بيد الدول ذات السيادة العالمية يتحكمون بها ويقودونها حسب مصالحهم، وأنّ مثل هذا الانقياد لا يليق بتركيا ) ، مضيفاً ـ في نقده الصريح ـ حكمه الجازم ، الواصف باللا حصافة واللاحكمة : ( سياسة الحكومة التركية إزاء الأحداث في سوريا بغيرالحكيمة ولاسيما بعد تحسن العلاقات الثنائية بين البلدين قبل أن تعلن تركيا موقفها السلبي مما يجري في سوريا ) ?!!

وقبله كان ( جورسل تيكين ) نائب رئيس الحزب ( حزب الشعب الجمهوري التركيّ) قد هاجم حكومة ( حزب العدالة والتنمية الحاكم ) مشككاً بديمقراطيّتها وعقليّة أركانها ، في تصريح ناريٍّ قال فيه : ( إنّ الحزب " حزب العدالة والتنمية " تهيمن عليه فكرة إن لم تكن معي فأنت عدوّي وان عقلية الحزب مستبدّة متسلطة ليس من السهل أن تدرك معنى الديمقراطية ) .

واليوم يشن ( دولت باهتشلي ) ، زعيم ( حزب الحركة القومية ) ، الحزب الثالث في البرلمان التركيّ ، هجوماً عنيفاً على سياسات رئيس الحكومة التركية ( رجب طيب اردوغان ) حيال سورية ، معتبراً أن أنقرة تُستخدَم كأداة لتنفيذ مشروع "الشرق الأوسط الكبير" !!! وتُستخدَم فـي مخطـط الغـرب لاحتـلال سـوريا ، بل وأكثر من ذلك يتهم السياسة التركيّة الحاليّة باللامسؤوليّة وقصرالنظر ، وتعريض الأمن القوميّ التركيّ للخطر ، وبالجهل التاريخي بالغرب ومخططاته ، وبما يُرسَم للمنطقة من خرائط ، ويحاك من مؤامرات ، قائلاً :
( يخططون لكردستان الكبرى الموزعة على تركيا وسوريا والعراق وإيران في إطار المسألة الشرقية। وهذا المخطط يتقدّم خطوة خطوة، والهدف الأول بعد بغداد ودمشق هو التحول نحو أنقرة وطهران ) ، ماضياً في نقدٍ مباشرٍ للتدخليّة الأردوغانيّة في الشأن السوريّ الدّاخليّ ، سائلاً باستهجان : ( ما الذي سيكون عليه موقف الحكومة التركية إذا ما طبق الآخرون السياسة نفسها تجاه بلدنا ؟ !! ) ، مضيفاً بمنطقيّ الإستنتاج المسؤول :
( إن تركيا تقع وسط حزام من نار، حيث الأزمة الاقتصادية في أوروبا والاحتجاجات في العالم العربي، وتركيا هي في مواجهة تهديدات غير مسبوقة ، وبذلك فإنّ الحكومة التركية في ظل غياب رؤية لديها تعرّض تركيا لتكون في دائرة الأزمات والفوضى ) ، متابعاً بلغة رجل السياسة المسؤول :
( إننا نتابع بقلق كيف أن تركيا وسوريا قد وصلتا إلى حافة الحرب ، والعقوبات الاقتصادية المتبادلة ، والتوترات على الحدود نتيجة لتلك السياسة " التدخليّة في الشأن الدّاخليّ للجار السوري ") !!! .

فإذا أُضيف لمشهد المواقف السياسيّة المندّدة المستنكرة ـ أعلاه ـ وقائع على الأرض منذرة بمستطير الشرّ ، وتهديد المنطقة كلّها بالزلزال الكبير ، والتي يترجمها :

1 ــ تحويل الجنوب التركيّ لساحة تصدير الإضطراب إلى الساحة السوريّة بتحويلها إلى ملجإٍ للفارين من وجه العدالة في بلدهم ( سورية ) ، ومقرٍّ لعصابات المجرمين والمهربين ، وقاعدة متقدّمة رسميّة ، لوجستيّة وإعلاميّة ، لنشاطات " المدعوّ ـ الألعوبة " ( الجيش السوريّ الحرّ ) ، ومنطلقٍ لما يشاع من تجمعات مقاتلين اسلامويين ، من مجانين الدم وحملة الثارات .

2 ــ فتح الساحة التركيّة لنشاطات ومؤتمرات المعارضات السوريّة الخارجيّة والملتحقين بها من مستعجليّ بعض الداخليّة ، بدعاوى الديمقراطيّة وحريّة التعبير !!! وكأن سوريّة ولاية للباب العالي تشكّل ساحتها بعضاً عضويّاً ـ لا امتداداً حتى !! ـ من الساحة التركيّة ، بل والإمعان في الصّلف والجفاصة والجلافة ، بالمساهمة والشراكة المادية الفعليّة في تشكيل المجالس والهياكل التمثيلويّة لتلك المعارضات العرجاء ، الوظيفية ـ المصطّنعةِ أغلبها ، وبالأمر الأمريكي دوراً مرسوماً ، والتمويل النفطوي الخليجيّ فعلاً تنفيذيّاً ، وبتوفير المنابرالميديويّة لها ، والمتابعة ـ حتى المخابراتيّة المعلنة ـ في تنسيق وتوجيه ورعاية تحولات مطالباتها المندرجة بوقاً كاشفاً لحقيقة أهداف سياسات الهيمنة على المنطقة والإقليم ، ومنها :

آ ــ الآنيّ التكتيكيّ :

ــ لتغطية الإنسحاب الأمريكيّ من العراق قبل نهاية العام
ــ والدّخانيّ التغطوي على العودة التركيّة إلى الإندماج في صلب السياسات الأطلسيّة المشبوهة ( نشر الدرع الصاروخيّة الأمريكيّة في " ملاطيّة " من هضبة الأناضول ) .

ب ــ البعيد الإستراتيجي :

ــ السياسات الطاقويّة الأمريكيّة المصرّة على الهيمنة على مصادرالطّاقة النفطيّة والغازيّة ـ وخاصّة الغازيّة ـ ، بتنافس محموم مع تروست غازبروم الروسيّ وشريكه الألماني ، وخصوصاً بعد اكتشاف المخزون الغازي الواعد بأهميّته ، في حوض المتوسط الشرقيّ ، وفي الأرض السوريّة ، ويا لغرابة المصادفة ، قرب ( حمص بالتحديد ) !!!

ــ المراهنة على إحياء مشروع خط ( نابوكو ) المتعثّر ، لنقل غاز آسيا الوسطى وبحر قزوين إلى شواطئ المتوسط وأوروبا ، بالمقارنة مع شبه إنجاز وتدشين خطيّ الغاز الروسي إلى أوروبا ( سيل الشمال وسيل الجنوب ) .

ــ إعاقة ، ومنع ـ إنْ أمكن ـ تنفيذ مشروع خط نقل الغاز الإيراني عبر العراق وسورية إلى شاطئ المتوسط ، في حسابات بعيدة ، لإجبار ضم الغاز الإيراني كرافدٍ إلى خط ( نابوكو ) المتعثّر بأمل إنعاشه . ــ قطع الطريق على الإستئناف الفعّال لنقل النفط العراقي عبر سورية إلى شواطئ المتوسط السوريّة ـ اللبنانيّة ، واستمرار احتكار خط نقل " النكايّة السياسيّة الصدّاميّة لسورية " لنفط العراق إلى ميناء الإسكندرونة .

ــ التمهيد لتنفيذ الأمر الأمريكيّ باستئناف العمل بالإتفاق الإستراتيجي التركيّ ــ الصهيونيّ ، لأهميّة فعاليّته في الإستراتيجية الأمريكيّة ، التي لاتعنيها كثيراً الكرامة التركيّة ولا الصراخ الشعبوي الأردوغاني وشروطه الشكليّة الفارغة ، وربّما بوعد أمريكيّ بمساندة أنقرة في مشكلتها المزمنة القبرصيّة ، المتجددة اليوم بالخلاف على حقل الغاز المكتشف بين شواطئ قبرص الشرقيّة والشواطئ االشّاميّة للبحر المتوسط ، وما المانع أنْ تلعب السياسة الأمريكيّة دور العرّاب لإرساء تعاونٍ صهيونيٍّ ــ تركيّ في السطوّ على حصّة الجانب العربيّ ( الفلسطينيّ ـ اللبنانيّ ـ السوريّ ) من الثروة الغازيّة المكتشفة ؟ !!!

أمّا الحصّة القبرصيّة فمصانة لقبرص ببديل حصة الجانب العربي ، أوليست تلك استعادة لسيناريوالتبرّع الفرنسيّ الترضوي لتركيّا بـ ( لواء الإسكندرون السليب ) ؟!! وربّما أكثر من ذلك !! ، بوعدٍ لتركيّا بالشمال السوريّ حتى مدينة ( حلب ) ، أولم تطالب تركيّا الأتاتوركيّة في ثلاثينات القرن الماضي بذلك من سلطة الإنتداب الفرنسيّ ؟ !!! । يستطاع الذهاب بعيداً ومطوّلاً في التحليل لمعطيات ودوافع السياسة الرسميّة التركيّة حيال الجار السوريّ ، لكنه مقال لا أطروحة ، ومع ذلك فلا يمكن القفز فوق المعاناة اليوميّة على امتداد الحدود السوريّة ــ التركيّة ، فبعد الحضور المستهجَن لوزير الخارجيّة التركيّ السيّد ( داوود أوغلو ) لاجتماعات مجلس ( جامعة الدول العربيّة ) المستنفرة من سباتها !! في الرباط ، وانضمام تركيّا لقرارات الحصار ، والمقاطعات ، والعقوبات ، والإنذارات ، بل والتهديدات ، والتي اتخذتها الجامعة المستأسدة بحق سوريّة ، ما هو المشهد على الأرض ؟ !! :

ــ التوقف شبه الكامل لحركة " الترانزيت " على بوّابات العبور المقفلة بين البلدين ، وأرتال الناقلات والشاحنات تمتد مئات الكيلومترات ، ليصل شلل ازدحام الشاحنات التركيّة إلى الأردن ولبنان على الحدود السوريّة ، ولاملامة على القرار السوري المعامِل بالمثل للقرار التركيّ الإستفزازيّ المبادر .
ــ كمّ من المشاريع السياحيّة والخدميّة والإنتاجيّة الواعدة على جانبيّ الحدود تجد نفسها في ساحة وغىً وقعقعة سلاح مستفر ، وسكان آمنون ، وأقرباء ، كان انتقالهم عبر الحدود المنظّفة من الألغام حرّاً ، بعد العمل باتفاقيّة إلغاء التأشيرات المتبادل ، يجدون أنفسهم على الحواجز الثابتة والمتنقلة ، وتحت رحمة مسلحين غرباء !!

والألعن ذلك الإستجداء الرخيص " للاجئين " ومخيماتهم المعدّة على عجل لاستثمارها في التوظيف الدعاوي ، والمتاجرة السياسيّة بها ، ولأشياء أخرى .... !!!
ــ انخفاض مردويّة القطاع السياحي عامّة ، وفي بعض المناطق إلى سويّة شبه صفريّة "" تعميماً لبركات نظريّة أوغلو الصفريّة بامتياز """ .

يستطاع المضيّ في اسعتراض أضرار القطاعات البنكيّة والإجتماعيّة والإقتصاديّة والسياحيّة بمطولات ، ولكنّه حجم المقال ، ومع ذلك فسؤال افتراضيّ بشعبٍ ثلاثة يفرض نفسه :

ــ ماذا لوكان لتركيّا طبيعة الموقف العراقي ، وكيف كانت الصورة ستكون ؟ !!
ــ لماذا لم يكن لتركيّا موقفاً مجاريّاً أو مشابهاً للموقف الأردني ، على كلّ عيوبه وتردده ؟ !!!
ــ لماذا ماثلث تركيّا في موقفها موقف فريق 14 آذار اللبناني ، الذي يحاول جعل الجوار اللبنانيّ ــ السوريّ ، ملجأ فارين سوريين ، ومأوى مجرمين ومهربين ، وقاعدة انطلاق لمرتزقة وقتلة متعصّبين ، ومعبر سلاح قتلٍ وقاتلين إلى الداخل السوري ، كل ذلك بمغافلة القرار الرسمي اللبناني ، المصّر بالحدّ الأدنى على انسحاب سلبيّ من الشأن السوري ؟!!!
ــ ولماذا يستنسخ التركيّ ذات لخطاب السياسيّ التحريضي التدخليّ الحاقد والثأري لفريق 14 آذار اللبناني ، وخاصة تميّزه بمفهومٍ كاريكاتوريٍّ للسيادة الوطنية باتجاهٍ واحد ، فكلاهما سيّد وويل للسوري لوفكر حتى بالحقّ المشروع بالدفاع عن النفس ، أما السيادة السوريّة فطفلة وغريرة وكلاهما لها الحاضن والوصيّ ؟ !!!

حقيقة لقد هزلت وفعلها ثلاثيّ ( حزب العدالة والتنمية التركي ) ، بخطإٍ سياسيٍّ ــ خطيئة في اقترابهم من الحالة السوريّة الحاضرة ، وأسفوا بقيمة تركيّا ومركزها في جيوـ استرايجيّة الإقليم ، حتى لم يعد من فرقٍ بين ثقل سياسة الدولة التركيّة ، وتلك التي لمراهقي سياسة فريق 14 آذار اللبناني ، لكنه اصطفاف البيادق بحضور السيّد الأمريكيّ ، وأمره النافذ الذي لا يعترف لها ولا يرى فيها إلاّ دوراً تسقط معه فروقات الوزن ، واختلافات الحجوم ، وقد أصبت يا سيّد ( كمال كيليتش دار أوغلو ) :
( أنّ مثل هذا الانقياد لا يليق بتركيا ) ، واقع يبعث على الأسى نعم ولكنه ـ وللأسف ـ واقع الحال الأليم

الأحد، 11 ديسمبر 2011

لحقيقة والدعاية في مكرور تسريبات تسلل ( المقاتلين الإسلامويين ) إلى السّاحة السّوريّة ج ( 3 ) :

مُركَّب الأزمة السوريّة والدّورالذيليّ للسياسة الانتهازيّة التركيّة :



إنّه العنوان الذي وجدته مناسباً لهذا الجزء الأخير من الأجزاء الثلاثه لمقالي المعنون : "" الحقيقة والدعاية في مكرور تسريبات تسلل ( المقاتلين الإسلامويين ) إلى السّاحة السّوريّة "" : ( ج 3 ) :‏‏ حيث يتابع الجزء الثالث ـ هذا ـ من المقال استكمال استعراضه لبانوراميّة رؤية الموضوع ـ أعلاه ـ خاصة مع المستجدات العلائقيّة المشدودة ،والمنذرة بالسيّء حكماً ، ولا محمود العواقب على حامل العلاقات السوريّة ــ التركيّة ، المهدّدة بالإنفجار ، بل بالتفجير شبه المتعمّد مع مواقف التصعيد السياسيّ التدخليّ لساسة ( حزب العدالة والتنمية التركيّ ) في الشأن الدّاخلي للجار السوري ، مستغِلّاً طارئ أزمة الحدث السوري ، في مزايدة فاقعة ، حتى على الدورالغربيّ ، والرسميّ العربيّ المندرج في سياساته التابعة ، في بحثٍ محمومٍ ، وسياسيٍّ انتهازيٍّ ، عن دور رأس الحربة التدخليّة في الساحة السورية ، مما يبرر للمقال بعض الإستفاضة ، وتخصيص معظم جزئه الثالث ـ هذا ـ للجوار التركيّ ـ السوري بالمجمل ، ومحاولة مقاربة أساسيّاته المحدِّدة :

فلقد اشتمل الجزء الأول على :

ــ أولاً : جبهة المواجهة السّوريّة ـ الصهيونيّة :

ــ ثانياً : الحدود السوريّة ــ الأردنيّة :

واشتمل الجزء الثاني من المقال على :

ــ ثالثاً : الحدود ( السوريّة ــ العراقيّة ) :

ــ رابعاً : الحدود ( السوريّة ــ اللبنانيّة ) : ليصل المقال ، في ثالث أجزائه هذا ، إلى :

ــ خامساً : ( الحدود السّوريّة ــ التركيّة ) : هنا ، حيث يلتقي التّاريخ بجدليّة بنيويّته وخلاصة عِبرته ، مع الديموغرافيّ بخصوصيّة تموضعه ودواخل دقّته ، مع السّياسيّ في ديناميّتة ، بتذبذبه وتغيّره ، وحتى انقلابيّته وتقلبه !! ، و ما يترتب على كلّ ذلك من نتائج ، ترسم مسارات إلى مآلات ، تُصدّق واقعيّة معادلاتٍ أوتسقط وهم رغباتٍ وحالم أمنياتٍ .

فعلى الإمتداد المئوي الكيلومتري ( 850 ـ 900 كم ) لتلك الحدود يحتفظ التاريخ بذاكرته ، وتصبح أوابد مدنه منارات صفحاته ، بكل ألوان مكوّناتها ، وجلّها معمّد بالدم وسواد المداد ، فيصبح شبح السلطان العثمانيّ ( سليم الأول ) حاضراً ، مغادراً التأريخ ، مندفعاً من عام 1516 إلى العام 2011 !! ليخوض معركة ( مرج دابق ) أخرى ، وهذه المرّة ، لاضدّ ""المملوكيّ المحتلّ"" مثله ، في استبدال محتلٍّ هَرِمٍ بمحتلٍّ فاتحٍ صارخ الشباب ، بل ضدّ الجار السوريّ ابن البلد الأصيل !! الذي يجد نفسه أمام مراجعات تفتح أبواب ازدحام الذاكرة الوطنيّة ، على واقعٍ يبحث عن هويّة ، وحواضر ترفض التغريب وقد طال ، من ( تل كوجك ) شرقاً ، مروراً نحو الغرب بمدن ومناطق : (ماردين ــ أورفة ــ غازي عنتاب ــ كلس) وحتى مياه خليج الإسكندرونة في اللواء السوريّ السليب ، دون نسيان ( أضنة ) وسهولها ، فكلّها تصبح مستدعاة ــ مستدعيّةً ( اتفاقيّة كوتاهيّة ـ 8 أبريل 1833) بين القائد العربيّ ( ابراهيم محمّد علي باشا ) والسلطنة العثمانيّة المهزومة ، أمام زحف جيش ( محمّد علي باشا القولي ) ، بعد معركة ( قونيه ) التي انتصفت لمعركة ( مرج دابق ــ 24 آب ،أغسطس 1516 ) ، وأرست حدود بلاد الشّام عند مضيقها الإستراتيجي ( مضيق قونية في جبال طوروس ) ، ولا أدلّ على ذلك من استمرار التململ " الإنتمائي ـ الهويتي " لما أصبح يعرف في قاموس السياسة الطورانيّة " القديمة ـ الجديدة " بوضع الأقليّات ( العربيّة ، الكرديّة ، الأرمنيّة !!! ) ، المستبعدة من تعريف المواطنيّة وشموليّة حقوقها ، إلاّ الإضطراب الجيوبولوتيكي الراهن في العلاقة السويّة ـ التركيّة والتي لا تتوقف عند تسلل ( المقاتلين الإسلامويين ) إلى الداخل السوري ، وهو خطير ، وصاعق تفجير مرعب ، مهما ضؤل شأنه ، للأسباب الآتية :

آ ــ إعادة العلاقات العربيّة ــ التركيّة ، وليس السوريّة فقط ، إلى مربع العداء التاريخي المنوه عنه أعلاه ، واستدعاء تناقضاتها ، التي سمحت السنوات الأخيرة من التعاون السوري ــ التركيّ ببعث أمل إمكانيّات مقاربتها بالتعاون البنّاء وروح الأخوة وحسن الجوار ، ولا ينخدعنّ أحد بدخان السياسات العابرة ، والحركات التلفزيويّة الوظيفيّة المتغيرة ، فلقد شهدت المنطقة شبيهها من سياسات وتحالفات أنظمة في خمسينيّات القرن المنصرم ، في ما عُرف بـ ( حلف بغداد ) ، لتذهب جميعها مع أنظمتها ــ الأعمدة بحمّامات دم ، من نظام ( عبد الإله ونوري السعيد ) في بغداد ، إلى نظام ( جلال بايار و عدنان مندريس ) في أنقرة ، مع نهوض شعبيٍّ عربيٍّ ، مُسقِطٍ لأنظمة الردّة والتبعيّة ، واسمٍ لذلك العقد مكللٍ له بميلاد ( الجمهوريّة العربيّة المتّحدة ) برئاسة الزعيم العربيّ ( جمال عبد النّاصر ) ، فما أشبه اليوم بالأمس ، وليعتبر أُولوا الألباب ، إنّ أمّة العرب أذكى من محاوليّ استغفالها ، فألعاب الخديعة وبهلوانات التضليل للشارع العربيّ هو كذب رخيص ، وحبل الكذب على الجماهير واهن وقصير ، فليسألوا أبطال ( حلف بغداد ) الدّارس إنْ كانوا لتلك المرحلة من الذاكرين ، أو لها من الجهلة أو الجاهلين !!!

ب ــ إنّ تركيّا "" أطلسيّة "" محدودة وظيفيّة الدور في حلفه ، ولن تُعطى يوماً حتى أهميّة دور اليونان الأوروبيّة !! لأسباب ضاربة في تعقيد مركباتها ، لا لماضي معطياتها فقط ، بل وللريبة المقيمة وعدم يقينيّة مستقبلاتها ، وعلى كل السويّات وتأثيراتها من جغرافيّة ــ تاريخيّة ، أواثنيّة ــ ثقافيّة ، أو تطورات سياسات لم تعرف صادق التحالفات ، لا الآنيّة فقط تجاه الحدث السوريّ ، بل ومنذ بداية الإنحدار في الحضور العثمانيّ على ساحة السياسة العالميّة منذ نهايات القرن السابع عشر وبداية تعامل القوى الإمبرياليّة الأوروبيّة الصاعدة معها كمشروع ( رجل مريض ) ، وصولاً إلى تمزيق واقتسام سلطنتها بعد الحرب العالميّة الأولى ، وهو الجرح النرجسي النّازف للطورانيّة بطوريها ، الأتاتوركيّ ــ المؤسس ، واسلامويّها ــ الجديد الحالي ، الواهم بلعب دور"" رجل بوليس "" المنطقة الغربي ( خاصّة الوكيل الأمريكيّ بالذات !! في تقديم أوراق اعتماده كوجه مقبول في الشارع العربي ، ونموذج اسلامها السياسيّ الصاعد ، مع ما أصبح يُعرف "" بالربيع العربيّ "" وذلك كتعويضٍ معقولٍ ، وبلسم ممكنٍ لمأساة امبراطوريّة دارسة تبحث بقاياها عن دورٍ ، ولو وظيفيٍّ ذيليٍّ يزكي افتراضيّ فاعليّة حضورها !!! ،؛ فليكف ثلاثيّ ( حزب العدالة والتنمية التركيّ ) عن بيع فارغ الوعود لمريديّ الفتنة في الساحة السوريّة ، وإطلاق خلبيّ التهديدات ضدّ ( النظام السوري ) ، الذي يعرف وهم يعرفون ــ ربما أكثر ـ بمحدوديّة قدرتهم ، أولاً ، وهامش دورهم ، المسموح به أطلسيّاً ، ثانياً ، ـ في الذهاب أبعد وراء الأوهام النيوـ طورانيّة ــ المتكشّفة منذ الشهر الثالث لبدء الأزمة السوريّة ، فالجيوـ استراتيجي الدوليّ ومعادلاته ، وخاصة في حساسيّة مفصله السوري ، لا تسمح بالمغامرات غير المحسوبة ، فكيف بصبيانيّات السياسة ؟ !! التي تنطلي فقط على الرغبويين الراغبين من هواة السياسة ، من أمثال المنتَج الهجين لمطبخ مسلوق السياسات : التركيّة ـ القطريّة ـ بعض الغربيّة : مجلس اسطمبول ( المجلس الوطني السوري ) وأضرابه .

ج ــ إنّ بحث الدّور التركيّ عن فرضٍ لمركزيّته المفترضة على سياسات المنطقة تنقصه الحصافة والعقلانيّة ،وحسابات الواقعيّة السياسيّة ، ويوهمه الغرور المدّعي ، لا الطموح المشروع ، فمهما غاب الدّور الإقليميّ لمصر فهو عائد ، لأنها البلد المركز في العالم العربيّ ، لأسباب منطقيّة ليس المقال مجال تبيانها ، ومرّة أخرى مفيدٌ استذكار التاريخ ، فـ (مصر ــ محمّد عليّ ) ردّت تركيّا ــ السلطنة خلف جبال طوروس في القرن التاسع عشر ، و( مصر ــ عبد الناصر ) لجمت تركيّا الأتاتوركيّة الأطلسيّة في منتصف القرن العشرين ، و (مصر الثورة ) ناهضة وقادمة ، فلا يُعوِّلَّن على قيود ( معاهدة كامب ديفيد ) المحكوم تاريخيّاً عليها وعلى مفاعيلها ، ولا على التيّارات الإسلامويّة الطّافية ، وهي مختلفة على كلّ حالٍ عن اسلامويّة ( حزب العدالة والتنميّة التركيّ ) ، بل ومخالفة لها ( من رصد زيارة آردوغان الأخيرة لمصر وتمظهراتها وآراء اسلاموييّ مصر بآرائه و " توفيقاته " الإسلامويّوــ علمانيّة ) ، فحقاً ، ليس أكثر مأساةً من حماقات السياسة إلاّ الإمساك بعنانها من سياسيٍّ يُخرج عِبَرالتاريخ من معادلة حساباته ، مستبدلاً تلك العبر بالرغبات ، بالآنيّ العابر، وأوهام الغرور ، لقد أضاعت السياسات التدخليّة المغامرة الحاليّة لـ ( حزب العدالة والتنميّة التركيّ )، ببهلوانيّةٍ خفيفة ، تقودها الإنتهازيّة السياسيّة فرصة ــ هي بحقٍّ تاريخيّة ــ بتضييع المشروع ــ الإقليم ( سوريّة ـ العراق المحرر ـ تركيا ـ إيران ) ، وواقعيّة نظريّة ( البحار الخمسة ) في لحظة إمكانيّة التدشين ، وخاصّة فرصة إمكانيّة تحرّر تركيّا ، بالتموضع الجديد ، من تاريخيّة ذيليّتها الوظيفيّة الأطلسيّة ، وأوهامها الأوروبويّة ، لتأخذ مكانها المنطقيّ الواقعيّ ، الجيوـ بوليتيكيّ التشاركيّ ، في الإقليم الذي تنتمي إليه ، بحقيقيّة الهويّة ، لا بالزيف التغريبيّ ، الردّ فعليّ ـ الأتاتوركيّ ، مع كل ( عقد نقص المغلوب المقهور المستبطِن لنموذج قاهره الغالب ) الذي يبدو أنّه استشرى شعبويّاً تركيّاً بإزمانه ، والإبلال منه يحتاج ، لا للسياسات البهلوانيّة لثلاثيّ ( حزب العدالة والتنميّة التركيّ ) ، بل وعلى ضوء واقع ومعطى تلك السياسات ، فإنّه يحتاج إلى معجزة ، في زمن العلم الذي هجرته المعجزات .

د ــ تتكشف الحقائق يوماً بعد يوم ، وبغض النظر عن التبريرات الدعاويّة ، أنّ في الأزمة السوريّة ومنذ لحظتها الأولى ، فعل تخريبيّ معدّ ومرتبط بمحاور وسياسات ، بل وبارتهانات ( تصريحات السادة : برهان غليون ، مأمون الشقفة ، هيثم المالح ، عبد الحليم خدّام ، سمير النشّار .............. والقائمة تطول ) ، الأمر الذي يجعل الكتلة الشعبيّة الساحقة من الشعب السوريّ تحتكم لتلك الحقائق المتكشفة ، في اصطفافاتها المواقفيّة ، وانتظام مسؤول فعلها الهادف ، وخاصة بعد انحدار بعض المعارضات إلى سويّة ممارسات خطرة ، مخلّة ومهدِّدة لوحدة المجتمع السوري ، وتناغم غنى فسيفسائه التاريخيّ ، بل ووصولها إلى جديّ التهديد الوجوديّ للوطن ، ووحدته الترابيّة ، ورهن خارطتة القائمة بمشاريع هيمنة ، ليس أبسطها وآخرها مشروع ( الشرق الأوسط الجديد ) !!! فكيف إذا أضيفت إليها أوهام الطورانيّة ــ الجديدة ؟ !! وثلاثينات القرن الماضي مستمرّة في الحاضر السياسي ، واقعاً ماديّاً حيّاً لا دعاويّاً وطنويّاً ، و لا هيام حنينٍ و" نستالجيا " ذكريات ، من قبيل ( يا زمان الوصل ) !! ، فما زال في مفردات كلّ سوريّ مفردة ( السّليب ) ــ وبأل التعريف ــ عندما يُذكر ( لواء الاسكندرون ) وتلك حقيقة معاشة ، لا قومجية أيديولوجيا سياسويّة ، ولا عابر لغويّة لافتة شعار .

لذلك ، وبناءً على ما تقدّم ، وعلى ماسيلي ، يصبح مطلب انتصار منطق العقلانيّة والواقعيّة السياسيّة مشروعاً ، لا من مقالٍ قد يُرمى كاتبه بتهمة انحيازٍ لا تُعيبه ، ولكنْ فوق ذلك ، من قراءة تُشدّد ، زيادة على السابق أعلاه ، على النقاط الآتية : ــ إنّ الحدود السوريّة الشمالية ، حدود دولة ذات سيادة ، وسيادة مسلحة ، لا بعتاد "" حماة الديار "" ، وحدات الجيش العربيّ السوري فقط ، بل وبالوعيّ الوطنيّ الإستثنائيّ الجامع للمواطن العربيّ السوريّ ، والوعيّ القوميّ للإنسان العربيّ من خلفه ، وأمّا التعويل على بعض فلول الفارّين ، فليس إلاّ قبض ريحٍ واعتماد رخيص خيانةٍ ليست نادرة في تاريخ المنطقة ، فجيش الفار ( رياض الأسعد ) وشلّته : ( الجيش السوريّ الحرّ ) !! يذكِّر بجيش ( سعد حدّاد وأنطوان لحد ) : ( جيش لبنان الحرّ ) ، فنفس الدور ، ولن يكون إلاّ نفس المصير ، وأمّا المؤسف فهو أنْ يصبح دور الجار التركيّ لسوريّة في أزمتها اليوم ، نسخةً كربونيّةً للدور الصهيوني في لبنان أثناء أليم أزمته بالأمس !!!

ــ إنّ حرص سوريّة على ممارسة أقصى درجات العقلانيّة في ردودها ، يصدر بالدرجة الأولى عن عدم الرغبة في الإستجابة لسياسة الإستفزاز والإنجراف إلإنفعاليّ إلى مربّع "" ردّ الفعل "" المجافي لبارد الحسابات العقلانيّة وصوابيّة عطاءآتها ، سيّما في النظر الموضوعيّ البارد إلى الجار التركيّ ، لا ككتلة واحدة ، صماء ومصمتة ، فتركيا ليست كلّها ، ولا يختزلها ، ثلاثيّ ( حزب العدالة والتنميّة ) ، فشارع معارضتها العلمانيّ ، واليساري خاصةً ، يأخذ اصطفافاته تصاعديّاً ضدّ السياسة التدخليّة الذيليّة الأطلسيّة للحكومة التركيّة في الشأن السوري الداخلي ، في ذات الوقت الذي لاتتردّد فيه الحكومة السوريّة ، وعلى الأرض ، في اللجوء إلى كلّ الممارسات السياديّة ، ومنها العسكريّة الردعيّة المشروعة "" اللاعدوانيّة "" ، واتخاذ كلّ الإجراءآت الدبلوماسيّة والقانونيّة والتجاريّة والإقتصاديّة والنقل و .... بما يحفظ للسلطات السوريّة حقها ، ويكرس واجب دورها في الحفاظ على أمن وسيادة الجمهوريّة العربيّة السوريّة .

ــ إنّ تسلل المسلحين ، العنفيين الإسلامويين ، أو المرتزقة ( الكونتراوستيين ) ، أومجرمي الحق العام الفارين إلى الأراضي التركيّة ، للقيام بأعمال التخريب في الدّاخل السوري المجاور لتركيّا ، يدخل في باب العدوان وخرق السيادة لدولة مؤسسة وعضو في هيئة الأمم المتحدة ، يمكّنها من التقدّم بشكوى أمامها ضدّ الجار التركيّ المساهم في انتهاك سيادة الجمهوريّة العربيّة السوريّة ، ولئنْ كان التسييس والتحيّز المعروف في تلك المنظمة الدولية يسيء إلى صدقيّة دورها ويدينه ، فإنّ مثل تلك الشكوى تضيف اختباراً لعجزها ، وبرهاناً لحقيقتها تابعاً أخر لسياسات الهمايونيّة الأمريكيّة ، وكشفاً أمام العالم في ناديه الأمميّ ـ وفيه صداقات سوريّة وازنة ـ بحقيقة الواقع ، وما يمكن أنْ يترتب عليه من خطير النتائج إنْ لم يقم العالم بمسؤوليّاته ، مع احتفاظ سوريّة بحقها المشروع في الدفاع عن النفس وبكل الوسائل المشروعة .

ــ على قاعدة ( المعاملة بالمثل ) ، بعد ضرب السياسات التركيّة عرض الحائط بقواعد حُسن الجوار ، فإنّ توظيف السياسة السوريّة للتنوّع الديمغرافيّ العابر للحدود ، وبكلّ الأشكال ، يصبح مبرَراً ومفهوم ، وسورية تحجم حتى الآن ـ وبمنتهى التعقّل ـ عن استعمال تلك الورقة المتاحة والمجرّبة . ــ إنّ التلويح الميديوي بالمقاتلين الإسلامويين ، وتوفير معسكرات تجميعهم ، ولوجستيّ تسليحهم ، وتيسير تسريبهم عبر الحدود إلى الدّاخل السوري ، هو سلوك عدوانيّ صريح ، ويندرج في مندرجات الحرب النفسيّة ( كتلويح ) ، وأمّا وضعه موضع التنفيذ فهو إعلان حرب من دولة أطلسيّة يجر إلى ساحتها قوى تحالفات إقليميّة ودوليّة ، لا تجهلها السياسة التركيّة ، ولا تجهل سوء عواقبها ، وإنْ بدا حتى اللحظة سوء التقدير في تعاملها مع احتمالات نتائجها !!! ــ ثمّ ، ورغم قرع طبل ( المقاتلين الإسلامويين ) المبالغ في ضجيجه ، فإعطاؤه ـ سوريّاً ـ استثنائيّة الأهميّة تبقى مبررة وواجبة ، لا لفعاليّته ـ المشكوك بها ـ في الواقع السوري أبداً ، ولكنْ لاحتمال محاولة البعض التخفف من عبء هؤلاء المرضى ، بإيجاد " صرفة " لهم ، بعد استنفاذ الحاجة إلى التدميريّ ، الساكن منهم في أعماق منحرف التكوين النفسيّ المؤدلج ،؛ وباستعراضٍ موجزٍ لهؤلاء ، فئاتهم ، وتنوّع مشاربهم ، وساحات عملهم والتزاماتهم ، يُلحظ التالي :

آ ـ فرعهم اللاعربي : من أفغان وشيشان وسواهم ، وهؤلاء يندر منهم القادر على التعامل مع الساحة السوريّة ، لا بسبب العائق اللغويّ فقط ، بل وخاصّة لسهولة التعرّف على سيمائهم وأشكالهم في الديمغرافيا السوريّة . ب ـ فرعهم العربي : وهو تبعاً لساحاته ، من المشرق إلى المغرب :

1ــ الساحتان العراقية ـ الأردنيّة : وهما فعل تكامل وتفاعل ، بُرهن عليه خاصّة مع أفعال ( الزرقاوي ) الإرهابيّة ، وقد تلقّى موجع الضربات ، والباقي منه ، مشغول الآن ، بترتيب أوراقه العراقيّة مع إتمام انسحاب المحتلّ الأمريكي نهاية العام .

2 ــ ساحة شبه الجزيرة العربيّة : إنّ الوضع المشتعل في اليمن يشدّ إليه هؤلاء ، حيث تتوفر البيئة الحاضنة لهم ، وظرف تداعي تأثير مركزيّة الدولة على أطرافها ، خاصّة الأقاليم الجنوبيّة ، وفي الشمال يتربصهم الحوثيون بوضعهم الخاص ، مما يجعل من الفصيل اليمنيّ في حال " اكتفاءٍ ذاتيٍّ " بمشاكله ، وأمّا الفصيل السعوديّ فقد أنهكه ـ آنيّاً ـ الصراع مع عسس الأمير ( محمّد بن نايف ) ، وقد دُجِّن بعضه ، إلاّ أنّه من غير المعروف عن الأمير ( محمّد بن نايف ) ميلاً تدخليّاً في الشأن السوريّ ، كبعض آخرين ، كالبندرييّن مثلاً .

3 ــ ساحة الخليج : وأكثرها شهرة نسبيّاً في هذا المجال ( الكويت ) حيث التيّار السلفيّ ومنابره ، ومع ذلك فمساهمة هؤلاء تمويليّة وميديويّة ، ودعائيّة ذاتيّة موجهة للمسيّس من الكتلة الناخبة في الكويت ، أو حيث لا انتخابات ولا من يحزنون ، تصبح لإرضاء نرجسيات متورمة ، أو دفعٍ لمخاوف من جارٍ ، وقد عاينّا بعض نماذج نشاطاتهم على الجانب التركيّ من الحدود .

4 ــ الساحة اللبنانيّة : إنّ الخطورة في تلك الساحة تكمن في كونها امتداد جيوـ ديموغرافيّ للداخل السوري ، خاصّة التداخل المذهبيّ ، ووجود تيّار طائفيّ سياسوي (المستقبل) معادٍ للحكم في سورية ، تدعمه وتموّله دولّ "عربيّة" نفطوـ غازيّة ، ويرتبط ـ وتيار 14 آذاره ـ بالتوجيه والأمر اليومي للسفارة الأمريكيّة في (عوكر ) ، تلك السّاحة من ( لبنان ) ، والمقتصرة ـ فعليّاً ـ حتى الآن على بعض شماله في منطقة الجوار من ( محافظة حمص ) السوريّة ، تشكّل واقعاً متفجِّراً للبنان كما لسورية ، بالنظر لمعقّد الواقع اللبنانيّ الذي يعرفه الجميع ، ومع كلّيّة عدم الإستهانة بالخطورة ـ مهما ضؤلت ـ لتلك الساحة ، فإنّ المعرفة المعروفة للأمن السوري بها ، ووجود تيّار لبنانيّ عريض صديق لسوريا ، والتجاوب اللبنانيّ الرسميّ ( على لسان ابن طرابلس ، الرئيس ميقاتي ) ، يقزّم الخطورة إلى حدودٍ ضيّقة ، محدودة الفعل وتأثيره ، ويجعل اندراج تهويله في عدّة الحرب النّفسيّة أقرب إلى المنطق المسؤول .

5 ــ الساحة المصريّة : لم يعد للجماعات الإسلامويّة العنفيّة من وجود فعليٍّ في تلك الساحة منذ عقد الثمانينات من القرن الماضي ، وإنْ ترددت أسماء بعض أفرادها ــ الرموز في بعض الساحات الخارجيّة ( أفغانستان ، العراق ... ) ، إلّا أن مباشر خطرها غير موجود ، فضلاً عن أنّ المخاض السياسيّ في مصر يستهلك جهد الجميع في البحث عن التموضع ، وقطف موسم المواقع المتخاطفة التي وفّرها الواقع السياسيّ الرّجراج للشارع المصري منذ تنحية الرئيس المصريّ المخلوع ( حسني مبارك ) .

6 ــ الساحة الشرق أفريقيّة : يتزعّم الوضع الصوماليّ حالة اضطرابها ، بنشاط تنظيم ( شباب المجاهدين ) الباحث عن المدد والأنصار ، في واقع الصوملة التي أصبحت حالة مدولنة ، واشتباك إقليميّ دولاتيّ شرق افريقي ، مما يستبعد امكانيّة تصدير المقاتلين الإسلامويين من تلك الساحة المستورِدة !!! .

7 ــ ساحة الشريط الجنوبيّ للشمال الأفريقي ، حيث تنشط جماعات ما يعرف اختصاراً بـ آكمي ( القاعدة في المغرب الإسلامي ، الترجمة العربيّة لـ : Al-Qaida au Maghreb islamique ) ،فإنّ عملها يقتصر على الساحة المشتق منه اسمها ، خاصّة وأنها منشغلة الآن بمغانمها " الليبيّة " في الواقع الحالي المضطرب للوضع الليبي .

8 ــ الساحة المغاربيّة : ليس من خطورة ملحوظة أو محتملة لساحات ( الجزائر أو المغرب أو تونس ) في تصدير المقاتلين الإسلامويين إلى سورية ، ليبقى الواقع الحالي للساحة الليبيّة مجال الأخذ والردّ وحديث الساعة الميديويّ ، خاصّة بعد الإعتراف اليتيم الناتوي ( المجلس الوطنيّ الإنتقاليّ ) الليبي ، بشبيهه الإسطمبوليّ ( المجلس الوطنيّ السوريّ ) ، والقصص الخرافيّة الطرزانيّة لـثورجيّة ( طرابلس ) الفاتحين لخيمة ( القذافي ) ، في ثكنة ( باب العزيزيّة ) المدمّرة بقنابل قاذفات الناتو ، لا بالسلاح الفردي والخفيف للثورجيّة الأبطال !!! بقيادة الرّامبو ( عبد الحكيم بلحاج ) الملمّع ميديويّاً ، بكليّة حضوره المكانيّ !!! ، توقيفاً معلناً في المطارات الليبيّة من قبل فصيل ناتويّ آخر ، إلى إعطائه " اسماً حركيّاً " جديداً في معسكرات التدريب للفارّين السوريين على التراب التركيّ ، وصولاً إلى التهديد بقيادته لأحد " فراديس المجاهدين" المتربصة على الجانب التركيّ من الحدود ( السوريّة ـ التركيّة ) !!! ، في تهويلٍ كاريكاتوريٍّ للبطل الخرافيّ الأسطورة !!! مما يجعل الإدانة للدور التدخليّ التركيّ أكثر رسوخاً على قاعدة "" وشهد شاهد من أهله "" ، ويبقى منطق الأمور ناطقاً : أنّ المدعو ( عبد الحكيم بلحاج ) يقبع حارساً لمكافأته ـ الحصّة من فتات الحكم الليبيّ ، وكعكتة المتناهشة بين الفصائل المتصارعة على الساحة الليبيّة ، وبالتالي فالتلويح به لا يعدو فعل وفعاليّة شهر سلاحٍ خلبيٍّ في لحظة جديّة لا تحتمل المزاح ، ولكنّها بروباغاندة الحرب النفسيّة وبعض ألاعيب توظيفاتها المكشوفة ، التي تؤكّد شيئاً واحداً ، هو انتهازيّة السياسة التركيّة ، ورخيص ماكيافيلّية وسائلها ، وتهافت أخلاق توسّلاتها . من هنا ولكل الوقائع أعلاه ، من أسباب ومعطيات وأهداف ،يبقى لثلاثيّ المسرح السياسيّ التركيّ الحالي ( آردوغان ـ اوغلو ـ غول ) قصب السبق في احتماليّة الذهاب بالأمور إلى الهاوية ، لا حافتها فقط ، بالدّورالذيليّ التدخليّ للسياسة الانتهازيّة التركيّة ، في إذكاء أوار الأزمة السوريّة ، فهل ينتصر منطق التعقل والواقعيّة السياسيّة ، على الحماقة ومنطق المغامرة اللامسؤول ؟ !!! إنهما لفي مراهنات وسباق محموم ، فلننتظر مقبل الأيام الحبلى ( بما لم تُعلمِ ) .... ومرّة أخرى ، أونملك غير الإنتظار ، ولو القلِق المتوجّس ؟ !!!


الحقيقة والدعاية في مكرور تسريبات تسلل ( المقاتلين الإسلامويين ) إلى السّاحة السّوريّة ج ( 2 ) :

بين هادئ القراءة السياسيّة ، وتعبويّة الحرب النفسيّة الملازمة لآنيّة الحدث السوري ، الصاخب ميديويّاً بلا سابقة مماثلة ، تصبح مسؤوليّة الكتابة عناقاً لحدِّ السكين ، ومع ذلك ففي الجزء الثاني هذا ، يستكمل المقال رؤيوية استعراضه للباقي من الحدود السورية ، مع الجار التركيّ في الشمال ، والشقيقان ، العراقي في الشرق ، واللبنانيّ في الغرب ، بعد أن استعرض الجزء الأوّل شواطئ المتوسط السوريّة ( ما عدا شواطئ لواء الإسكندرون المحتلّ من قبل تركيّا منذ عام 1939 ، قبل تاريخ الإستقلال السوري بستة أعوامٍ ونيِّف ) ، وخطّ المواجهة مع الكيان الصهيوني في الجولان المحتلّ ، والحدود " السايكس ــ بيكويّة " ( الأردنيّة ــ السورية ) .

ثالثاً ــ الحدود ( السوريّة ــ العراقيّة ) : وهي أيضاً حدود تسوويّة بين الإنتدابين ، الفرنسي على سورية ، والبريطاني على العراق ، آخذة في اعتبارها جملة معطيات ومصالح ، ليس أقلّها نفط ( الموصل ) المكتشف ـ بريطانيّاً ـ أيّامها ، لا كمصدر طاقة وتطوير صناعيٍّ فقط ، بل كسلعة استراتيجيّة حاسمة الدّور في إدارة عجلات الحروب ، وخاصة تحرّكات أساطيلها في أعالي البحار ، بعد تراجع عصر الطاقة الصلبة ( الفحم الحجري ) لأسباب متعددة من بينها الصعوبات اللوجستيّة من تخزين ونقل و .... ، ومحدوديّة السرعة التي تسمح بها طاقته للسفن المعتمدة عليه .... إلخ ، والذي لعبت شركات النفط دورها الحاسم في لفت نظرالسياسات الإمبراطويّة للحكومة البريطانيّة وقراراتها ، ومنها ما يتعلّق بموضوعنا من ضمّ ( الموصل ) إلى منطقة الإنتداب البريطانيّ في بلاد الرّافدين ، مبادلة مع ( لواء دير الزّور ) الذي أصبح جزءاً من بلاد الشّام الموضوع تحت الإنتداب الفرنسيّ ، بتوافق ورضى الإنتدابين ، تطبيقاً للمشؤومة اتفاقيّة ( سايكس ـ بيكو ) الأشهر وملحقات تنفيذها ، وككلّ الحدود التي فرضتها مصالح الغرب في وطننا العربيّ لم تُعِر اهتماماً للتواصل السكانيّ عبرها ، إمّا لقصور المعيار الأوروبيّ في ترسيم الحدود ، وهذا احتمال !!

أو للجهل بالعمق التّاريخيّ للمنطقة والتعامل معها كتشكلات "" قبل ــ أمّة "" وكإفرزاتٍ ركود مجتمعيّ من ظلاميّة قرون أربعة من تسلطّ العثمانيّ المتخلِّف ، وهو الأرجح ، وهنا نجد الحالة الديمغرافيّة ذاتها على الحدود الأردنيّة ــ السورية ، مع بعض خصوصيّات مستحدثةٍ من نتائج تطوّر وضع سياسيٍّ ، سوريٍّ ـ عراقيٍّ معقّد ، منذ قيام عهد الحكم الهاشميّ في بغداد وإلى يومنا ، لكنْ يبقى الأكثر حسماً في تلك الخصوصيات هو ماطرأ عليها " نوعيّاً " ، وأقرّته الوقائع " موضوعيّاً " منذ الغزو الأمريكيّ للعراق واحتلاله عام 2003 وهو ما سيتوقف عنده للصلة المباشرة بموضوع المقال :

آ ــ بيّنت أهداف الغزو الأمريكي للعراق أنّ احتلال ( بغداد ) هو مقدمة لاحتلال ( دمشق ) ، وأنّ احتلال ( بغداد ) لن يصبح ناجزاً مستقراً إلا بوضع ( دمشق ) في عين عاصفة الإستهداف الأمريكي وحلفائه "" بنود ورقة كولن باول ــ الإنذار خلال محادثاته في دمشق بعد إسقاط بغداد واحتلال العراق "" .

ب ــ ترسّخ اليقينيّة في ( دمشق ) ، أنّ خطّ الدفاع الأوّل عنها أمام الهجمة الأمريكيّة الشرسة ، بما يترسم عليه ويسمه ، من نقطة بداية حسم المستقبل " الجيوــ استراتيجيّ " للمنطقة ، إنّما يتأسس في ( بغداد ) المقاومة ، المحتضَنة ، لا عربيّاً تحرريّاً فقط ، بل وإقليميّاً مشارِكاً أيضاً ، للجم اندفاع المشروع العدوانيّ الأمريكيّ في مرحلته الأولى ، وهزيمته في نهاية المطاف .

ج ــ تأكد الارتباط والترابط بين المشروع الغربيّ ، والأمريكيّ بالخاصّة ، مع امتداده الصهيوني لإنجاز ( الشرق الأوسط الجديد ) ، الطبعة المنقّحة المعولمة للمشروع فوق ــ الإمبرياليّ لإدخال منطقتنا ، ونهائيّاً كما خططوا !!! ، إلى بيت الطاعة الأمريكيّ وإغلاق الباب عليها بقفلٍ صهيونيٍّ محكم .

مما سبق أصبحت الحدود السوريّة ــ العراقيّة تحت مجهر الرقابة والمراقبة ، والحسابات الأمنيّة قبل العسكريّة ، السوريّة قبل الأمريكيّة ، مما جعل اجتياز تلك الحدود ما كان ليمكن إلا إرادويّاً ، بتعاونٍ سوريٍّ رسميٍّ ، غير معلنٍ ، مع بيئةٍ حاضنةٍ مقاوِمة ، تلك المراقبة الأمنيّة النّامية من الجانب السوريّ ، يضاف إليها إرادة سياسيّة عراقيّة ملائمة ، ومتعاونة حتى قبل إنجاز الإنسحاب الأمريكيّ أو اندحاره عن ( بغداد ) ، يجعل من تسلل ( المقاتلين الإسلامويين ) وعنفهم عبر الحدود مسألة فيها نظر ، وتندرج تسريباتها المتكررة في إطار لغة التهويل ، والحرب النفسيّة المدروسة ، والمسعّرة التوظيف والدور في تنفيذ السياسات التدخليّة في الأزمة السّوريّة ، فإذا أضفنا معطيات معادلات السياسات الداخليّة في العراق وأطرافها ، وارتباطاتها الإقليميّة وحساباتها ، نجد أنّ لحظة انجاز الإنسحاب الأمريكي من العراق ، حتى نهاية العام ، تملي على تلك المعادلات إضافتها الوازنة ، وبالتالي يدخل الجميع ، بمن فيهم ( المقاتلون الإسلامويون ) ، وربّما بعنف استنفاريّ ، إلى بيادر محصولها ، وإذاً فهؤلاء ، إنْ كان وجودهم مؤثر ، فهم مشغولون بساحتهم ، وفيها من يتكفّل بهم ، مما يقزّم خطرهم على الساحة السوريّة إلى بُعدٍ نقطيٍّ لا منظور أو بالكاد ، وأمّا البيانات ووسائل الميديا بيدهم ، وصفحات تويتر وفايسبوكهم ، فلا تزيد قيمتها عن تأثيرفعل افتراضيّ في واقع رغبويّ متخيّل ، إنّها الحرب النفسيّة ، ولمن يفكّ كودها لا تعني أكثر من مدّ لسانٍ في الهواء .

رابعاً ــ الحدود ( السوريّة ــ اللبنانيّة ) : هنا يقف المرء وتأخذه الحيرة ، لهذا الإسم بلا مسمّى !!! فأين هي تلك الحدود اللامحددة واللامنجزة الترسيم ؟ !!!

وهل يكفي الصراخ المناسباتيّ الشعبوي ، للتوليفة الوظيفيّة لتيّار الـ ( 14 آذار) اللبنانيّ ، لكي تصبح الأمنيات وقائع ؟ !!! أوليست الحدود ـ أولاً ـ احترام يسكن النفوس ، قبل تحديد الأرض بحفر الفؤوس ؟ !!! وفوق ذلك ،أوليست كلّ تلك الهمروجات الشعبويّة من طرابلس إلى الى البقاع ، إلى كلّ الألسنة الجغرافيّة والديموغرافيّة اللبنانيّة الممتدّة والمعشّقة في الخاصرة السوريّة تنطق بما لا يرغبه المهمرجون ، من حقائق تاريخيّة ناطقة أنّ لبنان أصبح كبيراً بطرابلس والأقضية التي ' نهشها ' ( غورو ) من الجسد السوري لتصبح متصرفية الجبل لبنانكم الكبير ؟ !!! ثمّ لماذا ترتفع عقيرة فرقة الزجل السياسيّ الـ ( 14 آذاريّة ) اللبنانيّة وملحقاتها ، بأنشودة الحدود !!!لمجرّد الشكّ أو الزعم باجتيازٍ عرضيٍّ للحدود المفترضة للقوات العربيّة السوريّة ، ولا يرتفع صوت ناقد للممارسات التدخليّة الفتنويّة الملحّنة والمغنّاة من ذات الفرقة ؟ !!!

أم أنهم يريدونها إضافة حدوديّة ، طقوسيّة طوطميّة ، هم وحدهم لها الكهنة ، ولقدسيّة أسرارها هم المالكون ، فلهم وحدهم ، ووحدهم فقط ، حقّ اجتيازها ولمن للعبور يرخّصون ؟ !!! وإذاً فتلك الحدود مازالت اتفاقيات قانونيّة ورقيّة ، لا واقع رسمٍ يؤكدها ، وليس لها من سندٍ ماديّ ، فضلاً عن ليّها حقيقة التاريخ وتجاهلها لغة المكان وديموغرافيّة إنسانه ، فلنسمها إذاً بالتخوم اللبنانيّة ــ السوريّة ، تماماً كتلك التي بين مزارع الأخوة ، أو الجيران ، فهو أقرب إلى توصيف الواقع ودقّة تسميته .

فهل من احتمال لتصبح تلك التخوم مسرحاً للسلاح المهرَّب وتجارته ، ومسرباً لتسلل المسلّحين بكل أصنافهم ، لا العنفيين الإسلامويين فقط ، بل لأصناف المجرمين ، والمغامرين المرتزقة المأجورين ( ولمَ لا ؟ !! بوجود الدافعين الممولين ) ، إلى قلب الدّاخل السوريّ وبؤر أزمتة ؟ !! الواقع المعاش يجيب "" بنعم "" ، وبالتالي تصبح معالجة الواقع المقلق والخطر في تلك التخوم مهمّة أمنيّة من الدرجة الأولى ، للجم تهديد السلام المجتمعيّ بعمومه ، لا في سوريّة فقط ، بل وفي لبنان الهشّ أصلاً بتناقضاته البنيوية الكيانيّة التي يعرفها الجميع ، مما يحتّم عملاً سوريّاً ــ لبنانيّاً مشتركاً ، وجهداً ثنائيّاً يضع موضع التطبيق الإتّفاقيّات الثنائيّة ذات الصلة ، ويضع الخطط الملحّة ، لا لمعالجة الأزمة السوريّة الحاليّة فقط ، بل ولكلّ طارئة شبيهة على التخوم بين البلدين .

فمكمن الخطورة هنا لا يمثله كمّ ( العنفيين الإسلامويين ) فقط ، وهو محدودٌ أصلاً لأسباب لمّحتُ إليها وسأحاول حصرها لاحقاً ، ولكن لجوالتهييج الأهلويّ ، والتجييش المذهبوي ، وسياسات الثأريّة القصيرة النظر ، والتبعيّة المسيَّرة بلا أقنعة ، وتأجير القلم والبندقيّة ، في زفّة وظيفيّة الدّور، تتعدى هنا تهويش الحروب النفسيّة على المحمول المعنويّ ، إلى مباشرة التخريب الماديّ الفعليّ ، بجعل تلك التخوم منصّة لوجستيّة لإطلاقٍ قذائف الفوضى والأفعال الهدّامة ، وقاعدة خلفيّة لجبهات الدمويين المتنقلة ، وبأسماء حركيّة " ثورجيّة " لا ينقصها التلميع وجوقات المبررين ، ولكنْ وبضرورة الديناميّة في ساحة الفعل وبيئته ، فلن يستمر أثره عابراً للتخوم في اتجاه واحدٍ نحو سوريّة دائماً ، بل سيأخذ سياق فاعليّته المؤثرة في الإتجاهين ، ولو بتفاوت المواقيت .

خامساً ــ ( الحدود السّوريّة ــ التركيّة ) : هنا ، حيث يلتقي التّاريخ بجدليّة بنيويّته وخلاصة عِبرته ، مع الديموغرافيّ بخصوصيّة تموضعه ، مع السّياسيّ في ديناميّتة ، بتذبذبه وتغيّره ، وحتى انقلابيّته وتقلبه !! ، و ما يترتب على كلّ ذلك من نتائج ، ترسم مسارات إلى مآلات ، تُصدّق واقعيّة معادلاتٍ وتسقط وهم رغباتٍ وحالم أمنياتٍ ، مما سيكون موضوع الجزء الثالث من المقال :

( يتبع ) .

الثلاثاء، 6 ديسمبر 2011

الحقيقة والدعاية في مكرور تسريبات تسلل ( المقاتلين الإسلامويين ) إلى السّاحة السّوريّة ، بين هادئ القراءة السياسيّة ، وتعبويّة الحرب النفسيّة ( ج 1 )

من قلم : د .منير وسّوف القوي




المتابعة اليوميّة المستمرّة لتطوّرات الحدث السوريّ ، والرصد المواقفيّ المجرّد لمختلف أطرافه ، الرئيسيّ من لاعبيه الفاعلين ـ واقعاً ـ في صناعة حدثه على الأرض ، أو الطرفي الثّانويّ الملحق ، وبأوامر" غرف عمليّات " تدير الجانب " الدعائيّ ـ الدعاويّ ـ الميديوي ـ البروباغاندي " ، يسمحان باستخلاص نتائج ، تتراوح في موضوعيتها بين :


ــ التقزيم المستهتِر المستهزِئ المستخِفّ ،


ــ و التهويل المضخَّم ـ المضخِّم ( بالفتح والضمّ ) ، مجافياً في كلا التّطرّفين ، صفة الموضوعيّة ، في التّعامل مع الحدث السّوري ، ودّقة خصوصيّاته التي يستحيل تجاهلها ، أو القفز فوق واقعها الفارض واقعيّة ضرورة الإمساك بكلّ خيوط تجاذب وتنافر ، اشتباك وتشابك ، جميع المعطيات ـ المؤثّرات ، المتعددة المشارب والأهداف ، وتحديد نسبيّة فعلها وفاعليّتها في صناعة الحدث السوريّ بامتياز خصوصيّة تمظهره ، فضلاً عن امتداداته العضويّة ـ إقليميّاً ودوليّاً ـ وانعكاساته الحتميّة ، جيوـ استراتيجيّاً ، على الإقليم وبلدان الحوض المتوسطيّ بالخاصّة ، وبالضرورة على كليّة بنيويّة التوازن الدوليّ ومرتكزاته ـ المسلّمات ، منذ طيّ صفحة " الحرب الباردة " ـ كما اعتُقِد وشُيّع ـ منذ بداية العقد الأخير من القرن العشرين ، والتي ، يبدو اليوم ، أنّها لم تكن إلاّ هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفاس في نواة المعسكر الذي أُعلنت هزيمته ( الإتحاد الروسيّ ) ، وانكشاف نواقص النصر بارتكاب صاحبه ( الولايات المتحدة الأمريكيّة ) من أخطاء إدارويّة قاصرة ، وخطايا سياساتٍ امبراطوريّةٍ حمقاء وقاتلة ، تتساوى في ذلك الإدارات الجمهوريّة والديمقراطيّة ، مما لم يُطح بالنصر الناقص فقط ، بل جعله انتصار خادع وافتراضيّ مفترض ، يتطلب تكريسه واقعاً ، خطوات تكتيكيّة ،واستراتيجيّات ـ مشاريع مطبقّة ، من الجانب الأمريكي ، والتي ، يبدو اليوم ، أنها لم تقدْ مطلقاً إلى بلوغ هدفها الموضوع ، بل بالعكس تماماً ، فقد قادت الولايات المتحدة الأمريكيّة ، أولاً ، " لا " لإضاعة هدف إنجاز النّصر الناقص فقط ، أو بشارته على الأقلّ ، بل وضعت نفسها ( الولايات المتحدة الأمريكيّة ) ومعها العالم كلّه ، تالياً ، في خضمّ عاصفة أزمة انهيارات ماليّةٍ ، وركودات اقتصاديّة ( لا أزمات فقط ) ، وسياسات تدخليّة عدوانيّة ، ومنها ــ وفي بعض وجوهها الأبشع ــ ، سلوكيّات تآمريّة مافيوية ، وإجراميّة مخزية ، لا تليق بأخلاقيّات دبلوماسيّة دولة عظمى مسؤولة ، بل ولا تنحطّ إلى سويّاتها سياسة دولة مارقةٍ بحصريّ التعريف !!


هذا البسط للسياسات الأمريكيّة اقتضاه وحمل على ابرازه ما تلعبه سياسات تلك الدولة ، ومراكز دراساتها وأبحاثها ، وأنشطة مخابراتها وعملائها ، ومثقفوا " مارينزها " ، وحديثاً مثقفوا " أُوتانها " من كبير الدّور ، بل مركزيّته وقياديّته في ( الحرب النفسيّة ) المستعرة ضدّ سوريّة ، شعباً وجيشاً ونظام ، وعلى الجميع ، موالاة ومعارضة ، وخاصّة المعارضة النظيفة ، وبلا تكافؤٍ ـ لا إمكانيّاتي ولا تخصصي ، ولا لوجستيٍّ تعبويّ ممنهج ، وكلّه حقائق لا يفيد فيها التجاهل الإنتهازيّ ، ولا الإنكار السياسويّ المرضيّ ، بل يقود إلى المزيد من الأذيّة الواقعة ــ مع سبق التّرصّد والإصرار ــ ليصبّ ، ولو عفويّاً سذاجويّاً ، أو عمداً تواطئيّاً ، في طواحين مسببيها ، ويزيد رافد سلبيّ " النكران " المكابر ، لنفيّ القصور الماديّ المنطقي المفهوم ، أوالتقصير الحقيقيّ اللامُبَرَّر القائم في استثمار وتوظيف المتاح ، إلى روافد أسبابها .


من تلك الزّاوية ، تصبح القراءة السياسيّة للتسريبات المترددة لتسرّب ( المقاتلين الإسلامويين ) إلى السّاحة السّوريّة ، ونتائجه الحسمويّة !! والتغييريّة النوعيّة !! ، ضرورة منطقيّة ، وحاجة موضوعيّة ، لاتُخرجها من بعدها " التعبوي " في سياق الحرب النفسيّة المشرعة التسعير والسُعار ، ولا تخرج بها عن واقعيّة التحليل ، في محاولة وضع النقاط على حروفها ، فلا تخطئ القراءة بحَوَل منهجيّ ، ولا ينتصرغرضيّ التضليل بإحلال مكان الواقع الفعليّ آخر افتراضيٍّ قصدويّ التوظيف .


فهذا التسرّب الماديّ للمقاتلين سيكون بلا جدال عبر الحدود السّوريّة البريّة ، فليس المعروف عن هؤلاء ( المقاتلين الإسلامويين ) مهارات ( عيسى العوّام ) ، فضلاً عن عقباتها ، التي ليس آخرها يقظه سلاح البحريّة السوري ، بحكم حالة الحرب القائمة مع العدوّ الصهيونيّ ، ومهمّة الجيش السوريّ الدائمة في المواجهة المفتوحة على امتداد الجبهات ، ومنها " الجبهة البحريّة " بمفردات التعبويّات الحربيّة وتسمياتها .


وإذاً تبقى الحدود السّوريّة البريّة طريقهم إلى الدّاخل السّوري ، ولئن كان لا يجب التقليل من خطورة تلك الظاهرة ، مهما ضؤل شأنها ، فإنّه بالمقابل لا يجب التهويل بتأثيراتها ومنعكساتها على مسارات الحدث السوري واحتمالات مآلاته ، فليس هؤلاء المقاتلون الإسلامويّون كلّاً واحدًا متجانس ، وليسوا جيشاً مغوليّاً عرمرماً ، فليكنْ لهم حسابهم ، ودقّة تقدير تموضعهم ، وحقيقة قوتهم بلا بروبّاغاندات ، لتجنّب الإنزلاق إلى الرغبويّة ، ومن كلّ الأطراف اللاعبة لذاتيّة أغراضها المختلفة والخلافيّة في الأزمة السوريّة الملتهبة ، والدّالفة إلى شهرها التاسع دون وضوحٍ في تحديد ، لا تاريخ الولادة ولا جنس المولود !! فالكل لا يتقيّد بالمواعيد المعلنة فتتغيّر " روزماناتها " ( تقاويمها ) ، ويبقى جنس المولود أمنية لا حقيقة واقع ، والمشكلة تكمن في أنّ يكون قد أصبح مشوَّهاً بمديد الحمل المتعسِّر ، وباختلاف اجتهادات وكفاءة " القابلات " المتنطعات لرعايته وتحديد تاريخ الوضع المنتظر بلهفةٍ ، ومن الجميع ، ولكلٍّ رغبويته ومصالحه ، الأهل المزعومون قبل الحقيقييّن ، والأباعد قبل الأقارب والجيران ، وخاصّة العدوّ الشّامت على عتبة الدّار ومنتهك " جولانها " :


لذلك سأبدأ بجبهة المواجهة " السّوريّة ـ الصهيونيّة " ، لتكون الخاتمة بالحدود الطويلة " السوريّة ــ التركيّة " التي انتقلت بسرعةٍ " انقلابيّةٍ " سياسيّة ، خلال بضعة أسابيع ، إلى نقيضها على امتداد عقد من الزمن !!! :


ــ أولاً : جبهة المواجهة السّوريّة ـ الصهيونيّة :


منذ عام 1974 ، وبعد ( اتفاقيّة الفصل ) بين القوات المتحاربة " السورية ـ الصهيونيّة " في أعقاب ( حرب استنزاف ) سوريّةٍ مديدةٍ ، تلت ( حرب 6 تشرين 1 ـ أكتوبر ) لعام 1973 ، فرضت على الوسيط الأمريكي الكيسنجري التدخل ، لإنجاز تلك الإتفاقيّة على الباقي من الجولان المحتلّ برسم خطوطٍ لوقفٍ إطلاقٍ للنار على الأرض ، وعلى جانبي منطقة عازلةٍ بين المتحاربَين ، إذاً إنّها منطقة عسكريّة ممسوكة لا تسمح بتسللٍ ، ولو تمنى الصهيونيّ ذلك أو أراده ، أو وُجِد من الإسلامويين البراغماتيين المرتبطين من يقبل بذلك مسلك ، وهم قلّة على كلّ حال .


ــ ثانياً : الحدود السوريّة ــ الأردنيّة :


إنّ الشارع الأردني المشدود ـ بشبه كليّته ـ إلى القضيّة الفلسطينيّة بحكم واقعه البنيوي الديمغرافي والتاريخي ، والذي جعل اتّفاقيّة ( وادي عربة ) وثيقة " تواطؤٍ فوقيٍّ " بين نظامين حاكمين يتبادلان الخدمات ، يجعل من الشعب الأردنيّ ، بغالبيّة تياره المسلم المسيّس " حمساوي الحراك " على الأرض ، وإنْ بقيت أدبيّاته السياسة وبياناتها تزخر بالدّعويّة والتعاطف والدّعاء بالنصر والسؤدد لـ ( ثوّار " الجمعات " ونداء : تكبير ...... !!) ، أمّا قواه القوميّة والوطنيّة ، فقد أصبح موقفها ـ بالمجمل ـ واضحاً من الحدث السوري بالقلم والوفود والتجمعات الداعمة لسوريّة الرسميّة ، وصل بعضها ، في واضح تعبيريّته ، إلى عراك بالأيدي على الشاشات !! ، ويصل المجتمع الأردنيّ لعيش الحدث السوريّ أكثر كلما اقترب من الحدود " السايكس ـ بيكويّة " بين الأردن وسوريا ، حيث تصبح الديموغرافيّة واحدةً عابرةً للحدود ، والأزمة السوريّة تنوء بكلكل إيقاع يوميّاتها على الواقع المعاش ، فالمشاكل وآثارها لا يمكن لجمها في الجانب السوريّ خلف الحدود ، وما حصل من اضطرابات عاصفةٍ في ( الرمثا ) ، بسبب تجارة السلاح وتجّاره وسماسرته أجبر الحكم الأردني للإسراع إلى الزّج لا بالقوى الأمنيّة المدعّمة فقط ، بل بالجيش ودباباته للإمساك بالشارع وضبطه في منطقة مثلثٍ حدوديّ أردني ــ سوري ــ فلسطيني ( حيث الكيان الصهيوني الغاصب ) !!!


كلّ ذلك والحكومة السوريّة لم تبد رد فعلٍ محدد ، أوتتقدّم بأيّ طلبٍ معلنٍ إلى الحكومة الأردنيّة !! فكيف إذا أُخذ بالإعتبار الأمور التالية :


ــ إنّ الحدود السوريّة في ذلك المثلث هي امتداد لجبهة الجولان وعمقها ، وطريقها إلى دمشق العاصمة ، وتتمركّز في تلك المنطقة ، وجوارها الحورانيّ ، فرق من الجيش العربيّ السوريّ وأمنه منذ العام 1948 .


ــ أنّ سكّان الجانب الأردني من الحدود يعتمدون اقتصاديّاً ، وبعضه تهريب لا شرعي " أحياناً مسكوت عنه " ، وحتى في معاشهم اليوميّ يقصدون السوق السوريّة .


ــ مثلت سوريّة للأردن دائماً مصدر معونة أخويّة ــ واجبة لا متوجّبة ــ من الماء والدواء إلى القمح واللحوم ، وتلك حقيقة تُستدعى لا " لِمَنٍّ " أبداً ، ولكن للإشارة إلى واقع واجب اقتسام الرّغيف بين الإخوة ، في لحظة انهيارِ أخلاقٍ وقيمٍ سمحت بالخوض ــ ولو افتراضيّاً ــ في سود سيناريوهات التآمر من الأخ على أخيه ، وطعنه في الظهر، وشهر سلاح الغدر عليه !!! .


ــ وجود آلاف الطلاب من الأشقاء الأردنيين في الجامعات الرسميّة السوريّة " المجّانيّة " ، في حين يدفع الطلاب السوريون باهظ الأقساط في جامعات الأردن ، فالأردن رابح مرتين !!! .


ــ تجارة الترانزيت ، ونافذة الأردن الحقيقيّة لتجارته البحريّة ، طريقها الفعليّ عبر سوريّة ، ولا بديل في المستقبل المنظور .


لكل تلك الأسباب ، بين أُخرى ، ومنها ـ خاصّةً ـ الطبيعة الجيوـ ديمغرافيّة للبادية السورية في الباقي من التواصل السّوريّ ـ الأردنيّ ، فإنّ الحدود " السوريّة ــ الأردنيّة " تفقد كل إغراءٍ عمليٍّ لتسلل العنف الإسلامويّ المنظّم الفعّال إلى الأزمة السوريّة ، وأمّا التسلل الفرديّ فيبقى معزولاً ولا يعوّل عليه .


في الجزء الثاني يستكمل المقال رؤيوية استعراضه للباقي من الحدود السورية مع الجار التركيّ والشقيقان العراقي في الشرق ، واللبنانيّ في الغرب .

( يتبع ) .




السبت، 3 ديسمبر 2011

الفخ السوريّ المحكم والخطيئة التركيّة القاتلة : لعلاقات السورية ـ التركية والأمن القومي العربي ج ( 8 ) :

من قلم : د.منير وسوف القوي


في الحقيقة ، أوحت نهاية المقال لي بهذا العنوان ، فاعتمدته مع محافظتي على كامل المقال كجزءٍ في سلسلة مقالاتي المعنونة بـ : العلاقات السورية ـ التركية والأمن القومي العربي ج ( 8 ) :

كان السؤال ـ المدخل إلى الحلقة السابقة ــ ج ( 7 ) ــ : ( أيّتها السياسة التركيّة المستجدّة منذ بداية الأزمة في سوريّة ، لماذا تنكئين الجراح ؟ !! ) ، مع وعدٍ بالعودة إلى الجرح المقيم ، لا الملتئم على زَغَلٍ وصديد فقط ، جرح ( لواء الاسكندرون السليب ) وبعض إقليم ( كيليكيا ) ، وقد حال التسارع المتصاعد للحدث السوريّ المشتعِل ، وفي معظمه تصعيد متعمّد ــ كما أصبح واضحاً ــ ، بلعب كلّ الأوراق ، من قبل كلّ الأطراف ، داخليّة وخارجيّة ، لا تحت الطاولات كما هي الحالة عادةً في الغالب المعهود ، بل أصبح اللعب وبالأوراق المكشوفة ــ بلا حتى محاولة إخفاءٍ أو مداراةٍ ــ فوق الطّاولات المنكشفة السّترة ، بسقوط الستار وافتضاح المستور من الأمور ، في معظم جوانب الحدث المأساويّ ، الذي يجتازه المجتمع السوريّ وشارعه المضطرب ، بأسبابه وتفاعلاته ، بشكل واختلاف ــ بل وبتضادّاتٍ ــ في تطوّراته ، وإشكالات التدخليّة المتناقضة في سياقاته باتّساقٍ طرديٍّ مع تضارب مصالح الأطراف المتدخلة في مساراته ، مما لا يتسع المجال لاستعراضها وعرضها في متن مقالٍ ، تحكمه وتفرض ضغطها على قصديّته ملاحقة تطوّرات " الحدث ـ الموضوع " العلائقيّ السوريّ - التركي ، من وجهة نظرٍ راصدةٍ محلِّلةٍ للعلاقات السورية ـ التركية وانعكاسات التطورات في سياقاتها ـ إيجابيّاً أوسلبيّا ـ على الأمن القومي العربي بالخاصّة ، بدايةً ، وبالمجمل على أمن الإقليم وأمن المجتمع الإنسانيّ بالمحصلة النهائيّة ، مما يجعل السؤال ـ المدخل إلى المقال الحاليّ ينتقل بعفويّةٍ ، ويتطور من لغة العتب والمرارة ، في " السؤال ـ المدخل " السابق ــ مع شبه يقينيّة معرفة الجواب ، إلى لغة التشكّك والإتّهام الفارضة نفسها ، بقوّة منطق الواقع وتأزّم معطياته ، ليصبح صريحاً : أيّتها السياسة التركيّة المستجدّة ، منذ بداية الأزمة في سوريّة ، لماذا ، إلى أين ، ولمصلحة من تصعدين ؟ !!
أمّا لماذا :

فالجواب بسيط ، لعّل ( ما أحلى الرجوع إليه ) ـ مع عظيم الإعتذار من شاعرنا الكبير (الأستاذ نزار القبّاني ) ـ تختصره ببلاغةٍ شعريّةٍ رؤيويّةٍ ، صحيحةٍ في لغة السياسة ، بذات القدر من الصّحة في قصيدة العشق ولوعة الهيام ، أمّا الهاء ــ الضّمير المتّصل في إليه ــ فهي الدّورالسياسيّ التقليديّ التركيّ المزمن ، والمستعاد بعد فشل وانهيار سياسة ( صفر مشاكل ) مع بلدان الجوار التركيّ ، ويا لغرابة الفعل !!، ومنطق بطله الأكثرغرابة !!، أنّ البروفيسور ( أحمد داوود أوغلو ) ، وزير خارجيّة تركيا ، هو مهندس تلك السياسة ومنظرّها ، والفاشل بالمطلق ، لا في تطبيقها فقط ، بل إنّه الرجل المنفّذ لكلّ خطوةٍ في الإنقلاب عليها ، في كشفٍ لقصورها الشامل وخفّتها ، و" لِلا " واقعيّة طروحاتها ، وسطحيّة الفكر السياسيّ لصاحبها ، والأخطر بروز ذرائعيّة لا أخلاقيّة ـ وبامتياز ـ في السلوك السياسي لصاحبها ، تصل حدّ الفصاميّة السياسيّة في موقف السيّد ( أوغلو ) من الفشل المطلق لنظريّته الصفريّة ، لا بعدم الإنتصار لها والدّفاع عن إيمانه بصدقيّتها ، في واقع مأزقها المكرّس بسقوطها المدوّي فقط ، بل باستمراره وزير خارجيّةٍ لسياسةٍ خارجيّةٍ فاشلة ، فلم يستقل احتراماً للذات وثباتاً للمبدإ ، ودفاعاً عن الرؤية ــ إذا حصل ووُجد شيء من كلّ ذلك ــ ، بل جعل التبريريّة والتلفيقيّة عنوانيّة منطقه المتهافت ، بشرحه المستجدّ البائس أنّ نظريّته ( صفر مشاكل ) هي مع " شعوب الجوار" لا أنظمتها ، في انتهازيّة سياسيّة مدانّة أخلاقيّاً ، تستدعي السؤال المباشر :

وماذا تقول ردّاً على واسع الشارع السوريّ المنتفض رفضاً للتّدخل الأجنبيّ في بلده ؟ !!

أم أنّ في نظريّتك ـ الإختراع !! ــ ( صفر مشاكل ) ــ فصلاً أوفصولاً ، بعناوين مخبأةٍ لطبعتها الجديدة المنقّحة ، من مثل : ( صفر جماهير ) ، ( صفر استقلال وسيادة دول ) ، ( صفر تاريخ ) ...إلخ ... من أصفار ، ليس آخرها ( صفر أخلاق ) وخاصّة خلّة الصدق ، ومع الذّات بالدرجة الأولى ، كما تكرّسه بتلفيقيّة ماكيافيلليّة مواقف السيّد ( أوغلو ) من نظريّته ومدوّي سقوطها ، لا في الجوار السوريّ فقط ، بل في الجوار التركيّ المؤثِّر ، جميعه بلا استثناء !!! .

فهل هي العثمانيّة الجديدة ؟ !!

أم تخبّط السياسة في خضمِّ الإيديولوجيا ، والعمه الأشهر عند الساسة المؤدلَجين ــ في واقع متغيّر يزكّي أوهام التوسع وجنون أبطال مريديه ، في البحث ـ المستحيل ـ عن بعث حضورٍ ، أو استحضار دورٍ دارسٍ لـ ( سلطنةٍ عثمانيّة ) أسقطها التطوّر ودفنها التاريخ ؟ !!

وأمّا إلى أين :

فبعد اعتبار السيّد ( آردوغان ) ، رئيس الوزراء التركيّ ، أنّ ما يشهده " الدّاخل السوريّ " شأناً " داخليّاً تركيّاً " باندفاعة ينقصها التعقّل ، وبعنجهيّةٍ تحيي صورة المستعمرين الأتراك المستبدّين ، اللامتحضرة المستقبحة ، والمكروهةً في المخيال الشعبيّ السوريّ ، صورة ( أجلاف الترك ) وممارساتها ، والتي كرستها اللغة الشتائميّة السوقيّة للسيّد رئيس الوزراء التركيّ ، بحق الرئيس السوريّ ، السيّد ( بشّار الأسد ) ، بجهالة تبوح بالتعالي الفجّ ، وتشي بجهل السيّد ( آردوغان ) بطبيعة الإنسان العربيّ ، وبخاصّةٍ المواطن السوريّ ، بكاسح غالبيّته ، الذي لايقبل ـ بحالٍ ـ التطاول على استقلال وطنه وسيادته ، على كرامته وعزّته ، بتناول أحد رموزها كما فعل رئيس الوزراء التركيّ ، أيّاً كان المسوّغ وذريعته ، وخاصّة بلغةٍ سوقيّةٍ على لسان من يُفترَض أنّه رجل دولةٍ ، لا صبيّ أزقّة ، تركه ظالم الُيتم لمتاح قيَم تربياتها المنحطّة ،

وبعد التّدخل بإيواء الفّارين وتبنيهم ( الجيش السوريّ الحرّ !! ) ، فضلاً عن تنظيم مؤتمرات " معارضات الخارج " والمشاركة في مستور تمويلها ،

واستدراج بعض معارضات الدّاخل لتدعيمها ، أو للعمل على تعدد منابرها ( السيّد هيثم المالح ) ، لتوسيع هامش مناوراتها ، ولإضعاف معارضات الداخل أو تهميشها ، لإضفاء صفة " الشرعيّة " والمعارضة " الفعليّة " على المعارضات الخارجية المرتهنة لتحالف قوىً إقليميّة ـ دوليّة ، معروفة الأهداف ، والتي أصبح نكران رتباط " معارضات الخارج " بها ، واندماجها في سياياتها ، كنكران ضياء النّهار بلا علّة العمى ، وإنْ كان العمى لايبرر للأعمى أكثر من جهل معذورٍ بعدم القدرة على التحقق من تعاقب الليل والنّهار ، لا إنكارهما ،

وبعد التلويح بالتدخّل الذي لا يستبعد وسيلة !! ، بما فيها المسلّح ، وإنْ مشروطاً تارةً بقرارالشرعيّة الدّوليّة ، وطوراً باسم الإنتصار للقيم الإنسانيّة ، أوبخصوصيّة الجوار القلق من مضاعفات الحريق وانتقالاته ، دون العمل على محاولة إطفائه بعقلنة الممارسات المسؤولة ، بل لقد أصبح الدوّر التركيّ ــ يا للأسف ــ مثل ومثال كلّ ما يؤجج استعاره الكريه !!
وأخيراً وصل ذلك الدّور إلى مبارزة بقوائم العقوبات الإقتصاديّة مع تلك التي فرضتها ( جامعة الدول العربية ) ضدّ سوريّة
، وبمساهمةٍ لا تخفى من لدن المهندس التركيّ ( أوغلو ) ، بحضوره المستهجن ، ودعوته الممشبوهة ، اللذين لايمكن إخفاء الهدف من تناسقهما وارتباطهما بالخطط " الجيوـ استراتيجيّة " الموضوعة للمنطقة والإقليم ، والدرس الليبيّ أكثر من إيضاح ، بل إنَّ بلاغة شهادته تُنطق الأبكم بصادم وقاحتها استنكاراً ، وتُسمع الأصمّ بصاعق صوتها فجوراً ، تُفاجئ اليقظ رغم حذره ، وتوقظ الغافل من استكانته ، أما قرارات تجميد وتعليق الإتفاقيات التركيّة ــ السوريّة فتحصيل حاصلٍ ، وإعلان موت ميتٍ بين قومٍ عارفين بالنبأِ الحزين منذ أشهر ، فماذا في جعبة سياسات حزب العدالة والتنمية التركيّ ولم يشهر بعد ، ضدّ السوريّ الجار والأخ إلى قريب الأمس ؟ !!

أيصدق عاقل تلك ( البعبعات ) والتهويشات المملّة من استعدادٍ تركيٍّ لإقامة " مناطق حمايةٍ " و" أشرطةٍ عازلةٍ " ضمن الأراضي السوريّة ؟ !!
إنّها الحرب إذاً !! ، وحماقة اتخاذ قرارها بقراءةٍ عبطاء غبيّة ، جهلاء ومغرورةٍ ، لاتفقه شيئاً في قوانين موازين القوة وحساباتها ، لا الصريحة ولا المضمرة ، ليس فقط في الساحة الثنائيّة التركيّة ـ السوريّة المتواجهة راهناً ، ولكن بقراءةٍ مبتسرةٍ ، وتسطيحيّة سطحيّة لكليّات جوانبها ، بالعجز عن ربطٍ علائقيٍّ ديناميٍّ ، وإدراك ترابطٍ مصالحيٍّ مصيريٍّ بموازين القوى الإقليميّة والدوليّة ، بتنوّع إمكاناتها ، ومراحليّة تطبيق استراتيجيّاتها ، وفي تمظهر آثار ومفاعيل توظيفاتها ، وخاصّة في الإستهتاربالعواقب المأساويّة لنتائجها ، ورغم كلّ ذلك ، ــ وربّما هنا تكمن المأساة ــ ، فقرارات الحروب العدوانيّة تؤخذ على يد أمثال هؤلاء ، ليصبح وقودها شعوب مغرر بها ؛ مزوَّر وعيّها ، وأخرى ضحيّتها تشكّل حقل حصيدها الدامي وميدان إجرامها ، ولعّل الذاكرة لم يطلها بالأعم الأغلب صدأ النسيان ، فالنازيّة الهتلريّة ، وفاشيّة موسوليني ، ما زال حضورهما شيطانيّ حيّ ، زاد في استحضارهما ، ونفض الغبار عن أسود صفحات تاريخهما ، مجرموا حروب ، لم يشرِّف عصرنا ، بل يخزيه تبووُّأهم المناصب والقيادات في دوله ، ليس أولهم الديكتاتور ( بينوشيه ) وليس آخرهم طغمة الإجرام في الكيان الغاصب ، وكلّهم ( شارون ) ولا إدارة ( بوش وتشيني) ، إلى آخر ناتويّ فاشيٍّ داعية حروب .
فهل وصلت سياسة قادة ( حزب العدالة والتنمية ) في التعاطي مع الجار السوريّ إلى دائرة الخطر الدّاهم ، بمثل قراءة رعناء ، كتلك أعلاه ؟ !!

لايوجد عقل يستوعب ، ولا عاقل يتصوّر ، فضلاً عن أنْ يقبل بمثل تلك الحماقة المرعبة ، مما يفتح المجال للسؤال المشروع : لمصلحة من يا سياسة قادة ( حزب العدالة والتنمية ) تصعدين ؟ !!

فلا مصلحة ــ بالمطلق ــ للشعبين السّوري والتركيّ بالحرب وويلات دمارها ، فقد كفى الشعبان تاريخ لايشرّف الجانب التركيّ استحضارها ، فالمجازر والمشانق والخوازيق ، أدوات برابرة مجرمين ، لا إخوة عقيدة ولا وسائل متحضرين ، لا وليست من الأخلاق الحميدة للجار الطيّب الخلوق ، وأمّا النفيّ و( سفربرلك ) و نظام السخرة فأساليب همجٍ طغاة لا أشقةٍ محبّين ، ثم هل يخطر ببال صاحب نظريّة ( صفر مشاكل ) أنّ الحروب من تطبيقاتها ؟ !! ربّما ، فالقراءات المقلوبة توصل بفهم القارئ إلى النقيض !!!
وهذا التلويح التركيّ الأخرق باستخدام البوابة العراقية بديلاً للبوابة السوريّة ، في التواصل والوصول إلى العمق العربيّ ، تنقصه الحصافة المنطقيّة ، والوسيلة الواقعيّة العمليّاتيّة ، فضلاً عن الإنتهازيّة السياسيّة الظرفيّة المكشوفة
، فعبورالترانزيت التركيّ لأراضي العراق ليس عبوراً لفاصلٍ جغرافيٍّ أجرد خالٍ ، بل لإقليم مضطربٍ مسكونٍ بالعقبات والمشاكل ـ المعضلات ، ليس أقلها تصارع السياسات الفئويّة الإثنيّة والطائفيّة ، والكيانيّات الإداريّة المتناقضة الوسائل والأهداف والولاءآت ، من منتجات الإحتلال الأمريكي للعراق ، فضلاً عما تتطلبه مبادلات الترانزيت وتجارتها من بنية تحتيّة ، وتأمينٍ لوجستيٍّ لطرقٍ لا غنى عنها ، لايتيسّر إنجازها وجاهزيّتها في أسابيع أوشهور ، بل مشاريع تحتاج لتسويات وسنوات .
والواقعيّة السياسيّة ، مع الأخذ بحسبانها ما قد يلحق بالشعبين السوري والتركيّ من دمار الحرب وويلاتها ، إلّا أنّ الطلقة التركيّة الأولى لها ستكون إعلان انهيار وتفتت كيان الدولة التركيّة الحاليّة ، إلى كيانات إثنيّة ، قوميّة ، ودينيّة طائفيّة الطابع ، فسوريّة ( القاريّة ) ليست جزيرة ( قبرص ) المحاطة بالبحر ، ولم نعد في زمن السبعينات من القرن الماضي ، فموازين القوة ونوعيّتها تغيّرتا ، والجيوـ استراتيجيات السياسيّة ، الإقليميّة والدوليّة ، في مرتكزاتها وامتداداتها وتحالفاتها ، تعقدت وتشابكت في في ديناميّة تغيّراتٍ لاهثةٍ ،بحثاً عن توازنات مستقرّة تخرج أطرافها من خنادق الحذر المتشكك وأوضاع القلق المريب ، فهل ستوفّر تناقضات الداخل التركيّ التي ليست من نوعيّة النار تحت الرّماد ، بل ظاهرة البروز مشتعلة الأوار ، وهل ستقترف سياسات ثلاثيّ ( حزب العدالة والتنمية ) المتهورة حماقة الحرب والعدوان على سوريّة ، لتكون البداية في تدشين خريطة ( الشرق الجديد ) من تمزيق تركيا بالذات إلى كيانات طورانيّة وكرديّة وعلويّة ، والتحاقٍ أو ضمٍّ للمناطق الأرمنيّة من تركيا اليوم إلى الوطن الأرمني وجمهوريّته ، التي لم تطوِ مطالبتها ، ومعها كلّ الأرمن في العالم ، بالحقوق الأرمنيّة ، لافي الإعتراف التركيّ بالمجازر التاريخيّة التي ارتكبها العثمانيّ بحق الأرمن فقط ، بل وبتحرير كل التراب الأرمني والشعب الأرمني ، من الهيمنة المستمرّة من قبل طورانيي الجمهوريّة الأتاتوركيّة ، وريثة العثمانيّ بالباقي من السلطنة ، تركيّا الحاليّة ، وبالقطع لن يجد الطورانيون الجدد بطلهم التاريخي المنقذ ( مصطفى كمال آتاتورك ) عشرينيّات القرن المنصرم ، فالزمن تغيّر ، وكل إمكانياته وأدواته تبدّلت ، فكما أنّ الماء لايمرّ في النهر مرتيّن ، كذلك التاريخ لا يتكرر وإنْ أصرّ أغبياء الإيديولوجيا المعاندون ، والعناد ملازم للتركيّ في الموروث الشعبيّ السّوري ، فهل سيضاف إلى التنميط المتداول في المخيال الشعبيّ صفة الغباء بما تكرّسه رعونة سياسات ( حزب العدالة والتنمية ) في ما يتعلق بالشأن السوري الطارئ ؟ !!!
ويبقى المستفيد الوحيد ، وبلا منازع ، الكيان الصهيوني ، وعلى كلّ المستويات ، الجيوـ استراتيجيّة الإقليميّة ، والإستناد إلى وقائع النتائج الكارثيّة المتوقَعة برهاناً على واقعيّة سياساته العنصريّة الأساطيريّة ، بتعميم تعصّب نموذجه على الكيانات ـ الشظايا الخارجة من رحم السيناريو الأسود للحرب الحمقاء ...

فهل للعقلانيّة من مكان ؟!! وقبل ذلك هل غُيِّب العقل النقديّ المتبصر خلف حجب الأيديولوجيا ، واندفاعات جنون عميانها ؟!!

أسئلة يتولّى مستقبل الأيام الإجابة عليها ، فلننتظر إذاً..... ، وهل نملك غير الإنتظار ؟ !!!