الاثنين، 19 ديسمبر 2011

رسالة إعجابٍ تأخرت ، للسوريّ الوطني الدكتور قدري جميل

من قلم د . منير وسوف القوي
حين جمعتني بك مائدة غداءٍ في مطعم فندقٍ دمشقيّ ، كنتُ للتوّ قد عرفتُ شيئاً عنك ، من رفيقٍ سابقٍ لك ، حزبيٍّ شيوعيٍّ " سابق " ، صديق طفولةٍ لي ، " سابق أيضاً " ، وكان معظم ما قدمه لي سلبياً ، حتّى لا أقول أكثر من ذلك !! تحامليّاً مثلاً .... يشي بالموقف الشخصيّ ، وكنمطيّة عادة معظم ــ " مناضلينا الآنويين المأزومين السابقين والآنيين والمستقبليين اللاحقين ، وإلى ما شاء الله " ــ ، بشخصنة كلّ خلاف سياسيّ ، والخلط الممنهج اللاعقلانيّ بين الخلاف المعلَّل وموجباته ، والإختلاف الحتميّ ومنطقيّة تمظهراته ، بين الذاتيّ والموضوعيّ ، بين الحقيقة برأسها المنتصب وجبهتها للشمس وبين ليّ عنقها لحشرها في رغبويّة امتلاكٍ جنونيٍّ عظمويّ التعبير ، كلّ ذلك كان في الإطار لصورتك المقدّمة لي ، دون دفعي لأخذ موقفٍ مسبق من شخصك

وزاد في الطّين بلّةً تنوُّع المتحلّقين على مائدة الغداء تلك ، بين استراتيجيّ الرأيّ قاطعه ، ومدّعٍ تمليه الظروف ، بين متكلّمٍ للكلام ، وصامتٍ يجمّع معطياته للخروج بحكمٍ يدّعي الموضوعيّة ، وأزعم أنني كنتُ من الصنف الأخير الصامت خلافاً لعادتي ، فبكل الإنتباه أصغيتُ إليكَ ، وأنتَ المتخصص بالإقتصاد ، ولكن دارسه في جدلية الإقتصاد والسياسة ، بنائَين تحتيّ وفوقيّ ، متلازميّ الديناميّة والجدل ، نعم أصغيتُ إليك وأنت ترسم بوضوحٍ ، وتربط بمنطق الإيمان القاطع جيوـ استراتيجيّة القيادة السياسيّة للإتحاد الروسيّ ، وخاصّة ما يخصُّ منها الموقع الجيوـ استراتيجيّ الإقليميّ لسورية ، في قطعيّة جازمة ، وكأنّك كنت تتحدّث بلغة حنين إلى الإتحاد السوفيتيّ السابق واستراتيجيّات الحرب الباردة وساحات صراعها ، مما زاد في تشوّش صورتك في ذهني ، وجعل عدم تبنّي حكماً مسبقاً بحقّك فضيلة أغبط النفس عليها ، وتمر الأيام ، سنتان ونيّف ، ويأتي البرهان مُصدّقاً ماقلتَه أيّها الوطنيّ في ( الفيتو ) الروسي ، يدعمه ويصلّبه مثيله الصينيّ ، في جلسة مجلس الأمن الملغومة ، المنعقدة بدعوة " ملائكة السلام الدموي النيتوي " لإدانة سورية الضّحيّة ، وشرعنة التدخليّة في شؤونها ، لا لمساعدتها في ضروريّة ومشروعيّة الحراك المجتمعيّ لشعبها ، بل لركوب موجة المطالب الجماهيريّة المحقّة ، والسير بسوريّة التاريخ والوطنيّة إلى التنازلات ــ العروض وأوراق الخيانة الوطنيّة والقومية ــ الإعتماد في بازارالمهزلة ( الغليونيّة) وبائس أضرابها ، من المعارضات ــ التعارضات ، في داخل الساحة السوريّة قبل خارجها .

نعم أيها المعارض الوطني النظيف ، وإنْ لا يمكنني إلاّ الإصرار على اختلافنا الموقفيّ السياسيّ ، المتضائل طرداً مع اشتداد شراسة الهجمة على وطننا سورية ، فإنّه لايسعني إلاّ الإعتراف لك بصائب نظرتك في الشأن الروسي ، فمن رضع مع الحليب رفض الإمبرياليّة وعدوانيّة سياساتها ، لايمكنه ــ سوفيتيّاً كان أو روسيّاً بعد سوفيتيّاً ــ إلاّ أنْ يرفض تغوّلها وتوحّشها وإجرامها ، فصدقت في تحليك وقراءتك السياسيّة ، على مائدة ذلك الغداء الدّمشقيّ ، وسعيد ـ أنا ـ بذلك التعارف ، وتلك المعرفة اللاعابرة بدليل كتابتي اليوم إليك ، لا كرسالة شخصيّة أبداً ، ولكنْ إضاءة على موقف وطنيٍّ شريفٍ ، يستحقّ حتى ـ بأضعف ورقيق الإيمان ـ الإشادة به ، لا التنويه به فقط ، في عالم أقلام السمّ وأصوات الردّة والنشاز ، ممن يصح في بعضهم القول : ( نكبتنا الأخيرة ) لا آخر النكبات ، فلستُ متفائلاً كثيراً برغم وجود أمثالك الوطنيين ، ولستُ ، بالمقابل ، رأس المتشائمين من نعيق الغربان الكثر ، وجوقات الساقطين بامتحان الوطنيّة ، وبدرجة قحّة الأرزقيّة وامتياز الخسّة الزنيم .

أمثالك أيها الوطنيّ الواضح يستحقون الإعجاب ، بل الثناء والعرفان أيضاً بخصائص يملكون .


الأربعاء، 14 ديسمبر 2011

انقلب السحر على الساحر و فعلها ( آردوغان ) ، وأخيراً ، الأزمة الدّاخليّة السّوريّة ( شأن داخليّ تركيّ !!! ) :

من قلم : د. منير وسوف القوي :

في سلسلة مقالاتٍ سابقة ، في رصدٍ وتحليلٍ لتطوّرالعلاقات السورية ــ التركيّة ، بعنوان ( العلاقات السورية ـ التركية والأمن القومي العربي ) ، كان للتحذيرمن التوجهات المستحدثة لسياسات ( حزب العدالة والتنمية التركي ) ، اتجاه الجار السوري ، ـ والمنقلبة على مسارها أولاً ـ ، شديد التنبيه لخطورة نتائج تدخليتها ،والقدح المعلّى في التشديد على مغامريّتها ولا عقلانيّة حساباتها ، وبالتحديد منذ بدايات الأزمة السوريّة في 18 آذار ـ مارس 2011 ، نعم لقد فعلها ( آردوغان ) ومكمليّ ثلاثيّ مسرحه السياسي ( أحمد أوغلو وعبد الله غُل ) ، فعلوها "" بخطإ حسابات صاحب عقليّة لاعب البوكر حين يلعب الشطرنج "" ، لينبّه ويستفيق ــ لا لينتبه ــ ، للاعب الشطرنج المحترف مقابله ، بصوته الهادئ الواثق ، وعينه على رقعة الشطرنج ، يختتم الجولة ، بشهير الجملة : ( كشّ ملك ، أو شاه مات ) ، وتلك ـ موضوعيّاً ـ إحدى أوراق النظام السوريّ ، ولن أضع العبارة بين قوسين ، فلفظة " نظام " توصّف عقلانيّة حسابات لاعب الشطرنج ، وتستدعي الضدّ :

فهلويّة وفوضويّة عقليّة بوكريٍّ أمام الحركات المحسوبة للقطع المنقّلة بـ " نظامٍ " حديديٍّ محسوبٍ على مربّعات رقعة الشطرنج ـ الإمتحان !!!
وفعلاً : ( الضدّ يظهر حسنه الضدّ ) ، والعكس صحيح ، وهذا العكس ، هو بالضبط مافعله ثلاثيّ مسرح سياسات ـ لا سياسة واحدة ـ حزب العدالة والتنمية التركيّ ، فأخطؤوا وانقلب السحر على الساحر ، كما يقال ، فباستعراضٍ بسيطٍ للوحة المسرح السياسيّ التركيّ ، وحتى بلا جهد الإجتهاد والتحليل ، يخرج المرء بخلاصات عجاب في ضوء النتائج ـ الوقائع ، تجعل التساؤل مشروعاً :
أسياساتٌ تلك فعلاً ، يا ثلاثيّ حزب العدالة والتنمية، أم هي رهانات مراهقات سياسية ؟ !!!
لن أستعرض هنا السياسة الخارجيّة التركيّة ، فإفلاس سياسة ( تصفيرالمشاكل مع الجوار ) الداوود أوغليّة ، والتي أصبحت فعليّاً فعل " تصفير" ، ومفتوح العدد ، ولكنْ بتموضع الأصفار على يمين الرقم ( 1 ) ، وليست ( صفر عاليسار بالعاميّة الدارجة !!! ) ، فموضوع المقال لا يتضمنها ، ولكنّ الإشارة إليها تقتضيها أمانة شموليّة النظر إلى السياسة التركيّة ، بلا انتقائيّة ذاتويّة ولا انتقاص تكامليّة موضوعيّة ، بلا بترٍ ولا ابتسارٍ ولا رؤية باعورار .
ففي المشهد السياسي الدّاخليّ التركيّ ، تقف المعارضة الحزبيّة المنظّمة ، والبرلمانيّة منها خاصّة ، من السياسة المستجدّة لثلاثيّ حزب العدالة والتنمية ، اتجاه الجار السوري ، لا موقف المعارضة العاديّة ، بل تذهب إلى التنديد والإتهام بالإرتهان والتبعيّة ، ومسخ الحضور التركيّ إلى قامة أداة ذيليّة التنفيذ لأجندات أطلسية ، بتوجهاتها التدخليّة المستجدّة في الشأن السوريّ ، بعد أن كانت العلاقات السوريّة ـ التركيّة ، ولقرابة العقد من سنوات عمرها المتأخّر ، شهادة نجاحٍ إقليميّ لساسة حزب العدالة والتنمية ، ونجاعة خيارٍ جيوـ استراتيجيّ واقعيٍّ ، ردّاً على الشروط المهينة ، والصدّ المتعالي لتركيّا على أبواب الإتحاد الأوروبيّ .

أفلا يصبح مفهوماً ومبرراً ، وبمنتهى درجات الواقعيّة السياسيّة ، ونقاء الوطنيّة الحقّة ، موقف زعيم الحزب الثاني وزناً في البرلمان التركيّ الحالي ، ( حزب الشعب الجمهوري التركي ) المعارض ، السيّد ( كمال كيليتش دار أوغلو ) ، الهجومي على سياسة ( حزب العدالة والتنمية التركيّ ) حيال الأزمة السوريّة ، حين يؤكّد متّهِماً بالذيليّة ، والأداتيّة المسيَّرة ، بمرارة وازدراء : ( أنّ حكومة رجب طيب اردوغان لعبة بيد الدول ذات السيادة العالمية يتحكمون بها ويقودونها حسب مصالحهم، وأنّ مثل هذا الانقياد لا يليق بتركيا ) ، مضيفاً ـ في نقده الصريح ـ حكمه الجازم ، الواصف باللا حصافة واللاحكمة : ( سياسة الحكومة التركية إزاء الأحداث في سوريا بغيرالحكيمة ولاسيما بعد تحسن العلاقات الثنائية بين البلدين قبل أن تعلن تركيا موقفها السلبي مما يجري في سوريا ) ?!!

وقبله كان ( جورسل تيكين ) نائب رئيس الحزب ( حزب الشعب الجمهوري التركيّ) قد هاجم حكومة ( حزب العدالة والتنمية الحاكم ) مشككاً بديمقراطيّتها وعقليّة أركانها ، في تصريح ناريٍّ قال فيه : ( إنّ الحزب " حزب العدالة والتنمية " تهيمن عليه فكرة إن لم تكن معي فأنت عدوّي وان عقلية الحزب مستبدّة متسلطة ليس من السهل أن تدرك معنى الديمقراطية ) .

واليوم يشن ( دولت باهتشلي ) ، زعيم ( حزب الحركة القومية ) ، الحزب الثالث في البرلمان التركيّ ، هجوماً عنيفاً على سياسات رئيس الحكومة التركية ( رجب طيب اردوغان ) حيال سورية ، معتبراً أن أنقرة تُستخدَم كأداة لتنفيذ مشروع "الشرق الأوسط الكبير" !!! وتُستخدَم فـي مخطـط الغـرب لاحتـلال سـوريا ، بل وأكثر من ذلك يتهم السياسة التركيّة الحاليّة باللامسؤوليّة وقصرالنظر ، وتعريض الأمن القوميّ التركيّ للخطر ، وبالجهل التاريخي بالغرب ومخططاته ، وبما يُرسَم للمنطقة من خرائط ، ويحاك من مؤامرات ، قائلاً :
( يخططون لكردستان الكبرى الموزعة على تركيا وسوريا والعراق وإيران في إطار المسألة الشرقية। وهذا المخطط يتقدّم خطوة خطوة، والهدف الأول بعد بغداد ودمشق هو التحول نحو أنقرة وطهران ) ، ماضياً في نقدٍ مباشرٍ للتدخليّة الأردوغانيّة في الشأن السوريّ الدّاخليّ ، سائلاً باستهجان : ( ما الذي سيكون عليه موقف الحكومة التركية إذا ما طبق الآخرون السياسة نفسها تجاه بلدنا ؟ !! ) ، مضيفاً بمنطقيّ الإستنتاج المسؤول :
( إن تركيا تقع وسط حزام من نار، حيث الأزمة الاقتصادية في أوروبا والاحتجاجات في العالم العربي، وتركيا هي في مواجهة تهديدات غير مسبوقة ، وبذلك فإنّ الحكومة التركية في ظل غياب رؤية لديها تعرّض تركيا لتكون في دائرة الأزمات والفوضى ) ، متابعاً بلغة رجل السياسة المسؤول :
( إننا نتابع بقلق كيف أن تركيا وسوريا قد وصلتا إلى حافة الحرب ، والعقوبات الاقتصادية المتبادلة ، والتوترات على الحدود نتيجة لتلك السياسة " التدخليّة في الشأن الدّاخليّ للجار السوري ") !!! .

فإذا أُضيف لمشهد المواقف السياسيّة المندّدة المستنكرة ـ أعلاه ـ وقائع على الأرض منذرة بمستطير الشرّ ، وتهديد المنطقة كلّها بالزلزال الكبير ، والتي يترجمها :

1 ــ تحويل الجنوب التركيّ لساحة تصدير الإضطراب إلى الساحة السوريّة بتحويلها إلى ملجإٍ للفارين من وجه العدالة في بلدهم ( سورية ) ، ومقرٍّ لعصابات المجرمين والمهربين ، وقاعدة متقدّمة رسميّة ، لوجستيّة وإعلاميّة ، لنشاطات " المدعوّ ـ الألعوبة " ( الجيش السوريّ الحرّ ) ، ومنطلقٍ لما يشاع من تجمعات مقاتلين اسلامويين ، من مجانين الدم وحملة الثارات .

2 ــ فتح الساحة التركيّة لنشاطات ومؤتمرات المعارضات السوريّة الخارجيّة والملتحقين بها من مستعجليّ بعض الداخليّة ، بدعاوى الديمقراطيّة وحريّة التعبير !!! وكأن سوريّة ولاية للباب العالي تشكّل ساحتها بعضاً عضويّاً ـ لا امتداداً حتى !! ـ من الساحة التركيّة ، بل والإمعان في الصّلف والجفاصة والجلافة ، بالمساهمة والشراكة المادية الفعليّة في تشكيل المجالس والهياكل التمثيلويّة لتلك المعارضات العرجاء ، الوظيفية ـ المصطّنعةِ أغلبها ، وبالأمر الأمريكي دوراً مرسوماً ، والتمويل النفطوي الخليجيّ فعلاً تنفيذيّاً ، وبتوفير المنابرالميديويّة لها ، والمتابعة ـ حتى المخابراتيّة المعلنة ـ في تنسيق وتوجيه ورعاية تحولات مطالباتها المندرجة بوقاً كاشفاً لحقيقة أهداف سياسات الهيمنة على المنطقة والإقليم ، ومنها :

آ ــ الآنيّ التكتيكيّ :

ــ لتغطية الإنسحاب الأمريكيّ من العراق قبل نهاية العام
ــ والدّخانيّ التغطوي على العودة التركيّة إلى الإندماج في صلب السياسات الأطلسيّة المشبوهة ( نشر الدرع الصاروخيّة الأمريكيّة في " ملاطيّة " من هضبة الأناضول ) .

ب ــ البعيد الإستراتيجي :

ــ السياسات الطاقويّة الأمريكيّة المصرّة على الهيمنة على مصادرالطّاقة النفطيّة والغازيّة ـ وخاصّة الغازيّة ـ ، بتنافس محموم مع تروست غازبروم الروسيّ وشريكه الألماني ، وخصوصاً بعد اكتشاف المخزون الغازي الواعد بأهميّته ، في حوض المتوسط الشرقيّ ، وفي الأرض السوريّة ، ويا لغرابة المصادفة ، قرب ( حمص بالتحديد ) !!!

ــ المراهنة على إحياء مشروع خط ( نابوكو ) المتعثّر ، لنقل غاز آسيا الوسطى وبحر قزوين إلى شواطئ المتوسط وأوروبا ، بالمقارنة مع شبه إنجاز وتدشين خطيّ الغاز الروسي إلى أوروبا ( سيل الشمال وسيل الجنوب ) .

ــ إعاقة ، ومنع ـ إنْ أمكن ـ تنفيذ مشروع خط نقل الغاز الإيراني عبر العراق وسورية إلى شاطئ المتوسط ، في حسابات بعيدة ، لإجبار ضم الغاز الإيراني كرافدٍ إلى خط ( نابوكو ) المتعثّر بأمل إنعاشه . ــ قطع الطريق على الإستئناف الفعّال لنقل النفط العراقي عبر سورية إلى شواطئ المتوسط السوريّة ـ اللبنانيّة ، واستمرار احتكار خط نقل " النكايّة السياسيّة الصدّاميّة لسورية " لنفط العراق إلى ميناء الإسكندرونة .

ــ التمهيد لتنفيذ الأمر الأمريكيّ باستئناف العمل بالإتفاق الإستراتيجي التركيّ ــ الصهيونيّ ، لأهميّة فعاليّته في الإستراتيجية الأمريكيّة ، التي لاتعنيها كثيراً الكرامة التركيّة ولا الصراخ الشعبوي الأردوغاني وشروطه الشكليّة الفارغة ، وربّما بوعد أمريكيّ بمساندة أنقرة في مشكلتها المزمنة القبرصيّة ، المتجددة اليوم بالخلاف على حقل الغاز المكتشف بين شواطئ قبرص الشرقيّة والشواطئ االشّاميّة للبحر المتوسط ، وما المانع أنْ تلعب السياسة الأمريكيّة دور العرّاب لإرساء تعاونٍ صهيونيٍّ ــ تركيّ في السطوّ على حصّة الجانب العربيّ ( الفلسطينيّ ـ اللبنانيّ ـ السوريّ ) من الثروة الغازيّة المكتشفة ؟ !!!

أمّا الحصّة القبرصيّة فمصانة لقبرص ببديل حصة الجانب العربي ، أوليست تلك استعادة لسيناريوالتبرّع الفرنسيّ الترضوي لتركيّا بـ ( لواء الإسكندرون السليب ) ؟!! وربّما أكثر من ذلك !! ، بوعدٍ لتركيّا بالشمال السوريّ حتى مدينة ( حلب ) ، أولم تطالب تركيّا الأتاتوركيّة في ثلاثينات القرن الماضي بذلك من سلطة الإنتداب الفرنسيّ ؟ !!! । يستطاع الذهاب بعيداً ومطوّلاً في التحليل لمعطيات ودوافع السياسة الرسميّة التركيّة حيال الجار السوريّ ، لكنه مقال لا أطروحة ، ومع ذلك فلا يمكن القفز فوق المعاناة اليوميّة على امتداد الحدود السوريّة ــ التركيّة ، فبعد الحضور المستهجَن لوزير الخارجيّة التركيّ السيّد ( داوود أوغلو ) لاجتماعات مجلس ( جامعة الدول العربيّة ) المستنفرة من سباتها !! في الرباط ، وانضمام تركيّا لقرارات الحصار ، والمقاطعات ، والعقوبات ، والإنذارات ، بل والتهديدات ، والتي اتخذتها الجامعة المستأسدة بحق سوريّة ، ما هو المشهد على الأرض ؟ !! :

ــ التوقف شبه الكامل لحركة " الترانزيت " على بوّابات العبور المقفلة بين البلدين ، وأرتال الناقلات والشاحنات تمتد مئات الكيلومترات ، ليصل شلل ازدحام الشاحنات التركيّة إلى الأردن ولبنان على الحدود السوريّة ، ولاملامة على القرار السوري المعامِل بالمثل للقرار التركيّ الإستفزازيّ المبادر .
ــ كمّ من المشاريع السياحيّة والخدميّة والإنتاجيّة الواعدة على جانبيّ الحدود تجد نفسها في ساحة وغىً وقعقعة سلاح مستفر ، وسكان آمنون ، وأقرباء ، كان انتقالهم عبر الحدود المنظّفة من الألغام حرّاً ، بعد العمل باتفاقيّة إلغاء التأشيرات المتبادل ، يجدون أنفسهم على الحواجز الثابتة والمتنقلة ، وتحت رحمة مسلحين غرباء !!

والألعن ذلك الإستجداء الرخيص " للاجئين " ومخيماتهم المعدّة على عجل لاستثمارها في التوظيف الدعاوي ، والمتاجرة السياسيّة بها ، ولأشياء أخرى .... !!!
ــ انخفاض مردويّة القطاع السياحي عامّة ، وفي بعض المناطق إلى سويّة شبه صفريّة "" تعميماً لبركات نظريّة أوغلو الصفريّة بامتياز """ .

يستطاع المضيّ في اسعتراض أضرار القطاعات البنكيّة والإجتماعيّة والإقتصاديّة والسياحيّة بمطولات ، ولكنّه حجم المقال ، ومع ذلك فسؤال افتراضيّ بشعبٍ ثلاثة يفرض نفسه :

ــ ماذا لوكان لتركيّا طبيعة الموقف العراقي ، وكيف كانت الصورة ستكون ؟ !!
ــ لماذا لم يكن لتركيّا موقفاً مجاريّاً أو مشابهاً للموقف الأردني ، على كلّ عيوبه وتردده ؟ !!!
ــ لماذا ماثلث تركيّا في موقفها موقف فريق 14 آذار اللبناني ، الذي يحاول جعل الجوار اللبنانيّ ــ السوريّ ، ملجأ فارين سوريين ، ومأوى مجرمين ومهربين ، وقاعدة انطلاق لمرتزقة وقتلة متعصّبين ، ومعبر سلاح قتلٍ وقاتلين إلى الداخل السوري ، كل ذلك بمغافلة القرار الرسمي اللبناني ، المصّر بالحدّ الأدنى على انسحاب سلبيّ من الشأن السوري ؟!!!
ــ ولماذا يستنسخ التركيّ ذات لخطاب السياسيّ التحريضي التدخليّ الحاقد والثأري لفريق 14 آذار اللبناني ، وخاصة تميّزه بمفهومٍ كاريكاتوريٍّ للسيادة الوطنية باتجاهٍ واحد ، فكلاهما سيّد وويل للسوري لوفكر حتى بالحقّ المشروع بالدفاع عن النفس ، أما السيادة السوريّة فطفلة وغريرة وكلاهما لها الحاضن والوصيّ ؟ !!!

حقيقة لقد هزلت وفعلها ثلاثيّ ( حزب العدالة والتنمية التركي ) ، بخطإٍ سياسيٍّ ــ خطيئة في اقترابهم من الحالة السوريّة الحاضرة ، وأسفوا بقيمة تركيّا ومركزها في جيوـ استرايجيّة الإقليم ، حتى لم يعد من فرقٍ بين ثقل سياسة الدولة التركيّة ، وتلك التي لمراهقي سياسة فريق 14 آذار اللبناني ، لكنه اصطفاف البيادق بحضور السيّد الأمريكيّ ، وأمره النافذ الذي لا يعترف لها ولا يرى فيها إلاّ دوراً تسقط معه فروقات الوزن ، واختلافات الحجوم ، وقد أصبت يا سيّد ( كمال كيليتش دار أوغلو ) :
( أنّ مثل هذا الانقياد لا يليق بتركيا ) ، واقع يبعث على الأسى نعم ولكنه ـ وللأسف ـ واقع الحال الأليم

الأحد، 11 ديسمبر 2011

لحقيقة والدعاية في مكرور تسريبات تسلل ( المقاتلين الإسلامويين ) إلى السّاحة السّوريّة ج ( 3 ) :

مُركَّب الأزمة السوريّة والدّورالذيليّ للسياسة الانتهازيّة التركيّة :



إنّه العنوان الذي وجدته مناسباً لهذا الجزء الأخير من الأجزاء الثلاثه لمقالي المعنون : "" الحقيقة والدعاية في مكرور تسريبات تسلل ( المقاتلين الإسلامويين ) إلى السّاحة السّوريّة "" : ( ج 3 ) :‏‏ حيث يتابع الجزء الثالث ـ هذا ـ من المقال استكمال استعراضه لبانوراميّة رؤية الموضوع ـ أعلاه ـ خاصة مع المستجدات العلائقيّة المشدودة ،والمنذرة بالسيّء حكماً ، ولا محمود العواقب على حامل العلاقات السوريّة ــ التركيّة ، المهدّدة بالإنفجار ، بل بالتفجير شبه المتعمّد مع مواقف التصعيد السياسيّ التدخليّ لساسة ( حزب العدالة والتنمية التركيّ ) في الشأن الدّاخلي للجار السوري ، مستغِلّاً طارئ أزمة الحدث السوري ، في مزايدة فاقعة ، حتى على الدورالغربيّ ، والرسميّ العربيّ المندرج في سياساته التابعة ، في بحثٍ محمومٍ ، وسياسيٍّ انتهازيٍّ ، عن دور رأس الحربة التدخليّة في الساحة السورية ، مما يبرر للمقال بعض الإستفاضة ، وتخصيص معظم جزئه الثالث ـ هذا ـ للجوار التركيّ ـ السوري بالمجمل ، ومحاولة مقاربة أساسيّاته المحدِّدة :

فلقد اشتمل الجزء الأول على :

ــ أولاً : جبهة المواجهة السّوريّة ـ الصهيونيّة :

ــ ثانياً : الحدود السوريّة ــ الأردنيّة :

واشتمل الجزء الثاني من المقال على :

ــ ثالثاً : الحدود ( السوريّة ــ العراقيّة ) :

ــ رابعاً : الحدود ( السوريّة ــ اللبنانيّة ) : ليصل المقال ، في ثالث أجزائه هذا ، إلى :

ــ خامساً : ( الحدود السّوريّة ــ التركيّة ) : هنا ، حيث يلتقي التّاريخ بجدليّة بنيويّته وخلاصة عِبرته ، مع الديموغرافيّ بخصوصيّة تموضعه ودواخل دقّته ، مع السّياسيّ في ديناميّتة ، بتذبذبه وتغيّره ، وحتى انقلابيّته وتقلبه !! ، و ما يترتب على كلّ ذلك من نتائج ، ترسم مسارات إلى مآلات ، تُصدّق واقعيّة معادلاتٍ أوتسقط وهم رغباتٍ وحالم أمنياتٍ .

فعلى الإمتداد المئوي الكيلومتري ( 850 ـ 900 كم ) لتلك الحدود يحتفظ التاريخ بذاكرته ، وتصبح أوابد مدنه منارات صفحاته ، بكل ألوان مكوّناتها ، وجلّها معمّد بالدم وسواد المداد ، فيصبح شبح السلطان العثمانيّ ( سليم الأول ) حاضراً ، مغادراً التأريخ ، مندفعاً من عام 1516 إلى العام 2011 !! ليخوض معركة ( مرج دابق ) أخرى ، وهذه المرّة ، لاضدّ ""المملوكيّ المحتلّ"" مثله ، في استبدال محتلٍّ هَرِمٍ بمحتلٍّ فاتحٍ صارخ الشباب ، بل ضدّ الجار السوريّ ابن البلد الأصيل !! الذي يجد نفسه أمام مراجعات تفتح أبواب ازدحام الذاكرة الوطنيّة ، على واقعٍ يبحث عن هويّة ، وحواضر ترفض التغريب وقد طال ، من ( تل كوجك ) شرقاً ، مروراً نحو الغرب بمدن ومناطق : (ماردين ــ أورفة ــ غازي عنتاب ــ كلس) وحتى مياه خليج الإسكندرونة في اللواء السوريّ السليب ، دون نسيان ( أضنة ) وسهولها ، فكلّها تصبح مستدعاة ــ مستدعيّةً ( اتفاقيّة كوتاهيّة ـ 8 أبريل 1833) بين القائد العربيّ ( ابراهيم محمّد علي باشا ) والسلطنة العثمانيّة المهزومة ، أمام زحف جيش ( محمّد علي باشا القولي ) ، بعد معركة ( قونيه ) التي انتصفت لمعركة ( مرج دابق ــ 24 آب ،أغسطس 1516 ) ، وأرست حدود بلاد الشّام عند مضيقها الإستراتيجي ( مضيق قونية في جبال طوروس ) ، ولا أدلّ على ذلك من استمرار التململ " الإنتمائي ـ الهويتي " لما أصبح يعرف في قاموس السياسة الطورانيّة " القديمة ـ الجديدة " بوضع الأقليّات ( العربيّة ، الكرديّة ، الأرمنيّة !!! ) ، المستبعدة من تعريف المواطنيّة وشموليّة حقوقها ، إلاّ الإضطراب الجيوبولوتيكي الراهن في العلاقة السويّة ـ التركيّة والتي لا تتوقف عند تسلل ( المقاتلين الإسلامويين ) إلى الداخل السوري ، وهو خطير ، وصاعق تفجير مرعب ، مهما ضؤل شأنه ، للأسباب الآتية :

آ ــ إعادة العلاقات العربيّة ــ التركيّة ، وليس السوريّة فقط ، إلى مربع العداء التاريخي المنوه عنه أعلاه ، واستدعاء تناقضاتها ، التي سمحت السنوات الأخيرة من التعاون السوري ــ التركيّ ببعث أمل إمكانيّات مقاربتها بالتعاون البنّاء وروح الأخوة وحسن الجوار ، ولا ينخدعنّ أحد بدخان السياسات العابرة ، والحركات التلفزيويّة الوظيفيّة المتغيرة ، فلقد شهدت المنطقة شبيهها من سياسات وتحالفات أنظمة في خمسينيّات القرن المنصرم ، في ما عُرف بـ ( حلف بغداد ) ، لتذهب جميعها مع أنظمتها ــ الأعمدة بحمّامات دم ، من نظام ( عبد الإله ونوري السعيد ) في بغداد ، إلى نظام ( جلال بايار و عدنان مندريس ) في أنقرة ، مع نهوض شعبيٍّ عربيٍّ ، مُسقِطٍ لأنظمة الردّة والتبعيّة ، واسمٍ لذلك العقد مكللٍ له بميلاد ( الجمهوريّة العربيّة المتّحدة ) برئاسة الزعيم العربيّ ( جمال عبد النّاصر ) ، فما أشبه اليوم بالأمس ، وليعتبر أُولوا الألباب ، إنّ أمّة العرب أذكى من محاوليّ استغفالها ، فألعاب الخديعة وبهلوانات التضليل للشارع العربيّ هو كذب رخيص ، وحبل الكذب على الجماهير واهن وقصير ، فليسألوا أبطال ( حلف بغداد ) الدّارس إنْ كانوا لتلك المرحلة من الذاكرين ، أو لها من الجهلة أو الجاهلين !!!

ب ــ إنّ تركيّا "" أطلسيّة "" محدودة وظيفيّة الدور في حلفه ، ولن تُعطى يوماً حتى أهميّة دور اليونان الأوروبيّة !! لأسباب ضاربة في تعقيد مركباتها ، لا لماضي معطياتها فقط ، بل وللريبة المقيمة وعدم يقينيّة مستقبلاتها ، وعلى كل السويّات وتأثيراتها من جغرافيّة ــ تاريخيّة ، أواثنيّة ــ ثقافيّة ، أو تطورات سياسات لم تعرف صادق التحالفات ، لا الآنيّة فقط تجاه الحدث السوريّ ، بل ومنذ بداية الإنحدار في الحضور العثمانيّ على ساحة السياسة العالميّة منذ نهايات القرن السابع عشر وبداية تعامل القوى الإمبرياليّة الأوروبيّة الصاعدة معها كمشروع ( رجل مريض ) ، وصولاً إلى تمزيق واقتسام سلطنتها بعد الحرب العالميّة الأولى ، وهو الجرح النرجسي النّازف للطورانيّة بطوريها ، الأتاتوركيّ ــ المؤسس ، واسلامويّها ــ الجديد الحالي ، الواهم بلعب دور"" رجل بوليس "" المنطقة الغربي ( خاصّة الوكيل الأمريكيّ بالذات !! في تقديم أوراق اعتماده كوجه مقبول في الشارع العربي ، ونموذج اسلامها السياسيّ الصاعد ، مع ما أصبح يُعرف "" بالربيع العربيّ "" وذلك كتعويضٍ معقولٍ ، وبلسم ممكنٍ لمأساة امبراطوريّة دارسة تبحث بقاياها عن دورٍ ، ولو وظيفيٍّ ذيليٍّ يزكي افتراضيّ فاعليّة حضورها !!! ،؛ فليكف ثلاثيّ ( حزب العدالة والتنمية التركيّ ) عن بيع فارغ الوعود لمريديّ الفتنة في الساحة السوريّة ، وإطلاق خلبيّ التهديدات ضدّ ( النظام السوري ) ، الذي يعرف وهم يعرفون ــ ربما أكثر ـ بمحدوديّة قدرتهم ، أولاً ، وهامش دورهم ، المسموح به أطلسيّاً ، ثانياً ، ـ في الذهاب أبعد وراء الأوهام النيوـ طورانيّة ــ المتكشّفة منذ الشهر الثالث لبدء الأزمة السوريّة ، فالجيوـ استراتيجي الدوليّ ومعادلاته ، وخاصة في حساسيّة مفصله السوري ، لا تسمح بالمغامرات غير المحسوبة ، فكيف بصبيانيّات السياسة ؟ !! التي تنطلي فقط على الرغبويين الراغبين من هواة السياسة ، من أمثال المنتَج الهجين لمطبخ مسلوق السياسات : التركيّة ـ القطريّة ـ بعض الغربيّة : مجلس اسطمبول ( المجلس الوطني السوري ) وأضرابه .

ج ــ إنّ بحث الدّور التركيّ عن فرضٍ لمركزيّته المفترضة على سياسات المنطقة تنقصه الحصافة والعقلانيّة ،وحسابات الواقعيّة السياسيّة ، ويوهمه الغرور المدّعي ، لا الطموح المشروع ، فمهما غاب الدّور الإقليميّ لمصر فهو عائد ، لأنها البلد المركز في العالم العربيّ ، لأسباب منطقيّة ليس المقال مجال تبيانها ، ومرّة أخرى مفيدٌ استذكار التاريخ ، فـ (مصر ــ محمّد عليّ ) ردّت تركيّا ــ السلطنة خلف جبال طوروس في القرن التاسع عشر ، و( مصر ــ عبد الناصر ) لجمت تركيّا الأتاتوركيّة الأطلسيّة في منتصف القرن العشرين ، و (مصر الثورة ) ناهضة وقادمة ، فلا يُعوِّلَّن على قيود ( معاهدة كامب ديفيد ) المحكوم تاريخيّاً عليها وعلى مفاعيلها ، ولا على التيّارات الإسلامويّة الطّافية ، وهي مختلفة على كلّ حالٍ عن اسلامويّة ( حزب العدالة والتنميّة التركيّ ) ، بل ومخالفة لها ( من رصد زيارة آردوغان الأخيرة لمصر وتمظهراتها وآراء اسلاموييّ مصر بآرائه و " توفيقاته " الإسلامويّوــ علمانيّة ) ، فحقاً ، ليس أكثر مأساةً من حماقات السياسة إلاّ الإمساك بعنانها من سياسيٍّ يُخرج عِبَرالتاريخ من معادلة حساباته ، مستبدلاً تلك العبر بالرغبات ، بالآنيّ العابر، وأوهام الغرور ، لقد أضاعت السياسات التدخليّة المغامرة الحاليّة لـ ( حزب العدالة والتنميّة التركيّ )، ببهلوانيّةٍ خفيفة ، تقودها الإنتهازيّة السياسيّة فرصة ــ هي بحقٍّ تاريخيّة ــ بتضييع المشروع ــ الإقليم ( سوريّة ـ العراق المحرر ـ تركيا ـ إيران ) ، وواقعيّة نظريّة ( البحار الخمسة ) في لحظة إمكانيّة التدشين ، وخاصّة فرصة إمكانيّة تحرّر تركيّا ، بالتموضع الجديد ، من تاريخيّة ذيليّتها الوظيفيّة الأطلسيّة ، وأوهامها الأوروبويّة ، لتأخذ مكانها المنطقيّ الواقعيّ ، الجيوـ بوليتيكيّ التشاركيّ ، في الإقليم الذي تنتمي إليه ، بحقيقيّة الهويّة ، لا بالزيف التغريبيّ ، الردّ فعليّ ـ الأتاتوركيّ ، مع كل ( عقد نقص المغلوب المقهور المستبطِن لنموذج قاهره الغالب ) الذي يبدو أنّه استشرى شعبويّاً تركيّاً بإزمانه ، والإبلال منه يحتاج ، لا للسياسات البهلوانيّة لثلاثيّ ( حزب العدالة والتنميّة التركيّ ) ، بل وعلى ضوء واقع ومعطى تلك السياسات ، فإنّه يحتاج إلى معجزة ، في زمن العلم الذي هجرته المعجزات .

د ــ تتكشف الحقائق يوماً بعد يوم ، وبغض النظر عن التبريرات الدعاويّة ، أنّ في الأزمة السوريّة ومنذ لحظتها الأولى ، فعل تخريبيّ معدّ ومرتبط بمحاور وسياسات ، بل وبارتهانات ( تصريحات السادة : برهان غليون ، مأمون الشقفة ، هيثم المالح ، عبد الحليم خدّام ، سمير النشّار .............. والقائمة تطول ) ، الأمر الذي يجعل الكتلة الشعبيّة الساحقة من الشعب السوريّ تحتكم لتلك الحقائق المتكشفة ، في اصطفافاتها المواقفيّة ، وانتظام مسؤول فعلها الهادف ، وخاصة بعد انحدار بعض المعارضات إلى سويّة ممارسات خطرة ، مخلّة ومهدِّدة لوحدة المجتمع السوري ، وتناغم غنى فسيفسائه التاريخيّ ، بل ووصولها إلى جديّ التهديد الوجوديّ للوطن ، ووحدته الترابيّة ، ورهن خارطتة القائمة بمشاريع هيمنة ، ليس أبسطها وآخرها مشروع ( الشرق الأوسط الجديد ) !!! فكيف إذا أضيفت إليها أوهام الطورانيّة ــ الجديدة ؟ !! وثلاثينات القرن الماضي مستمرّة في الحاضر السياسي ، واقعاً ماديّاً حيّاً لا دعاويّاً وطنويّاً ، و لا هيام حنينٍ و" نستالجيا " ذكريات ، من قبيل ( يا زمان الوصل ) !! ، فما زال في مفردات كلّ سوريّ مفردة ( السّليب ) ــ وبأل التعريف ــ عندما يُذكر ( لواء الاسكندرون ) وتلك حقيقة معاشة ، لا قومجية أيديولوجيا سياسويّة ، ولا عابر لغويّة لافتة شعار .

لذلك ، وبناءً على ما تقدّم ، وعلى ماسيلي ، يصبح مطلب انتصار منطق العقلانيّة والواقعيّة السياسيّة مشروعاً ، لا من مقالٍ قد يُرمى كاتبه بتهمة انحيازٍ لا تُعيبه ، ولكنْ فوق ذلك ، من قراءة تُشدّد ، زيادة على السابق أعلاه ، على النقاط الآتية : ــ إنّ الحدود السوريّة الشمالية ، حدود دولة ذات سيادة ، وسيادة مسلحة ، لا بعتاد "" حماة الديار "" ، وحدات الجيش العربيّ السوري فقط ، بل وبالوعيّ الوطنيّ الإستثنائيّ الجامع للمواطن العربيّ السوريّ ، والوعيّ القوميّ للإنسان العربيّ من خلفه ، وأمّا التعويل على بعض فلول الفارّين ، فليس إلاّ قبض ريحٍ واعتماد رخيص خيانةٍ ليست نادرة في تاريخ المنطقة ، فجيش الفار ( رياض الأسعد ) وشلّته : ( الجيش السوريّ الحرّ ) !! يذكِّر بجيش ( سعد حدّاد وأنطوان لحد ) : ( جيش لبنان الحرّ ) ، فنفس الدور ، ولن يكون إلاّ نفس المصير ، وأمّا المؤسف فهو أنْ يصبح دور الجار التركيّ لسوريّة في أزمتها اليوم ، نسخةً كربونيّةً للدور الصهيوني في لبنان أثناء أليم أزمته بالأمس !!!

ــ إنّ حرص سوريّة على ممارسة أقصى درجات العقلانيّة في ردودها ، يصدر بالدرجة الأولى عن عدم الرغبة في الإستجابة لسياسة الإستفزاز والإنجراف إلإنفعاليّ إلى مربّع "" ردّ الفعل "" المجافي لبارد الحسابات العقلانيّة وصوابيّة عطاءآتها ، سيّما في النظر الموضوعيّ البارد إلى الجار التركيّ ، لا ككتلة واحدة ، صماء ومصمتة ، فتركيا ليست كلّها ، ولا يختزلها ، ثلاثيّ ( حزب العدالة والتنميّة ) ، فشارع معارضتها العلمانيّ ، واليساري خاصةً ، يأخذ اصطفافاته تصاعديّاً ضدّ السياسة التدخليّة الذيليّة الأطلسيّة للحكومة التركيّة في الشأن السوري الداخلي ، في ذات الوقت الذي لاتتردّد فيه الحكومة السوريّة ، وعلى الأرض ، في اللجوء إلى كلّ الممارسات السياديّة ، ومنها العسكريّة الردعيّة المشروعة "" اللاعدوانيّة "" ، واتخاذ كلّ الإجراءآت الدبلوماسيّة والقانونيّة والتجاريّة والإقتصاديّة والنقل و .... بما يحفظ للسلطات السوريّة حقها ، ويكرس واجب دورها في الحفاظ على أمن وسيادة الجمهوريّة العربيّة السوريّة .

ــ إنّ تسلل المسلحين ، العنفيين الإسلامويين ، أو المرتزقة ( الكونتراوستيين ) ، أومجرمي الحق العام الفارين إلى الأراضي التركيّة ، للقيام بأعمال التخريب في الدّاخل السوري المجاور لتركيّا ، يدخل في باب العدوان وخرق السيادة لدولة مؤسسة وعضو في هيئة الأمم المتحدة ، يمكّنها من التقدّم بشكوى أمامها ضدّ الجار التركيّ المساهم في انتهاك سيادة الجمهوريّة العربيّة السوريّة ، ولئنْ كان التسييس والتحيّز المعروف في تلك المنظمة الدولية يسيء إلى صدقيّة دورها ويدينه ، فإنّ مثل تلك الشكوى تضيف اختباراً لعجزها ، وبرهاناً لحقيقتها تابعاً أخر لسياسات الهمايونيّة الأمريكيّة ، وكشفاً أمام العالم في ناديه الأمميّ ـ وفيه صداقات سوريّة وازنة ـ بحقيقة الواقع ، وما يمكن أنْ يترتب عليه من خطير النتائج إنْ لم يقم العالم بمسؤوليّاته ، مع احتفاظ سوريّة بحقها المشروع في الدفاع عن النفس وبكل الوسائل المشروعة .

ــ على قاعدة ( المعاملة بالمثل ) ، بعد ضرب السياسات التركيّة عرض الحائط بقواعد حُسن الجوار ، فإنّ توظيف السياسة السوريّة للتنوّع الديمغرافيّ العابر للحدود ، وبكلّ الأشكال ، يصبح مبرَراً ومفهوم ، وسورية تحجم حتى الآن ـ وبمنتهى التعقّل ـ عن استعمال تلك الورقة المتاحة والمجرّبة . ــ إنّ التلويح الميديوي بالمقاتلين الإسلامويين ، وتوفير معسكرات تجميعهم ، ولوجستيّ تسليحهم ، وتيسير تسريبهم عبر الحدود إلى الدّاخل السوري ، هو سلوك عدوانيّ صريح ، ويندرج في مندرجات الحرب النفسيّة ( كتلويح ) ، وأمّا وضعه موضع التنفيذ فهو إعلان حرب من دولة أطلسيّة يجر إلى ساحتها قوى تحالفات إقليميّة ودوليّة ، لا تجهلها السياسة التركيّة ، ولا تجهل سوء عواقبها ، وإنْ بدا حتى اللحظة سوء التقدير في تعاملها مع احتمالات نتائجها !!! ــ ثمّ ، ورغم قرع طبل ( المقاتلين الإسلامويين ) المبالغ في ضجيجه ، فإعطاؤه ـ سوريّاً ـ استثنائيّة الأهميّة تبقى مبررة وواجبة ، لا لفعاليّته ـ المشكوك بها ـ في الواقع السوري أبداً ، ولكنْ لاحتمال محاولة البعض التخفف من عبء هؤلاء المرضى ، بإيجاد " صرفة " لهم ، بعد استنفاذ الحاجة إلى التدميريّ ، الساكن منهم في أعماق منحرف التكوين النفسيّ المؤدلج ،؛ وباستعراضٍ موجزٍ لهؤلاء ، فئاتهم ، وتنوّع مشاربهم ، وساحات عملهم والتزاماتهم ، يُلحظ التالي :

آ ـ فرعهم اللاعربي : من أفغان وشيشان وسواهم ، وهؤلاء يندر منهم القادر على التعامل مع الساحة السوريّة ، لا بسبب العائق اللغويّ فقط ، بل وخاصّة لسهولة التعرّف على سيمائهم وأشكالهم في الديمغرافيا السوريّة . ب ـ فرعهم العربي : وهو تبعاً لساحاته ، من المشرق إلى المغرب :

1ــ الساحتان العراقية ـ الأردنيّة : وهما فعل تكامل وتفاعل ، بُرهن عليه خاصّة مع أفعال ( الزرقاوي ) الإرهابيّة ، وقد تلقّى موجع الضربات ، والباقي منه ، مشغول الآن ، بترتيب أوراقه العراقيّة مع إتمام انسحاب المحتلّ الأمريكي نهاية العام .

2 ــ ساحة شبه الجزيرة العربيّة : إنّ الوضع المشتعل في اليمن يشدّ إليه هؤلاء ، حيث تتوفر البيئة الحاضنة لهم ، وظرف تداعي تأثير مركزيّة الدولة على أطرافها ، خاصّة الأقاليم الجنوبيّة ، وفي الشمال يتربصهم الحوثيون بوضعهم الخاص ، مما يجعل من الفصيل اليمنيّ في حال " اكتفاءٍ ذاتيٍّ " بمشاكله ، وأمّا الفصيل السعوديّ فقد أنهكه ـ آنيّاً ـ الصراع مع عسس الأمير ( محمّد بن نايف ) ، وقد دُجِّن بعضه ، إلاّ أنّه من غير المعروف عن الأمير ( محمّد بن نايف ) ميلاً تدخليّاً في الشأن السوريّ ، كبعض آخرين ، كالبندرييّن مثلاً .

3 ــ ساحة الخليج : وأكثرها شهرة نسبيّاً في هذا المجال ( الكويت ) حيث التيّار السلفيّ ومنابره ، ومع ذلك فمساهمة هؤلاء تمويليّة وميديويّة ، ودعائيّة ذاتيّة موجهة للمسيّس من الكتلة الناخبة في الكويت ، أو حيث لا انتخابات ولا من يحزنون ، تصبح لإرضاء نرجسيات متورمة ، أو دفعٍ لمخاوف من جارٍ ، وقد عاينّا بعض نماذج نشاطاتهم على الجانب التركيّ من الحدود .

4 ــ الساحة اللبنانيّة : إنّ الخطورة في تلك الساحة تكمن في كونها امتداد جيوـ ديموغرافيّ للداخل السوري ، خاصّة التداخل المذهبيّ ، ووجود تيّار طائفيّ سياسوي (المستقبل) معادٍ للحكم في سورية ، تدعمه وتموّله دولّ "عربيّة" نفطوـ غازيّة ، ويرتبط ـ وتيار 14 آذاره ـ بالتوجيه والأمر اليومي للسفارة الأمريكيّة في (عوكر ) ، تلك السّاحة من ( لبنان ) ، والمقتصرة ـ فعليّاً ـ حتى الآن على بعض شماله في منطقة الجوار من ( محافظة حمص ) السوريّة ، تشكّل واقعاً متفجِّراً للبنان كما لسورية ، بالنظر لمعقّد الواقع اللبنانيّ الذي يعرفه الجميع ، ومع كلّيّة عدم الإستهانة بالخطورة ـ مهما ضؤلت ـ لتلك الساحة ، فإنّ المعرفة المعروفة للأمن السوري بها ، ووجود تيّار لبنانيّ عريض صديق لسوريا ، والتجاوب اللبنانيّ الرسميّ ( على لسان ابن طرابلس ، الرئيس ميقاتي ) ، يقزّم الخطورة إلى حدودٍ ضيّقة ، محدودة الفعل وتأثيره ، ويجعل اندراج تهويله في عدّة الحرب النّفسيّة أقرب إلى المنطق المسؤول .

5 ــ الساحة المصريّة : لم يعد للجماعات الإسلامويّة العنفيّة من وجود فعليٍّ في تلك الساحة منذ عقد الثمانينات من القرن الماضي ، وإنْ ترددت أسماء بعض أفرادها ــ الرموز في بعض الساحات الخارجيّة ( أفغانستان ، العراق ... ) ، إلّا أن مباشر خطرها غير موجود ، فضلاً عن أنّ المخاض السياسيّ في مصر يستهلك جهد الجميع في البحث عن التموضع ، وقطف موسم المواقع المتخاطفة التي وفّرها الواقع السياسيّ الرّجراج للشارع المصري منذ تنحية الرئيس المصريّ المخلوع ( حسني مبارك ) .

6 ــ الساحة الشرق أفريقيّة : يتزعّم الوضع الصوماليّ حالة اضطرابها ، بنشاط تنظيم ( شباب المجاهدين ) الباحث عن المدد والأنصار ، في واقع الصوملة التي أصبحت حالة مدولنة ، واشتباك إقليميّ دولاتيّ شرق افريقي ، مما يستبعد امكانيّة تصدير المقاتلين الإسلامويين من تلك الساحة المستورِدة !!! .

7 ــ ساحة الشريط الجنوبيّ للشمال الأفريقي ، حيث تنشط جماعات ما يعرف اختصاراً بـ آكمي ( القاعدة في المغرب الإسلامي ، الترجمة العربيّة لـ : Al-Qaida au Maghreb islamique ) ،فإنّ عملها يقتصر على الساحة المشتق منه اسمها ، خاصّة وأنها منشغلة الآن بمغانمها " الليبيّة " في الواقع الحالي المضطرب للوضع الليبي .

8 ــ الساحة المغاربيّة : ليس من خطورة ملحوظة أو محتملة لساحات ( الجزائر أو المغرب أو تونس ) في تصدير المقاتلين الإسلامويين إلى سورية ، ليبقى الواقع الحالي للساحة الليبيّة مجال الأخذ والردّ وحديث الساعة الميديويّ ، خاصّة بعد الإعتراف اليتيم الناتوي ( المجلس الوطنيّ الإنتقاليّ ) الليبي ، بشبيهه الإسطمبوليّ ( المجلس الوطنيّ السوريّ ) ، والقصص الخرافيّة الطرزانيّة لـثورجيّة ( طرابلس ) الفاتحين لخيمة ( القذافي ) ، في ثكنة ( باب العزيزيّة ) المدمّرة بقنابل قاذفات الناتو ، لا بالسلاح الفردي والخفيف للثورجيّة الأبطال !!! بقيادة الرّامبو ( عبد الحكيم بلحاج ) الملمّع ميديويّاً ، بكليّة حضوره المكانيّ !!! ، توقيفاً معلناً في المطارات الليبيّة من قبل فصيل ناتويّ آخر ، إلى إعطائه " اسماً حركيّاً " جديداً في معسكرات التدريب للفارّين السوريين على التراب التركيّ ، وصولاً إلى التهديد بقيادته لأحد " فراديس المجاهدين" المتربصة على الجانب التركيّ من الحدود ( السوريّة ـ التركيّة ) !!! ، في تهويلٍ كاريكاتوريٍّ للبطل الخرافيّ الأسطورة !!! مما يجعل الإدانة للدور التدخليّ التركيّ أكثر رسوخاً على قاعدة "" وشهد شاهد من أهله "" ، ويبقى منطق الأمور ناطقاً : أنّ المدعو ( عبد الحكيم بلحاج ) يقبع حارساً لمكافأته ـ الحصّة من فتات الحكم الليبيّ ، وكعكتة المتناهشة بين الفصائل المتصارعة على الساحة الليبيّة ، وبالتالي فالتلويح به لا يعدو فعل وفعاليّة شهر سلاحٍ خلبيٍّ في لحظة جديّة لا تحتمل المزاح ، ولكنّها بروباغاندة الحرب النفسيّة وبعض ألاعيب توظيفاتها المكشوفة ، التي تؤكّد شيئاً واحداً ، هو انتهازيّة السياسة التركيّة ، ورخيص ماكيافيلّية وسائلها ، وتهافت أخلاق توسّلاتها . من هنا ولكل الوقائع أعلاه ، من أسباب ومعطيات وأهداف ،يبقى لثلاثيّ المسرح السياسيّ التركيّ الحالي ( آردوغان ـ اوغلو ـ غول ) قصب السبق في احتماليّة الذهاب بالأمور إلى الهاوية ، لا حافتها فقط ، بالدّورالذيليّ التدخليّ للسياسة الانتهازيّة التركيّة ، في إذكاء أوار الأزمة السوريّة ، فهل ينتصر منطق التعقل والواقعيّة السياسيّة ، على الحماقة ومنطق المغامرة اللامسؤول ؟ !!! إنهما لفي مراهنات وسباق محموم ، فلننتظر مقبل الأيام الحبلى ( بما لم تُعلمِ ) .... ومرّة أخرى ، أونملك غير الإنتظار ، ولو القلِق المتوجّس ؟ !!!


الحقيقة والدعاية في مكرور تسريبات تسلل ( المقاتلين الإسلامويين ) إلى السّاحة السّوريّة ج ( 2 ) :

بين هادئ القراءة السياسيّة ، وتعبويّة الحرب النفسيّة الملازمة لآنيّة الحدث السوري ، الصاخب ميديويّاً بلا سابقة مماثلة ، تصبح مسؤوليّة الكتابة عناقاً لحدِّ السكين ، ومع ذلك ففي الجزء الثاني هذا ، يستكمل المقال رؤيوية استعراضه للباقي من الحدود السورية ، مع الجار التركيّ في الشمال ، والشقيقان ، العراقي في الشرق ، واللبنانيّ في الغرب ، بعد أن استعرض الجزء الأوّل شواطئ المتوسط السوريّة ( ما عدا شواطئ لواء الإسكندرون المحتلّ من قبل تركيّا منذ عام 1939 ، قبل تاريخ الإستقلال السوري بستة أعوامٍ ونيِّف ) ، وخطّ المواجهة مع الكيان الصهيوني في الجولان المحتلّ ، والحدود " السايكس ــ بيكويّة " ( الأردنيّة ــ السورية ) .

ثالثاً ــ الحدود ( السوريّة ــ العراقيّة ) : وهي أيضاً حدود تسوويّة بين الإنتدابين ، الفرنسي على سورية ، والبريطاني على العراق ، آخذة في اعتبارها جملة معطيات ومصالح ، ليس أقلّها نفط ( الموصل ) المكتشف ـ بريطانيّاً ـ أيّامها ، لا كمصدر طاقة وتطوير صناعيٍّ فقط ، بل كسلعة استراتيجيّة حاسمة الدّور في إدارة عجلات الحروب ، وخاصة تحرّكات أساطيلها في أعالي البحار ، بعد تراجع عصر الطاقة الصلبة ( الفحم الحجري ) لأسباب متعددة من بينها الصعوبات اللوجستيّة من تخزين ونقل و .... ، ومحدوديّة السرعة التي تسمح بها طاقته للسفن المعتمدة عليه .... إلخ ، والذي لعبت شركات النفط دورها الحاسم في لفت نظرالسياسات الإمبراطويّة للحكومة البريطانيّة وقراراتها ، ومنها ما يتعلّق بموضوعنا من ضمّ ( الموصل ) إلى منطقة الإنتداب البريطانيّ في بلاد الرّافدين ، مبادلة مع ( لواء دير الزّور ) الذي أصبح جزءاً من بلاد الشّام الموضوع تحت الإنتداب الفرنسيّ ، بتوافق ورضى الإنتدابين ، تطبيقاً للمشؤومة اتفاقيّة ( سايكس ـ بيكو ) الأشهر وملحقات تنفيذها ، وككلّ الحدود التي فرضتها مصالح الغرب في وطننا العربيّ لم تُعِر اهتماماً للتواصل السكانيّ عبرها ، إمّا لقصور المعيار الأوروبيّ في ترسيم الحدود ، وهذا احتمال !!

أو للجهل بالعمق التّاريخيّ للمنطقة والتعامل معها كتشكلات "" قبل ــ أمّة "" وكإفرزاتٍ ركود مجتمعيّ من ظلاميّة قرون أربعة من تسلطّ العثمانيّ المتخلِّف ، وهو الأرجح ، وهنا نجد الحالة الديمغرافيّة ذاتها على الحدود الأردنيّة ــ السورية ، مع بعض خصوصيّات مستحدثةٍ من نتائج تطوّر وضع سياسيٍّ ، سوريٍّ ـ عراقيٍّ معقّد ، منذ قيام عهد الحكم الهاشميّ في بغداد وإلى يومنا ، لكنْ يبقى الأكثر حسماً في تلك الخصوصيات هو ماطرأ عليها " نوعيّاً " ، وأقرّته الوقائع " موضوعيّاً " منذ الغزو الأمريكيّ للعراق واحتلاله عام 2003 وهو ما سيتوقف عنده للصلة المباشرة بموضوع المقال :

آ ــ بيّنت أهداف الغزو الأمريكي للعراق أنّ احتلال ( بغداد ) هو مقدمة لاحتلال ( دمشق ) ، وأنّ احتلال ( بغداد ) لن يصبح ناجزاً مستقراً إلا بوضع ( دمشق ) في عين عاصفة الإستهداف الأمريكي وحلفائه "" بنود ورقة كولن باول ــ الإنذار خلال محادثاته في دمشق بعد إسقاط بغداد واحتلال العراق "" .

ب ــ ترسّخ اليقينيّة في ( دمشق ) ، أنّ خطّ الدفاع الأوّل عنها أمام الهجمة الأمريكيّة الشرسة ، بما يترسم عليه ويسمه ، من نقطة بداية حسم المستقبل " الجيوــ استراتيجيّ " للمنطقة ، إنّما يتأسس في ( بغداد ) المقاومة ، المحتضَنة ، لا عربيّاً تحرريّاً فقط ، بل وإقليميّاً مشارِكاً أيضاً ، للجم اندفاع المشروع العدوانيّ الأمريكيّ في مرحلته الأولى ، وهزيمته في نهاية المطاف .

ج ــ تأكد الارتباط والترابط بين المشروع الغربيّ ، والأمريكيّ بالخاصّة ، مع امتداده الصهيوني لإنجاز ( الشرق الأوسط الجديد ) ، الطبعة المنقّحة المعولمة للمشروع فوق ــ الإمبرياليّ لإدخال منطقتنا ، ونهائيّاً كما خططوا !!! ، إلى بيت الطاعة الأمريكيّ وإغلاق الباب عليها بقفلٍ صهيونيٍّ محكم .

مما سبق أصبحت الحدود السوريّة ــ العراقيّة تحت مجهر الرقابة والمراقبة ، والحسابات الأمنيّة قبل العسكريّة ، السوريّة قبل الأمريكيّة ، مما جعل اجتياز تلك الحدود ما كان ليمكن إلا إرادويّاً ، بتعاونٍ سوريٍّ رسميٍّ ، غير معلنٍ ، مع بيئةٍ حاضنةٍ مقاوِمة ، تلك المراقبة الأمنيّة النّامية من الجانب السوريّ ، يضاف إليها إرادة سياسيّة عراقيّة ملائمة ، ومتعاونة حتى قبل إنجاز الإنسحاب الأمريكيّ أو اندحاره عن ( بغداد ) ، يجعل من تسلل ( المقاتلين الإسلامويين ) وعنفهم عبر الحدود مسألة فيها نظر ، وتندرج تسريباتها المتكررة في إطار لغة التهويل ، والحرب النفسيّة المدروسة ، والمسعّرة التوظيف والدور في تنفيذ السياسات التدخليّة في الأزمة السّوريّة ، فإذا أضفنا معطيات معادلات السياسات الداخليّة في العراق وأطرافها ، وارتباطاتها الإقليميّة وحساباتها ، نجد أنّ لحظة انجاز الإنسحاب الأمريكي من العراق ، حتى نهاية العام ، تملي على تلك المعادلات إضافتها الوازنة ، وبالتالي يدخل الجميع ، بمن فيهم ( المقاتلون الإسلامويون ) ، وربّما بعنف استنفاريّ ، إلى بيادر محصولها ، وإذاً فهؤلاء ، إنْ كان وجودهم مؤثر ، فهم مشغولون بساحتهم ، وفيها من يتكفّل بهم ، مما يقزّم خطرهم على الساحة السوريّة إلى بُعدٍ نقطيٍّ لا منظور أو بالكاد ، وأمّا البيانات ووسائل الميديا بيدهم ، وصفحات تويتر وفايسبوكهم ، فلا تزيد قيمتها عن تأثيرفعل افتراضيّ في واقع رغبويّ متخيّل ، إنّها الحرب النفسيّة ، ولمن يفكّ كودها لا تعني أكثر من مدّ لسانٍ في الهواء .

رابعاً ــ الحدود ( السوريّة ــ اللبنانيّة ) : هنا يقف المرء وتأخذه الحيرة ، لهذا الإسم بلا مسمّى !!! فأين هي تلك الحدود اللامحددة واللامنجزة الترسيم ؟ !!!

وهل يكفي الصراخ المناسباتيّ الشعبوي ، للتوليفة الوظيفيّة لتيّار الـ ( 14 آذار) اللبنانيّ ، لكي تصبح الأمنيات وقائع ؟ !!! أوليست الحدود ـ أولاً ـ احترام يسكن النفوس ، قبل تحديد الأرض بحفر الفؤوس ؟ !!! وفوق ذلك ،أوليست كلّ تلك الهمروجات الشعبويّة من طرابلس إلى الى البقاع ، إلى كلّ الألسنة الجغرافيّة والديموغرافيّة اللبنانيّة الممتدّة والمعشّقة في الخاصرة السوريّة تنطق بما لا يرغبه المهمرجون ، من حقائق تاريخيّة ناطقة أنّ لبنان أصبح كبيراً بطرابلس والأقضية التي ' نهشها ' ( غورو ) من الجسد السوري لتصبح متصرفية الجبل لبنانكم الكبير ؟ !!! ثمّ لماذا ترتفع عقيرة فرقة الزجل السياسيّ الـ ( 14 آذاريّة ) اللبنانيّة وملحقاتها ، بأنشودة الحدود !!!لمجرّد الشكّ أو الزعم باجتيازٍ عرضيٍّ للحدود المفترضة للقوات العربيّة السوريّة ، ولا يرتفع صوت ناقد للممارسات التدخليّة الفتنويّة الملحّنة والمغنّاة من ذات الفرقة ؟ !!!

أم أنهم يريدونها إضافة حدوديّة ، طقوسيّة طوطميّة ، هم وحدهم لها الكهنة ، ولقدسيّة أسرارها هم المالكون ، فلهم وحدهم ، ووحدهم فقط ، حقّ اجتيازها ولمن للعبور يرخّصون ؟ !!! وإذاً فتلك الحدود مازالت اتفاقيات قانونيّة ورقيّة ، لا واقع رسمٍ يؤكدها ، وليس لها من سندٍ ماديّ ، فضلاً عن ليّها حقيقة التاريخ وتجاهلها لغة المكان وديموغرافيّة إنسانه ، فلنسمها إذاً بالتخوم اللبنانيّة ــ السوريّة ، تماماً كتلك التي بين مزارع الأخوة ، أو الجيران ، فهو أقرب إلى توصيف الواقع ودقّة تسميته .

فهل من احتمال لتصبح تلك التخوم مسرحاً للسلاح المهرَّب وتجارته ، ومسرباً لتسلل المسلّحين بكل أصنافهم ، لا العنفيين الإسلامويين فقط ، بل لأصناف المجرمين ، والمغامرين المرتزقة المأجورين ( ولمَ لا ؟ !! بوجود الدافعين الممولين ) ، إلى قلب الدّاخل السوريّ وبؤر أزمتة ؟ !! الواقع المعاش يجيب "" بنعم "" ، وبالتالي تصبح معالجة الواقع المقلق والخطر في تلك التخوم مهمّة أمنيّة من الدرجة الأولى ، للجم تهديد السلام المجتمعيّ بعمومه ، لا في سوريّة فقط ، بل وفي لبنان الهشّ أصلاً بتناقضاته البنيوية الكيانيّة التي يعرفها الجميع ، مما يحتّم عملاً سوريّاً ــ لبنانيّاً مشتركاً ، وجهداً ثنائيّاً يضع موضع التطبيق الإتّفاقيّات الثنائيّة ذات الصلة ، ويضع الخطط الملحّة ، لا لمعالجة الأزمة السوريّة الحاليّة فقط ، بل ولكلّ طارئة شبيهة على التخوم بين البلدين .

فمكمن الخطورة هنا لا يمثله كمّ ( العنفيين الإسلامويين ) فقط ، وهو محدودٌ أصلاً لأسباب لمّحتُ إليها وسأحاول حصرها لاحقاً ، ولكن لجوالتهييج الأهلويّ ، والتجييش المذهبوي ، وسياسات الثأريّة القصيرة النظر ، والتبعيّة المسيَّرة بلا أقنعة ، وتأجير القلم والبندقيّة ، في زفّة وظيفيّة الدّور، تتعدى هنا تهويش الحروب النفسيّة على المحمول المعنويّ ، إلى مباشرة التخريب الماديّ الفعليّ ، بجعل تلك التخوم منصّة لوجستيّة لإطلاقٍ قذائف الفوضى والأفعال الهدّامة ، وقاعدة خلفيّة لجبهات الدمويين المتنقلة ، وبأسماء حركيّة " ثورجيّة " لا ينقصها التلميع وجوقات المبررين ، ولكنْ وبضرورة الديناميّة في ساحة الفعل وبيئته ، فلن يستمر أثره عابراً للتخوم في اتجاه واحدٍ نحو سوريّة دائماً ، بل سيأخذ سياق فاعليّته المؤثرة في الإتجاهين ، ولو بتفاوت المواقيت .

خامساً ــ ( الحدود السّوريّة ــ التركيّة ) : هنا ، حيث يلتقي التّاريخ بجدليّة بنيويّته وخلاصة عِبرته ، مع الديموغرافيّ بخصوصيّة تموضعه ، مع السّياسيّ في ديناميّتة ، بتذبذبه وتغيّره ، وحتى انقلابيّته وتقلبه !! ، و ما يترتب على كلّ ذلك من نتائج ، ترسم مسارات إلى مآلات ، تُصدّق واقعيّة معادلاتٍ وتسقط وهم رغباتٍ وحالم أمنياتٍ ، مما سيكون موضوع الجزء الثالث من المقال :

( يتبع ) .

الثلاثاء، 6 ديسمبر 2011

الحقيقة والدعاية في مكرور تسريبات تسلل ( المقاتلين الإسلامويين ) إلى السّاحة السّوريّة ، بين هادئ القراءة السياسيّة ، وتعبويّة الحرب النفسيّة ( ج 1 )

من قلم : د .منير وسّوف القوي




المتابعة اليوميّة المستمرّة لتطوّرات الحدث السوريّ ، والرصد المواقفيّ المجرّد لمختلف أطرافه ، الرئيسيّ من لاعبيه الفاعلين ـ واقعاً ـ في صناعة حدثه على الأرض ، أو الطرفي الثّانويّ الملحق ، وبأوامر" غرف عمليّات " تدير الجانب " الدعائيّ ـ الدعاويّ ـ الميديوي ـ البروباغاندي " ، يسمحان باستخلاص نتائج ، تتراوح في موضوعيتها بين :


ــ التقزيم المستهتِر المستهزِئ المستخِفّ ،


ــ و التهويل المضخَّم ـ المضخِّم ( بالفتح والضمّ ) ، مجافياً في كلا التّطرّفين ، صفة الموضوعيّة ، في التّعامل مع الحدث السّوري ، ودّقة خصوصيّاته التي يستحيل تجاهلها ، أو القفز فوق واقعها الفارض واقعيّة ضرورة الإمساك بكلّ خيوط تجاذب وتنافر ، اشتباك وتشابك ، جميع المعطيات ـ المؤثّرات ، المتعددة المشارب والأهداف ، وتحديد نسبيّة فعلها وفاعليّتها في صناعة الحدث السوريّ بامتياز خصوصيّة تمظهره ، فضلاً عن امتداداته العضويّة ـ إقليميّاً ودوليّاً ـ وانعكاساته الحتميّة ، جيوـ استراتيجيّاً ، على الإقليم وبلدان الحوض المتوسطيّ بالخاصّة ، وبالضرورة على كليّة بنيويّة التوازن الدوليّ ومرتكزاته ـ المسلّمات ، منذ طيّ صفحة " الحرب الباردة " ـ كما اعتُقِد وشُيّع ـ منذ بداية العقد الأخير من القرن العشرين ، والتي ، يبدو اليوم ، أنّها لم تكن إلاّ هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفاس في نواة المعسكر الذي أُعلنت هزيمته ( الإتحاد الروسيّ ) ، وانكشاف نواقص النصر بارتكاب صاحبه ( الولايات المتحدة الأمريكيّة ) من أخطاء إدارويّة قاصرة ، وخطايا سياساتٍ امبراطوريّةٍ حمقاء وقاتلة ، تتساوى في ذلك الإدارات الجمهوريّة والديمقراطيّة ، مما لم يُطح بالنصر الناقص فقط ، بل جعله انتصار خادع وافتراضيّ مفترض ، يتطلب تكريسه واقعاً ، خطوات تكتيكيّة ،واستراتيجيّات ـ مشاريع مطبقّة ، من الجانب الأمريكي ، والتي ، يبدو اليوم ، أنها لم تقدْ مطلقاً إلى بلوغ هدفها الموضوع ، بل بالعكس تماماً ، فقد قادت الولايات المتحدة الأمريكيّة ، أولاً ، " لا " لإضاعة هدف إنجاز النّصر الناقص فقط ، أو بشارته على الأقلّ ، بل وضعت نفسها ( الولايات المتحدة الأمريكيّة ) ومعها العالم كلّه ، تالياً ، في خضمّ عاصفة أزمة انهيارات ماليّةٍ ، وركودات اقتصاديّة ( لا أزمات فقط ) ، وسياسات تدخليّة عدوانيّة ، ومنها ــ وفي بعض وجوهها الأبشع ــ ، سلوكيّات تآمريّة مافيوية ، وإجراميّة مخزية ، لا تليق بأخلاقيّات دبلوماسيّة دولة عظمى مسؤولة ، بل ولا تنحطّ إلى سويّاتها سياسة دولة مارقةٍ بحصريّ التعريف !!


هذا البسط للسياسات الأمريكيّة اقتضاه وحمل على ابرازه ما تلعبه سياسات تلك الدولة ، ومراكز دراساتها وأبحاثها ، وأنشطة مخابراتها وعملائها ، ومثقفوا " مارينزها " ، وحديثاً مثقفوا " أُوتانها " من كبير الدّور ، بل مركزيّته وقياديّته في ( الحرب النفسيّة ) المستعرة ضدّ سوريّة ، شعباً وجيشاً ونظام ، وعلى الجميع ، موالاة ومعارضة ، وخاصّة المعارضة النظيفة ، وبلا تكافؤٍ ـ لا إمكانيّاتي ولا تخصصي ، ولا لوجستيٍّ تعبويّ ممنهج ، وكلّه حقائق لا يفيد فيها التجاهل الإنتهازيّ ، ولا الإنكار السياسويّ المرضيّ ، بل يقود إلى المزيد من الأذيّة الواقعة ــ مع سبق التّرصّد والإصرار ــ ليصبّ ، ولو عفويّاً سذاجويّاً ، أو عمداً تواطئيّاً ، في طواحين مسببيها ، ويزيد رافد سلبيّ " النكران " المكابر ، لنفيّ القصور الماديّ المنطقي المفهوم ، أوالتقصير الحقيقيّ اللامُبَرَّر القائم في استثمار وتوظيف المتاح ، إلى روافد أسبابها .


من تلك الزّاوية ، تصبح القراءة السياسيّة للتسريبات المترددة لتسرّب ( المقاتلين الإسلامويين ) إلى السّاحة السّوريّة ، ونتائجه الحسمويّة !! والتغييريّة النوعيّة !! ، ضرورة منطقيّة ، وحاجة موضوعيّة ، لاتُخرجها من بعدها " التعبوي " في سياق الحرب النفسيّة المشرعة التسعير والسُعار ، ولا تخرج بها عن واقعيّة التحليل ، في محاولة وضع النقاط على حروفها ، فلا تخطئ القراءة بحَوَل منهجيّ ، ولا ينتصرغرضيّ التضليل بإحلال مكان الواقع الفعليّ آخر افتراضيٍّ قصدويّ التوظيف .


فهذا التسرّب الماديّ للمقاتلين سيكون بلا جدال عبر الحدود السّوريّة البريّة ، فليس المعروف عن هؤلاء ( المقاتلين الإسلامويين ) مهارات ( عيسى العوّام ) ، فضلاً عن عقباتها ، التي ليس آخرها يقظه سلاح البحريّة السوري ، بحكم حالة الحرب القائمة مع العدوّ الصهيونيّ ، ومهمّة الجيش السوريّ الدائمة في المواجهة المفتوحة على امتداد الجبهات ، ومنها " الجبهة البحريّة " بمفردات التعبويّات الحربيّة وتسمياتها .


وإذاً تبقى الحدود السّوريّة البريّة طريقهم إلى الدّاخل السّوري ، ولئن كان لا يجب التقليل من خطورة تلك الظاهرة ، مهما ضؤل شأنها ، فإنّه بالمقابل لا يجب التهويل بتأثيراتها ومنعكساتها على مسارات الحدث السوري واحتمالات مآلاته ، فليس هؤلاء المقاتلون الإسلامويّون كلّاً واحدًا متجانس ، وليسوا جيشاً مغوليّاً عرمرماً ، فليكنْ لهم حسابهم ، ودقّة تقدير تموضعهم ، وحقيقة قوتهم بلا بروبّاغاندات ، لتجنّب الإنزلاق إلى الرغبويّة ، ومن كلّ الأطراف اللاعبة لذاتيّة أغراضها المختلفة والخلافيّة في الأزمة السوريّة الملتهبة ، والدّالفة إلى شهرها التاسع دون وضوحٍ في تحديد ، لا تاريخ الولادة ولا جنس المولود !! فالكل لا يتقيّد بالمواعيد المعلنة فتتغيّر " روزماناتها " ( تقاويمها ) ، ويبقى جنس المولود أمنية لا حقيقة واقع ، والمشكلة تكمن في أنّ يكون قد أصبح مشوَّهاً بمديد الحمل المتعسِّر ، وباختلاف اجتهادات وكفاءة " القابلات " المتنطعات لرعايته وتحديد تاريخ الوضع المنتظر بلهفةٍ ، ومن الجميع ، ولكلٍّ رغبويته ومصالحه ، الأهل المزعومون قبل الحقيقييّن ، والأباعد قبل الأقارب والجيران ، وخاصّة العدوّ الشّامت على عتبة الدّار ومنتهك " جولانها " :


لذلك سأبدأ بجبهة المواجهة " السّوريّة ـ الصهيونيّة " ، لتكون الخاتمة بالحدود الطويلة " السوريّة ــ التركيّة " التي انتقلت بسرعةٍ " انقلابيّةٍ " سياسيّة ، خلال بضعة أسابيع ، إلى نقيضها على امتداد عقد من الزمن !!! :


ــ أولاً : جبهة المواجهة السّوريّة ـ الصهيونيّة :


منذ عام 1974 ، وبعد ( اتفاقيّة الفصل ) بين القوات المتحاربة " السورية ـ الصهيونيّة " في أعقاب ( حرب استنزاف ) سوريّةٍ مديدةٍ ، تلت ( حرب 6 تشرين 1 ـ أكتوبر ) لعام 1973 ، فرضت على الوسيط الأمريكي الكيسنجري التدخل ، لإنجاز تلك الإتفاقيّة على الباقي من الجولان المحتلّ برسم خطوطٍ لوقفٍ إطلاقٍ للنار على الأرض ، وعلى جانبي منطقة عازلةٍ بين المتحاربَين ، إذاً إنّها منطقة عسكريّة ممسوكة لا تسمح بتسللٍ ، ولو تمنى الصهيونيّ ذلك أو أراده ، أو وُجِد من الإسلامويين البراغماتيين المرتبطين من يقبل بذلك مسلك ، وهم قلّة على كلّ حال .


ــ ثانياً : الحدود السوريّة ــ الأردنيّة :


إنّ الشارع الأردني المشدود ـ بشبه كليّته ـ إلى القضيّة الفلسطينيّة بحكم واقعه البنيوي الديمغرافي والتاريخي ، والذي جعل اتّفاقيّة ( وادي عربة ) وثيقة " تواطؤٍ فوقيٍّ " بين نظامين حاكمين يتبادلان الخدمات ، يجعل من الشعب الأردنيّ ، بغالبيّة تياره المسلم المسيّس " حمساوي الحراك " على الأرض ، وإنْ بقيت أدبيّاته السياسة وبياناتها تزخر بالدّعويّة والتعاطف والدّعاء بالنصر والسؤدد لـ ( ثوّار " الجمعات " ونداء : تكبير ...... !!) ، أمّا قواه القوميّة والوطنيّة ، فقد أصبح موقفها ـ بالمجمل ـ واضحاً من الحدث السوري بالقلم والوفود والتجمعات الداعمة لسوريّة الرسميّة ، وصل بعضها ، في واضح تعبيريّته ، إلى عراك بالأيدي على الشاشات !! ، ويصل المجتمع الأردنيّ لعيش الحدث السوريّ أكثر كلما اقترب من الحدود " السايكس ـ بيكويّة " بين الأردن وسوريا ، حيث تصبح الديموغرافيّة واحدةً عابرةً للحدود ، والأزمة السوريّة تنوء بكلكل إيقاع يوميّاتها على الواقع المعاش ، فالمشاكل وآثارها لا يمكن لجمها في الجانب السوريّ خلف الحدود ، وما حصل من اضطرابات عاصفةٍ في ( الرمثا ) ، بسبب تجارة السلاح وتجّاره وسماسرته أجبر الحكم الأردني للإسراع إلى الزّج لا بالقوى الأمنيّة المدعّمة فقط ، بل بالجيش ودباباته للإمساك بالشارع وضبطه في منطقة مثلثٍ حدوديّ أردني ــ سوري ــ فلسطيني ( حيث الكيان الصهيوني الغاصب ) !!!


كلّ ذلك والحكومة السوريّة لم تبد رد فعلٍ محدد ، أوتتقدّم بأيّ طلبٍ معلنٍ إلى الحكومة الأردنيّة !! فكيف إذا أُخذ بالإعتبار الأمور التالية :


ــ إنّ الحدود السوريّة في ذلك المثلث هي امتداد لجبهة الجولان وعمقها ، وطريقها إلى دمشق العاصمة ، وتتمركّز في تلك المنطقة ، وجوارها الحورانيّ ، فرق من الجيش العربيّ السوريّ وأمنه منذ العام 1948 .


ــ أنّ سكّان الجانب الأردني من الحدود يعتمدون اقتصاديّاً ، وبعضه تهريب لا شرعي " أحياناً مسكوت عنه " ، وحتى في معاشهم اليوميّ يقصدون السوق السوريّة .


ــ مثلت سوريّة للأردن دائماً مصدر معونة أخويّة ــ واجبة لا متوجّبة ــ من الماء والدواء إلى القمح واللحوم ، وتلك حقيقة تُستدعى لا " لِمَنٍّ " أبداً ، ولكن للإشارة إلى واقع واجب اقتسام الرّغيف بين الإخوة ، في لحظة انهيارِ أخلاقٍ وقيمٍ سمحت بالخوض ــ ولو افتراضيّاً ــ في سود سيناريوهات التآمر من الأخ على أخيه ، وطعنه في الظهر، وشهر سلاح الغدر عليه !!! .


ــ وجود آلاف الطلاب من الأشقاء الأردنيين في الجامعات الرسميّة السوريّة " المجّانيّة " ، في حين يدفع الطلاب السوريون باهظ الأقساط في جامعات الأردن ، فالأردن رابح مرتين !!! .


ــ تجارة الترانزيت ، ونافذة الأردن الحقيقيّة لتجارته البحريّة ، طريقها الفعليّ عبر سوريّة ، ولا بديل في المستقبل المنظور .


لكل تلك الأسباب ، بين أُخرى ، ومنها ـ خاصّةً ـ الطبيعة الجيوـ ديمغرافيّة للبادية السورية في الباقي من التواصل السّوريّ ـ الأردنيّ ، فإنّ الحدود " السوريّة ــ الأردنيّة " تفقد كل إغراءٍ عمليٍّ لتسلل العنف الإسلامويّ المنظّم الفعّال إلى الأزمة السوريّة ، وأمّا التسلل الفرديّ فيبقى معزولاً ولا يعوّل عليه .


في الجزء الثاني يستكمل المقال رؤيوية استعراضه للباقي من الحدود السورية مع الجار التركيّ والشقيقان العراقي في الشرق ، واللبنانيّ في الغرب .

( يتبع ) .




السبت، 3 ديسمبر 2011

الفخ السوريّ المحكم والخطيئة التركيّة القاتلة : لعلاقات السورية ـ التركية والأمن القومي العربي ج ( 8 ) :

من قلم : د.منير وسوف القوي


في الحقيقة ، أوحت نهاية المقال لي بهذا العنوان ، فاعتمدته مع محافظتي على كامل المقال كجزءٍ في سلسلة مقالاتي المعنونة بـ : العلاقات السورية ـ التركية والأمن القومي العربي ج ( 8 ) :

كان السؤال ـ المدخل إلى الحلقة السابقة ــ ج ( 7 ) ــ : ( أيّتها السياسة التركيّة المستجدّة منذ بداية الأزمة في سوريّة ، لماذا تنكئين الجراح ؟ !! ) ، مع وعدٍ بالعودة إلى الجرح المقيم ، لا الملتئم على زَغَلٍ وصديد فقط ، جرح ( لواء الاسكندرون السليب ) وبعض إقليم ( كيليكيا ) ، وقد حال التسارع المتصاعد للحدث السوريّ المشتعِل ، وفي معظمه تصعيد متعمّد ــ كما أصبح واضحاً ــ ، بلعب كلّ الأوراق ، من قبل كلّ الأطراف ، داخليّة وخارجيّة ، لا تحت الطاولات كما هي الحالة عادةً في الغالب المعهود ، بل أصبح اللعب وبالأوراق المكشوفة ــ بلا حتى محاولة إخفاءٍ أو مداراةٍ ــ فوق الطّاولات المنكشفة السّترة ، بسقوط الستار وافتضاح المستور من الأمور ، في معظم جوانب الحدث المأساويّ ، الذي يجتازه المجتمع السوريّ وشارعه المضطرب ، بأسبابه وتفاعلاته ، بشكل واختلاف ــ بل وبتضادّاتٍ ــ في تطوّراته ، وإشكالات التدخليّة المتناقضة في سياقاته باتّساقٍ طرديٍّ مع تضارب مصالح الأطراف المتدخلة في مساراته ، مما لا يتسع المجال لاستعراضها وعرضها في متن مقالٍ ، تحكمه وتفرض ضغطها على قصديّته ملاحقة تطوّرات " الحدث ـ الموضوع " العلائقيّ السوريّ - التركي ، من وجهة نظرٍ راصدةٍ محلِّلةٍ للعلاقات السورية ـ التركية وانعكاسات التطورات في سياقاتها ـ إيجابيّاً أوسلبيّا ـ على الأمن القومي العربي بالخاصّة ، بدايةً ، وبالمجمل على أمن الإقليم وأمن المجتمع الإنسانيّ بالمحصلة النهائيّة ، مما يجعل السؤال ـ المدخل إلى المقال الحاليّ ينتقل بعفويّةٍ ، ويتطور من لغة العتب والمرارة ، في " السؤال ـ المدخل " السابق ــ مع شبه يقينيّة معرفة الجواب ، إلى لغة التشكّك والإتّهام الفارضة نفسها ، بقوّة منطق الواقع وتأزّم معطياته ، ليصبح صريحاً : أيّتها السياسة التركيّة المستجدّة ، منذ بداية الأزمة في سوريّة ، لماذا ، إلى أين ، ولمصلحة من تصعدين ؟ !!
أمّا لماذا :

فالجواب بسيط ، لعّل ( ما أحلى الرجوع إليه ) ـ مع عظيم الإعتذار من شاعرنا الكبير (الأستاذ نزار القبّاني ) ـ تختصره ببلاغةٍ شعريّةٍ رؤيويّةٍ ، صحيحةٍ في لغة السياسة ، بذات القدر من الصّحة في قصيدة العشق ولوعة الهيام ، أمّا الهاء ــ الضّمير المتّصل في إليه ــ فهي الدّورالسياسيّ التقليديّ التركيّ المزمن ، والمستعاد بعد فشل وانهيار سياسة ( صفر مشاكل ) مع بلدان الجوار التركيّ ، ويا لغرابة الفعل !!، ومنطق بطله الأكثرغرابة !!، أنّ البروفيسور ( أحمد داوود أوغلو ) ، وزير خارجيّة تركيا ، هو مهندس تلك السياسة ومنظرّها ، والفاشل بالمطلق ، لا في تطبيقها فقط ، بل إنّه الرجل المنفّذ لكلّ خطوةٍ في الإنقلاب عليها ، في كشفٍ لقصورها الشامل وخفّتها ، و" لِلا " واقعيّة طروحاتها ، وسطحيّة الفكر السياسيّ لصاحبها ، والأخطر بروز ذرائعيّة لا أخلاقيّة ـ وبامتياز ـ في السلوك السياسي لصاحبها ، تصل حدّ الفصاميّة السياسيّة في موقف السيّد ( أوغلو ) من الفشل المطلق لنظريّته الصفريّة ، لا بعدم الإنتصار لها والدّفاع عن إيمانه بصدقيّتها ، في واقع مأزقها المكرّس بسقوطها المدوّي فقط ، بل باستمراره وزير خارجيّةٍ لسياسةٍ خارجيّةٍ فاشلة ، فلم يستقل احتراماً للذات وثباتاً للمبدإ ، ودفاعاً عن الرؤية ــ إذا حصل ووُجد شيء من كلّ ذلك ــ ، بل جعل التبريريّة والتلفيقيّة عنوانيّة منطقه المتهافت ، بشرحه المستجدّ البائس أنّ نظريّته ( صفر مشاكل ) هي مع " شعوب الجوار" لا أنظمتها ، في انتهازيّة سياسيّة مدانّة أخلاقيّاً ، تستدعي السؤال المباشر :

وماذا تقول ردّاً على واسع الشارع السوريّ المنتفض رفضاً للتّدخل الأجنبيّ في بلده ؟ !!

أم أنّ في نظريّتك ـ الإختراع !! ــ ( صفر مشاكل ) ــ فصلاً أوفصولاً ، بعناوين مخبأةٍ لطبعتها الجديدة المنقّحة ، من مثل : ( صفر جماهير ) ، ( صفر استقلال وسيادة دول ) ، ( صفر تاريخ ) ...إلخ ... من أصفار ، ليس آخرها ( صفر أخلاق ) وخاصّة خلّة الصدق ، ومع الذّات بالدرجة الأولى ، كما تكرّسه بتلفيقيّة ماكيافيلليّة مواقف السيّد ( أوغلو ) من نظريّته ومدوّي سقوطها ، لا في الجوار السوريّ فقط ، بل في الجوار التركيّ المؤثِّر ، جميعه بلا استثناء !!! .

فهل هي العثمانيّة الجديدة ؟ !!

أم تخبّط السياسة في خضمِّ الإيديولوجيا ، والعمه الأشهر عند الساسة المؤدلَجين ــ في واقع متغيّر يزكّي أوهام التوسع وجنون أبطال مريديه ، في البحث ـ المستحيل ـ عن بعث حضورٍ ، أو استحضار دورٍ دارسٍ لـ ( سلطنةٍ عثمانيّة ) أسقطها التطوّر ودفنها التاريخ ؟ !!

وأمّا إلى أين :

فبعد اعتبار السيّد ( آردوغان ) ، رئيس الوزراء التركيّ ، أنّ ما يشهده " الدّاخل السوريّ " شأناً " داخليّاً تركيّاً " باندفاعة ينقصها التعقّل ، وبعنجهيّةٍ تحيي صورة المستعمرين الأتراك المستبدّين ، اللامتحضرة المستقبحة ، والمكروهةً في المخيال الشعبيّ السوريّ ، صورة ( أجلاف الترك ) وممارساتها ، والتي كرستها اللغة الشتائميّة السوقيّة للسيّد رئيس الوزراء التركيّ ، بحق الرئيس السوريّ ، السيّد ( بشّار الأسد ) ، بجهالة تبوح بالتعالي الفجّ ، وتشي بجهل السيّد ( آردوغان ) بطبيعة الإنسان العربيّ ، وبخاصّةٍ المواطن السوريّ ، بكاسح غالبيّته ، الذي لايقبل ـ بحالٍ ـ التطاول على استقلال وطنه وسيادته ، على كرامته وعزّته ، بتناول أحد رموزها كما فعل رئيس الوزراء التركيّ ، أيّاً كان المسوّغ وذريعته ، وخاصّة بلغةٍ سوقيّةٍ على لسان من يُفترَض أنّه رجل دولةٍ ، لا صبيّ أزقّة ، تركه ظالم الُيتم لمتاح قيَم تربياتها المنحطّة ،

وبعد التّدخل بإيواء الفّارين وتبنيهم ( الجيش السوريّ الحرّ !! ) ، فضلاً عن تنظيم مؤتمرات " معارضات الخارج " والمشاركة في مستور تمويلها ،

واستدراج بعض معارضات الدّاخل لتدعيمها ، أو للعمل على تعدد منابرها ( السيّد هيثم المالح ) ، لتوسيع هامش مناوراتها ، ولإضعاف معارضات الداخل أو تهميشها ، لإضفاء صفة " الشرعيّة " والمعارضة " الفعليّة " على المعارضات الخارجية المرتهنة لتحالف قوىً إقليميّة ـ دوليّة ، معروفة الأهداف ، والتي أصبح نكران رتباط " معارضات الخارج " بها ، واندماجها في سياياتها ، كنكران ضياء النّهار بلا علّة العمى ، وإنْ كان العمى لايبرر للأعمى أكثر من جهل معذورٍ بعدم القدرة على التحقق من تعاقب الليل والنّهار ، لا إنكارهما ،

وبعد التلويح بالتدخّل الذي لا يستبعد وسيلة !! ، بما فيها المسلّح ، وإنْ مشروطاً تارةً بقرارالشرعيّة الدّوليّة ، وطوراً باسم الإنتصار للقيم الإنسانيّة ، أوبخصوصيّة الجوار القلق من مضاعفات الحريق وانتقالاته ، دون العمل على محاولة إطفائه بعقلنة الممارسات المسؤولة ، بل لقد أصبح الدوّر التركيّ ــ يا للأسف ــ مثل ومثال كلّ ما يؤجج استعاره الكريه !!
وأخيراً وصل ذلك الدّور إلى مبارزة بقوائم العقوبات الإقتصاديّة مع تلك التي فرضتها ( جامعة الدول العربية ) ضدّ سوريّة
، وبمساهمةٍ لا تخفى من لدن المهندس التركيّ ( أوغلو ) ، بحضوره المستهجن ، ودعوته الممشبوهة ، اللذين لايمكن إخفاء الهدف من تناسقهما وارتباطهما بالخطط " الجيوـ استراتيجيّة " الموضوعة للمنطقة والإقليم ، والدرس الليبيّ أكثر من إيضاح ، بل إنَّ بلاغة شهادته تُنطق الأبكم بصادم وقاحتها استنكاراً ، وتُسمع الأصمّ بصاعق صوتها فجوراً ، تُفاجئ اليقظ رغم حذره ، وتوقظ الغافل من استكانته ، أما قرارات تجميد وتعليق الإتفاقيات التركيّة ــ السوريّة فتحصيل حاصلٍ ، وإعلان موت ميتٍ بين قومٍ عارفين بالنبأِ الحزين منذ أشهر ، فماذا في جعبة سياسات حزب العدالة والتنمية التركيّ ولم يشهر بعد ، ضدّ السوريّ الجار والأخ إلى قريب الأمس ؟ !!

أيصدق عاقل تلك ( البعبعات ) والتهويشات المملّة من استعدادٍ تركيٍّ لإقامة " مناطق حمايةٍ " و" أشرطةٍ عازلةٍ " ضمن الأراضي السوريّة ؟ !!
إنّها الحرب إذاً !! ، وحماقة اتخاذ قرارها بقراءةٍ عبطاء غبيّة ، جهلاء ومغرورةٍ ، لاتفقه شيئاً في قوانين موازين القوة وحساباتها ، لا الصريحة ولا المضمرة ، ليس فقط في الساحة الثنائيّة التركيّة ـ السوريّة المتواجهة راهناً ، ولكن بقراءةٍ مبتسرةٍ ، وتسطيحيّة سطحيّة لكليّات جوانبها ، بالعجز عن ربطٍ علائقيٍّ ديناميٍّ ، وإدراك ترابطٍ مصالحيٍّ مصيريٍّ بموازين القوى الإقليميّة والدوليّة ، بتنوّع إمكاناتها ، ومراحليّة تطبيق استراتيجيّاتها ، وفي تمظهر آثار ومفاعيل توظيفاتها ، وخاصّة في الإستهتاربالعواقب المأساويّة لنتائجها ، ورغم كلّ ذلك ، ــ وربّما هنا تكمن المأساة ــ ، فقرارات الحروب العدوانيّة تؤخذ على يد أمثال هؤلاء ، ليصبح وقودها شعوب مغرر بها ؛ مزوَّر وعيّها ، وأخرى ضحيّتها تشكّل حقل حصيدها الدامي وميدان إجرامها ، ولعّل الذاكرة لم يطلها بالأعم الأغلب صدأ النسيان ، فالنازيّة الهتلريّة ، وفاشيّة موسوليني ، ما زال حضورهما شيطانيّ حيّ ، زاد في استحضارهما ، ونفض الغبار عن أسود صفحات تاريخهما ، مجرموا حروب ، لم يشرِّف عصرنا ، بل يخزيه تبووُّأهم المناصب والقيادات في دوله ، ليس أولهم الديكتاتور ( بينوشيه ) وليس آخرهم طغمة الإجرام في الكيان الغاصب ، وكلّهم ( شارون ) ولا إدارة ( بوش وتشيني) ، إلى آخر ناتويّ فاشيٍّ داعية حروب .
فهل وصلت سياسة قادة ( حزب العدالة والتنمية ) في التعاطي مع الجار السوريّ إلى دائرة الخطر الدّاهم ، بمثل قراءة رعناء ، كتلك أعلاه ؟ !!

لايوجد عقل يستوعب ، ولا عاقل يتصوّر ، فضلاً عن أنْ يقبل بمثل تلك الحماقة المرعبة ، مما يفتح المجال للسؤال المشروع : لمصلحة من يا سياسة قادة ( حزب العدالة والتنمية ) تصعدين ؟ !!

فلا مصلحة ــ بالمطلق ــ للشعبين السّوري والتركيّ بالحرب وويلات دمارها ، فقد كفى الشعبان تاريخ لايشرّف الجانب التركيّ استحضارها ، فالمجازر والمشانق والخوازيق ، أدوات برابرة مجرمين ، لا إخوة عقيدة ولا وسائل متحضرين ، لا وليست من الأخلاق الحميدة للجار الطيّب الخلوق ، وأمّا النفيّ و( سفربرلك ) و نظام السخرة فأساليب همجٍ طغاة لا أشقةٍ محبّين ، ثم هل يخطر ببال صاحب نظريّة ( صفر مشاكل ) أنّ الحروب من تطبيقاتها ؟ !! ربّما ، فالقراءات المقلوبة توصل بفهم القارئ إلى النقيض !!!
وهذا التلويح التركيّ الأخرق باستخدام البوابة العراقية بديلاً للبوابة السوريّة ، في التواصل والوصول إلى العمق العربيّ ، تنقصه الحصافة المنطقيّة ، والوسيلة الواقعيّة العمليّاتيّة ، فضلاً عن الإنتهازيّة السياسيّة الظرفيّة المكشوفة
، فعبورالترانزيت التركيّ لأراضي العراق ليس عبوراً لفاصلٍ جغرافيٍّ أجرد خالٍ ، بل لإقليم مضطربٍ مسكونٍ بالعقبات والمشاكل ـ المعضلات ، ليس أقلها تصارع السياسات الفئويّة الإثنيّة والطائفيّة ، والكيانيّات الإداريّة المتناقضة الوسائل والأهداف والولاءآت ، من منتجات الإحتلال الأمريكي للعراق ، فضلاً عما تتطلبه مبادلات الترانزيت وتجارتها من بنية تحتيّة ، وتأمينٍ لوجستيٍّ لطرقٍ لا غنى عنها ، لايتيسّر إنجازها وجاهزيّتها في أسابيع أوشهور ، بل مشاريع تحتاج لتسويات وسنوات .
والواقعيّة السياسيّة ، مع الأخذ بحسبانها ما قد يلحق بالشعبين السوري والتركيّ من دمار الحرب وويلاتها ، إلّا أنّ الطلقة التركيّة الأولى لها ستكون إعلان انهيار وتفتت كيان الدولة التركيّة الحاليّة ، إلى كيانات إثنيّة ، قوميّة ، ودينيّة طائفيّة الطابع ، فسوريّة ( القاريّة ) ليست جزيرة ( قبرص ) المحاطة بالبحر ، ولم نعد في زمن السبعينات من القرن الماضي ، فموازين القوة ونوعيّتها تغيّرتا ، والجيوـ استراتيجيات السياسيّة ، الإقليميّة والدوليّة ، في مرتكزاتها وامتداداتها وتحالفاتها ، تعقدت وتشابكت في في ديناميّة تغيّراتٍ لاهثةٍ ،بحثاً عن توازنات مستقرّة تخرج أطرافها من خنادق الحذر المتشكك وأوضاع القلق المريب ، فهل ستوفّر تناقضات الداخل التركيّ التي ليست من نوعيّة النار تحت الرّماد ، بل ظاهرة البروز مشتعلة الأوار ، وهل ستقترف سياسات ثلاثيّ ( حزب العدالة والتنمية ) المتهورة حماقة الحرب والعدوان على سوريّة ، لتكون البداية في تدشين خريطة ( الشرق الجديد ) من تمزيق تركيا بالذات إلى كيانات طورانيّة وكرديّة وعلويّة ، والتحاقٍ أو ضمٍّ للمناطق الأرمنيّة من تركيا اليوم إلى الوطن الأرمني وجمهوريّته ، التي لم تطوِ مطالبتها ، ومعها كلّ الأرمن في العالم ، بالحقوق الأرمنيّة ، لافي الإعتراف التركيّ بالمجازر التاريخيّة التي ارتكبها العثمانيّ بحق الأرمن فقط ، بل وبتحرير كل التراب الأرمني والشعب الأرمني ، من الهيمنة المستمرّة من قبل طورانيي الجمهوريّة الأتاتوركيّة ، وريثة العثمانيّ بالباقي من السلطنة ، تركيّا الحاليّة ، وبالقطع لن يجد الطورانيون الجدد بطلهم التاريخي المنقذ ( مصطفى كمال آتاتورك ) عشرينيّات القرن المنصرم ، فالزمن تغيّر ، وكل إمكانياته وأدواته تبدّلت ، فكما أنّ الماء لايمرّ في النهر مرتيّن ، كذلك التاريخ لا يتكرر وإنْ أصرّ أغبياء الإيديولوجيا المعاندون ، والعناد ملازم للتركيّ في الموروث الشعبيّ السّوري ، فهل سيضاف إلى التنميط المتداول في المخيال الشعبيّ صفة الغباء بما تكرّسه رعونة سياسات ( حزب العدالة والتنمية ) في ما يتعلق بالشأن السوري الطارئ ؟ !!!
ويبقى المستفيد الوحيد ، وبلا منازع ، الكيان الصهيوني ، وعلى كلّ المستويات ، الجيوـ استراتيجيّة الإقليميّة ، والإستناد إلى وقائع النتائج الكارثيّة المتوقَعة برهاناً على واقعيّة سياساته العنصريّة الأساطيريّة ، بتعميم تعصّب نموذجه على الكيانات ـ الشظايا الخارجة من رحم السيناريو الأسود للحرب الحمقاء ...

فهل للعقلانيّة من مكان ؟!! وقبل ذلك هل غُيِّب العقل النقديّ المتبصر خلف حجب الأيديولوجيا ، واندفاعات جنون عميانها ؟!!

أسئلة يتولّى مستقبل الأيام الإجابة عليها ، فلننتظر إذاً..... ، وهل نملك غير الإنتظار ؟ !!!

أحفاد ( قابيل وهابيل ) : ألا للعنة اهراق الدّم الطاهر من رادًّ ؟ ألا لمأساتكم الدامية من خاتمة ؟ !!

من قلم : د . منير وسوف القوي


تسميتان تلفتان النّظر لموقعين تفصل بينهما عشرات الكيلومترات فقط ، وفي منطقةٍ ديموـ جيوغرافيّةٍ واحدة ، تربط بينهما " قصةٌ ــ عبرةٌ " من ظلمٍ سامه أخ لأخيه ، في جريمةٍ قتلٍ بشعةٍ ، أبّدها الدم بمعوديّته ، فمازالت مما قبل التّاريخ إلى أيامنا ، منذ البدايات المسطّرة لقصة ( أبينا آدم ) و ( أمّنا حوّاء) ، ملكا الخطيئة وضحيّة اقترافها ، بجهد ( الملعون إبليس ) ونجاح غوايته بالإيقاع بهما، مازالت تلك " القصة ــ العبرة "تروي بثنائيّاتٍ لامنتهيةٍ ، " حقّ ــ باطل ، تسامح ــ حقد ، قناعة ــ طمع ، طيبة ونقاء سريرة ــ خبث وسوء طويّة ، رضىً ــ حسد ، مبدئيّة ــ ذرائعيّة ، حياةٌ رعويّة متنقّلة ــ حياةٌ زراعيّة واستقرار ، قرابين إخلاص ــ قرابين غرضيّة ،............إلخ ) ، مترابطةٍ بتضادّها ، قاصدةٍ أبواب العقل في توجهها ، وسبل العقلانيّة في فعل حركيّتها ومساراتها ، في جدل الإنسان ، وجدليّة وجوده الأبديّة ، التي اختطها ( جلجامش ) في ملحمة بحثّه عنها ، لتأتي شرائع السماء فتؤكد أزليتها ، بربطها بمشيئة " المقدس ــ السّر الإلهيّ " وعالم غيبه ، وأمره المُنجَز ، متى شاء وأمر ، بتحقيق ما وعد من وراثة الأرض وما عليها .


أمّا التسميتان اللافتتان للنظر ، والمحفِّزتان للمخيلة ، في حاضر الظرف العاصف ، الذي تخوضه وتجتازه سوريّة ، ويرتجُّ على وقع مخاطره الإقليم ، ليهتز بتردداته العالم وحسابات مصالحه ، ومعادلات توازنات قواه ، في إنتاج اصطفافات محاوريّة ، ومعادلات جديدة ، جيواستراتيجيّة ، اقليميّة ودوليّة ، ستطيح ــ بلا تهويل ولا مبالغة ــ بالكثير ، إنْ لم يكن بجميع ما خلفته القرون ، منذ ( كريستوف كولومبس ـ ١٤٩٢م ـ 1492) وإلى يومنا هذا ، جارفة في طريقها كلّ إرث ما يسمّى بـ ( الحربين العالميّتين ) وخرائطهما الجيوـ بوليتيكو ــ استراتيجيّة ، بكلّ المكوّنات ــ الثوابت !!! أو ما يُتخيّل ـــ اصطلاحاً تواطئيّاً ـــ أنها كذلك ، ليصبح الكلّ متغيّراً متحوّلاً ، في لوحةٍ سورياليّةٍ لـ ( خراب جميل ) !!

أكافكاويٌّ تصوري ؟!!

أم شمشونيّةٌ اللوحة ، في عقدة ربط خطوطها وتداخل ألوانها ؟ !!

أم إنّه من كلّ ذلك ، أمام التقزّزمن كابوس حمّام الدّم المخيف ، ومدى بدائيّة الوالغين ، والقابع تحت جلد كلٍّ واحدٍ منهم ( دراكولا ) ، وفي كهوف أعماقهم الرفثاء روح ذئبٍ ونجاسة خنزير ذميم كريه ؟ !!


يضاف إلى كل ذلك سماع تردّد قعقعات السلاح المتحفّز ، وازدحامه المهوّل المهول ، من الوحوش الغربيّة العائمة والغاطسة في مياه شرق المتوسط ، وقوى ردعها ، واستنفار كلّ الأطراف لإمكانيّاتها ، فمن جهةٍ :

- جبهة المستعمِر الغربيّ :

( الجيوش والقواعد العسكريّة الأطلسيّة ، براداراتها ودروع صواريخها وحربها النفسيّة المستعرة وطبولها ــ المنفخت بعضها ــ من عنيف القرع على جلودها ) ، ومعه ترسانة قاعدته المتقدّمة ( الكيان الصهيونيّ ) بكلّ مظاهرالإنتشاء الثأريّ ، واستعداداته ــ ودائماً ــ الحاضرة ، واستنفار الأتباع من معسكر " عرب الإعتدال " ( قلاع الرجعيّة العربيّة ، ورحمة الله عليك يا عبد الناصر ، الصريع برخيص إجرامهم وشهيرغدرهم ) ، بجامعة دول نظامهم الغاصب اللاشرعيّ ( الإقليمي السايكس ـ بيكوي ـ الصهيونيّ ) ، ودخولهم بسافر الوقاحة ، وبكل المتاح من الوسيلة المنحطّة ، في الدّور الذي طالما مارسوه بحياء المومسات المصطنع ، وخاصّة ملحقاتهم الذيوليّة الظلاميّة ، من الغرائزيين الثأريين ، الإلغائيين " الديمقراطويين " في الداخل السوري ، وخارجه على منصات العمالة والإرتزاق والإرتهان ، الذين قتلوا " سلميّة " الحراك المشروع في الشارع السوريّ ، وأساؤوا لصورة سوريّة الحضارة وطيبة شعبها ، وحاولوا ــ ومازالوا ــ انتهاك مختبر تفاعل عبقريّة انسجام وغنى تنوّع حضورها ، ورياديّة مثلها ومثالها ، بهذا الإنقضاض الظلاميّ على نظافة وصلابة وحدتها الوطنيّة ، لتوسيخها وزعزعة ثابت أركان بنيانها ، ولكن هيهات من سوريّة الذّلة ، هيهات من شعبها الخنوع ، فلن يفلحوا
والتاريخ شاهد ، ومستقبلات الأيام منبئات بما ( لم يُعلَمِ ) ، فهذه سوريّة ، سوريّة العربيّة ، وقبلة أحرار أمّة العرب ، والباقي من قلاعهم ، ولن تكون من ممالك الطوائف البائدة ، ولا المنشودة "" أطلسيّاً ــ صهيونيّاً ""، كما يخطَط لها ويُراد ، وكما يعمه الأدوات التُّبّع الخائضون الخاسؤون .

- و في الجهة المقابلة ــ خندق الشرف :

تقف سوريّة بنبلٍ ، وبلا ترددٍ ، وبكلّ الإيمان بواجب التضحيّة في سبيل السامي من الهدف ، لصون حياض العروبة ومنعتها ، والإستمرار في المضيّ على دروب تحررها ، للوصول بأمّة العرب إلى الغد المشرق العزيز ، المتوّج بتاج وحدتها ، حيث لا غاصب ولا تُبَّع ، لا ظلاميّة ولا عصابات مجرمين ، خندق شرف يدعمها فيه ، ويشاركها أعباءه ، كلّ أحرار أمّة العرب ومقاوميها البررة ،ــ وبديهيّاً ليس في عدادهم ولاة النظام الإقليميّ اللاشرعيّ ،أعضاء نادي " اللامغفور لها " ، جامعة دولهم النافقة ــ ، ويصطف خلف سوريّة المؤمنة المحتسبة كل أحرار العالم ، شعوباً ودول ، تنصر الحقّ وترفض المظلوميّة .
إنهما حقاً فسطاطان وقد اتّضحت الحدود ، فقد حصحص كلّ الحقّ وانتفض ، ليلقم كلّ الباطل الحجر الذي يستحق ، وهذه المرة لنْ يكون حجرك يا ( قابيل ) ، نعم هكذا ربطاً حتميّاً ، ودلالة لا تقبل التأويل ، فبكلّ رمزيّة التاريخ وعبقريّة المكان ولغة العِبرة ، وقد غابت كلها عن " حديثيّ النعمة " الغازوــ نفطويين ، سرقة ثروات أمّة العرب ومبدديها ، أحط أصناف طفيليّات الحضارة ، جهلة العصر ومجهولييّ التاريخ ، نعم هكذا تصبح التسمية المكانيّة لموقعين في سوريّة ، وبجوار دمشق الأصالة وعبق التاريخ ،وفي سوريّة الجريحة الصابرة ، بيّنة دلاليّة ، وشاهدة عبرة أزليّة ، لا محض مصادفة ، أبداً ، لا ، وليست إرادويّة إنطاق بُكمٍ يستحيل ، فحين يتكلم التاريخ ينكفئ الزيف ويصمت الطارئون ، بل يخرسون ، والموقعان هما :

ــ الأول : بالقرب من ( ميسلون ) ، شمال ـ غرب ( دمشق ) يُعرف بـ ( النبي هابيل ) ، وهو مرتفع يُطلّ على بداية المنحدرات باتجاه الغرب نحو ( لبنان .

ــ الثاني : في ( جبل قاسيون ) شمالي ( دمشق ) مغارة يقال لها ( مغارة الدّم ) ، ذُكر بأنها المكان الذي قتل قابيل أخاه هابيل فيها أو بجوارها، كما يتواتر في الحكاية الشعبيّة الشّاميّة ، وقد زرتها ــ من باب الفضول ، لا تصديقاً للحكاية ولا لدحضها ــ لكنّها كانت السياحة واكتشاف ما يُشار إليها بالبنان من معالم قصدي والمراد .

في تلك البقاع حمل التاريخ منارته ، وولد العبرة ــ حكمته ، وشاء الباري تسطير القصة في محكم كتابه المحفوظ :


قال الله تبارك وتعالى ، بعد بسم الله الرحمن الرحيم : {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنم بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوأَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَآءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتي أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)} (سورة المائدة) صدق الله العليّ العظيم .


فارعووا أيتها القطعان المتوحشة الدمويّة ، وأفيئوا إلى أمر الله الذي يمهل ولا يهمل ، فابن ( آدم ) ( قابيل ) الذي قتل أخاه ( هابيل ) كان مسلمًا مؤمنًا ولم يكن كافرًا، وإنما ارتكب معصية كبيرة بقتله أخاه ظلمًا وعدوانًا ، فأصبح من الظالمين موعوداً بالنّار ذات اللهب ( فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَآءُ الظَّالِمِينَ ) ، مع أنّه هو من هو ، فكيف بكم ؟ !! ، ويلكم !! إنّ سوريّة وقد بسطت يدها بالتسامح لكلّ مسلِّمٍ سلاحه ، فما استجبتم وأصختم السمع لأمر الناطقة باسم وزارة ( هيلاري كلينتون ) ، ( فكتوريا نولاند ) بألاّ تستجيبوا ، فسحقاً لكم ، قتلة أهلكم وإخوتكم ، سحقاً لكم أصحاب الضلالة ، وعصاة الحقّ وأمره القاطع الصريح ، باتّباع أمر فرعون العصر الأمريكيّ ، فوالله : لن تبوؤوا إلّا بالخسران والندامة ، فتلك عاقبة الظلم ، وذَلِكَ جَزَآءُ الظَّالِمِينَ ، ففي سوريّة تتسطّر ملحمة الحقّ وانتصافه من الباطل ، وليكنْ الثمن مايكون ، فإنها معركة تشرِّف وتستحقّ دفع نفيس الثمن ।