السبت، 26 نوفمبر 2011

العلاقات السورية ـ التركية والأمن القومي العربي ج ( 7 ) :


"" أيّتها السياسة التركيّة المستجدّة منذ بداية الأزمة في سوريّة ، لماذا تنكئين الجراح ؟ !! "" :

من قلم د . منير وسّوف القوي

أطرح السؤال ، لا من باب الجهل بالإجابة ، فالمواقف والإصطفافات أصبحت أكثر من واضحة ، لا و لا أنتظر فذلكةً من الخطّ السياسيّ المستجدّ لحزب العدالة والتنمية التركيّ أنّه مع شعوب الجوار !! فأنظمة الحكم عابرة والبقاء للشعوب ، فلقد انغمست السياسات التركيّة المستجدّة منذ بداية الأزمة في سوريّة ــ وبانحيازٍ صريح ــ كطرفٍ مساهمٍ في إذكاء أُوارها وتسعير لهيبها ، وليس كوسيط مساعدٍ في إطفاء سعار نارها :

فأولاً : ما مارسته سياسة المبعوثين الرسميين الأتراك من "" تدخليّة "" في الشأن الداخليّ السوري تحت مسمّى ""إسداء النصيحة "" بفجاجة اسلوب ( الأخ الأكبر الوصيّ على الأخ الأصغر القاصر قليل الخبرة ناقص النضوج ) !! متجاهلة أو جاهلة ما لذلك من تأثيرٍ عكسيٍّ لدى الأغلبيّة السّاحقة من الشارع السّوري قبل قيادته ، ذلك الشّارع الذي حاول الصّفح ، وإنْ لم ينس يوماً ممارسات وهيمايونيّة ( الباب العالي ) وظلمه وظلاميّته ، فـ ( خازوق السلطان سليم ) وجناياته عام (١٥١٦) وعلى امتداد عقود تلت ، ومشانق السّفاح ( جمال باشا ) وعصابتة الطورانيّة ( الإتحاد والتّرقي ) لأحرار الشّام عام ( ١٩١٦ ) في ساحات الشهداء في ( دمشق وبيروت ) ، من المستحيل نسيانها ، وإنْ صفحت أجيال الشّام عنها وترفّعت عن دعوات الثأر وغرائز الإنتقام !!! فلماذا أيّتها السياسة التركيّة المستجدّة ، لماذا تنكئين الجراح ؟ !!!

وثانياً : كيف سمحت أيّها السيّد ( آردوغان ) لنفسك باعتبار مايجري في ( الدّاخل السّوريّ ) ، (شأناً داخلياً تركيّاً ) بحجج واهية ( ٨٠٠ كم من الحدود ، قرابات عائليّة عابرة لها !! إلخ... ) ، فأين هي الحدود البريّة ، حتى الصحراويّة منها ، التي تخلو من مثل تلك التوصيفات ؟ لكنّها المرّة الأولى التي تستعمل " رسميّاً " كذريعة للتدخل في بلد جوارٍ في تجاهلٍ لسيادته واستقلاله ، فحتّى الولايات المتحدة لم تكن بتلك الصلافة والعنجهيّة في تعاملها مع جاراتها من ( جمهوريّات الموز ) !!! .

وثالثاً : من المستحيل أنْ يخفى على السياسة التركيّة صاحبة مقولة ( صفر مشاكل ) مع دول جوارها الإقليميّ ، أنّ تدخلّها المنحاز إلى طرفٍ مفعِّلٍ ، وهو( الإسلاموي السياسيّ ) بلا تلاعبٍ بالكلمات ، و( بنوعيّة عنفيّة ) في الأزمة السورية ، في مجتمعٍ ( موزاييك ) ديني ،طائفي ، اثنوي ، قوميّ ، وهو واقع موضوعيّ ،لاينكره متابع منصف ، سيرفع منسوب التهييج والتحريض ، ويعبدّ المسالك أمام ممارسات " الإستقواء " ورفض كل عقلانيّةٍ في المقاربات بحلول سياسيّة ، هي وحدها الحل للأزمة ومنع بلوغها مأزق استعصاءٍ ، يستدعي التساؤل إلى أين ؟

ومن المستفيد ؟

فسوريا لا شكّ متضررة ، ومقولة ( صفر مشاكل ) يُسقطها منطق مجريات الأمور وصيرورات مآلاتها في وقائع راهنها .

ورابعاً : هل يظن السادة القادة في تركيّا أنّ ( النظام السوري ) ــ كما يسمّونه ــ وإنْ أنكروا غالبيّة شعبيّة له يُقرّها الكثيرون ، سيستمرّ في تجرّع كاسات ( صبر ايوب ) أمام ممارساتهم التدخليّة ، اللادبلوماسيّة وبعضها تعدّى حدود الأدب والذوق إلى سويّة شتائميّة ، على لسان الزعيم المسلم !! ، نظيف اللسان !! ( آردوغان ) بوصفه الرئيس السوري بـ ( الجبان ) !! والذي أقل ما يُقال في الردّ عليها : ( عيب ) ، فهذه لغة سوقيّة ، وقلّة أدبٍ وذوق لا تليق بالرجال ، فكيف بالزعماء المنتخبين الذين بشّروا بـ ( انتصارهم ) دمشق والقاهرة وبيروت ؟!!

فـ ( يا حيف ) يا سيّد ( آردوغان ) بلغة أهل سوريّة المهذّبين ، المترفعين عن الصغائر ، كتلك التي تأتيها .

وخامساً : هل ينام الثلاثي ( آردوغان ـ غول ــ أوغلو ) على حرير حساباتهم المتعجرفة الخاطئة ، أنّ ( النظام السوري ) ــ أيضاً كما يسمّونه ــ خائف ومتردد ، و و و ، وأنّ أوراقه مدّعاة ومفلسة ومحروقة ؟ !!!

إذاً فإليكم بعضها الممكن والمبرر على ضوء ممارسات الثلاثي التركي أعلاه :

ــ ورقة حقّ المعاملة والتعامل بالمثل ، والتي لا يمكن أنْ يرفضها إلاّ متحيّز يكيل بمكيالين أو أكثر ، فمقابل الدّعم السياسي لفصيل مجلس اسطمبول المعارض ( المجلس الوطني السوري ) ، من حقّ سوريّة دعم ( حزب العمّال الكردستاني ) سياسيّاً بفتح ( بهو الفنادق وصالاتها ) في الأرض السوريّة لمؤتمراته ونشاطاته في الحدّ الأدنى ، وإنْ مازالت القيادة السورية تعتبر أنّ تركيّا لا تُختزَل بالثلاثي ( آردوغان ـ غول ــ أوغلو ) ، ولا السياسات التركيّة بسياسة حزب العدالة التركيّ وهلوسات سادته وساسته .

ــ ورقة تسليح المعارضة التركيّة ، والسماح لها بممارسة نشاطها المسلح واللوجستي ، عبر الحدود السوريّة الطويلة ، ردّاً على تهريب السلاح عبر الحدود ( التركيّة ـ السوريّة ) باتجاه واحدٍ إلى الدّاخل السوري ، ليصبح بالإتجاهين عابرًا للحدود بالعدل والقسطاط !!! بل وأكثر من ذلك ، ورداً على الرعاية التركيّة الرسميّة لما يسمّى بـ ( لجيش السوري الحرّ ) ونشاطاته المعلنة من تركيّا ، لن يُلام ( النظام السوري ) بسماحه لحزب العمّال الكردستاني ، تحديداً ، باستئناف نشاطه المسلح ، انطلاقاً من بيئة حاضنة مؤاتية ، يعرفها بالتأكيد الأتراك ،هي (الأقليّة الديمغرافيّة الكرديّة ) العابرة للحدود بين البلدين ، وهو ما جُرّب سابقاً في نهايات تسعينيّات القرن المنصرم ، مع ماترتب عليها من نتائج واتفاقيّات ثنائيّة ، أمنيّة وعسكريّة ، نقلت العلاقات بين البلدين من شفير الحرب بينهما ، إلى التكامل ، وعلى كل الأصعدة ، مما بشّر بمستقبل جميل للشعبين السوري والتركي ، أسقطت حلمه ، وترجماته الواقعيّة ،السياسةُ التركيّة المستجدّة منذ بداية الأزمة في سوريّة ، ولا مكان هنا للترداد الببغائي أنّ الرئيس السوري أنذاك ، ( الرئيس حافظ الأسد ) ، قد تراجع أمام التهديدات الحربجيّة التركيّة ، وأنّ سوريّة ضحّت بزعيم حزب العمّال الكردستاني السيّد ( عبد الله أوجلان ) ، وغيرها من روايات التفسيرات التآمريّة االمتهافتة ، أمام وقائع الجيوبوليتيك وحساباته ، فضلاً عن اختلافات الواقع والمعطيات ، بين تلك الحقبة ( نهايات تسعينيّات القرن المنصرم ) وتشابكات اشتباكها ، وموازين علاقات اصطفافاتها ومتغيّراتها ،الإقليميّة منها والدّوليّة ، وبين ما نعيشه اليوم من انقلاب للأدوار أولاً ، وثانياً من استقطابٍ محاوريٍّ إقليمي ، وصراعٍ دولي ، لا يغيبان عن رصد متابع .

ــ إنّ المجتمع التركيّ لا يقلّ موزاييكاً عن المجتمع السوري ، بل إنّ حدة تناقضاته ، ومنذ إنشاء تركيّا التي نعرف على أنقاض الباقي من إرث ( الرجل المريض ــ دولة الخلافة العثمانيّة ) ، لم تخمد أبداً ، رغم كل السياسات التركيّة المتّبعة تاريخياً ، ومحاولات حلولها المختلفة ، بما فيها العنفيّة ، وبعضها مجازر موصوفة ، وبعضها جرائم استئصال عرقيّ ( المجازر ضدّ الأرمن والأقليّة اليونانيّة ) ، وبعضها سياسات تمييزٍ عنصري قومجيّة ( ضدّ الأكراد والعرب والأرمن أيضاً ) ، أو طائفيّة ( مثالها الصّارخ : السياسات التمييزية المهمِّشة اللامساواتية ، على قاعة المواطنيّة المنكورة ، والتي طبقتها الإدارات التركيّة جميعها بحقّ مايربو على الملايين العشرة من المسلمين العلويين الأتراك أو السوريين الحاملين للجنسيّة التركيّة ، برضىً منهم أو بالإكراه ، في إقليم ( أضنه ) و(لواء اسكندرون ) السليب ، نعم السليب ، ( ولنا عودة إلى هذا الوضوع بالذات لحساسيته وضرورة الّدقة والتدقيق في تناوله ) ، أقول :

في مثل واقعٍ كهذا للمجتمع التركيّ الموزاييكيّ المعقد التركيب والمشكلات ، وبعضها معضلات تاريخيّة ، ماذا لو أصبح لسورية سياستها التدخليّة فيه ، عملاً بحقّ الردّ ، لا دفاعاً مشروعاً عن النفس فقط ، ولكنْ عملاً بقاعدة ( المعاملة بالمثل ) ،المبررَة براغمايّاً سياسياً ، بل وأخلاقيّا أيضاً ، ؟ !!

فما رأيّ الثلاثي ( آردوغان ـ غول ــ أوغلو ) ؟ !!!

أمّ أنّها نشوة "نصرٍ انتخابي" يا قادة حزب العدالة ، لن يدوم هذا أولاً ، فتركيا ليست أنتم فقط ، وثانياً يبقى نصركم البرلماني يخصّكم أنتم كأتراك ، ولن يفيد فيه صراخ ( آردوغان ) الخطابيّ الشعبويّ أنّه نصر للإقليم وعواصمه ، فلكم يبقى ولغيركم ما كان ولن يكون ، فلشعوب الإقليم خياراتها في القاهرة وطهران وبيروت ، ناهيك عن دمشق ، وليس الناخب التركيّ من يقرر عنها ، ولا منطق صناديق وصايته والخارجون من أجوافها ، فقليل من التواضع مفيد ، وجنون العظمة موذٍ لصاحبه قبل الجوار ، فليُكف عن الصراخ وقرع فارغ الطبول ، فإنّ أسوأ الأعراس لعرس ( الريّاس ) !! فهلا توقف تشنيف آذاننا المسكينة بنشاز ضجيجه االمضجرالمملّ ؟ !!!

الاثنين، 21 نوفمبر 2011

العلاقات السورية ـ التركية والأمن القومي العربي ( 6 )

من قلم د . منير وسّوف القوي


في مقالاتٍ خمسةٍ سابقات ــ منشوراتٍ بذات العنوان ــ ابتداءً من شهرآب عام ٢٠٠٨ وحتّى أيلول ٢٠١١، تدرجتُ في ألوان الرؤية الراصدة لتطور العلاقات السورية ـ التركية بحصريّتها ، واحتمالات انعكاساتها على الأمن القومي العربي بكليته ، من أزرقها الهادئ الواعد ، إلى رماديّها الميّال إلى سوادٍ مُنذرٍ في المقال الخامس المعنون : بــ ( السيناريو الأسود والبراغماتي " آردوغان " ) ، المنشورعلى موقع ( داسك سيريا ) في شهر أيلول الأخير

في تدرّج ألوان الرؤية تلك ، لم يكن للرغبويّة مكاناً ، فليس في حقائق السياسة تسطيراً للأمنيات ولا لورديّ الأحلام أو لسواد الكوابيس ، بل فيها قراءة وقائع تحترم االمصالح المؤسسة على أرضيّة ثابتة ، وأُولى تلك (الحقائق ــ الوقائع) مسألة الجغرافيا ، وما يُبنى عليها ويتبعها بحكم منطق الأمور من حقائق بنيويّة لاحقة ، علائقيّة مُؤسَسَةٍ ومُؤسِسَة ، ديموغرافيّة وفيها حياتيّة حتى اليوميّة منها، وجيوبوليتيكيّة تتراوح من التقاء المصالح والتعاون ، إلى تناقضها وصراعها ، وتوظيفها كلَّ مايتاح دون استثناءٍ ، حتى للحروب وشلّال دمائها دورً في عداد أدواتها ، سيّما إذا ارتبطت الجيوبوليتيكيّة المحليّة ــ الإقليميّة بأجنداتٍ عالميّة ، لها استراتيجيّاتها المبرمجة التكتيكات ، الممتدة على السنوات والعقود وربّما أطول زمنيّاً !!!

فإذا كان من الممكن إرادويّاً طيّ صفحاتٍ من التاريخ رغم استحالة الإلغاء ( الحقبة العثمانيّة مثلاً ومثالها الأقرب تاريخ الحروب الأوروبيّة المعروفة بالحربين العالميتين الأولى والثانيّة ) ، فإنّه من المستحيل القفز على حقيقة الجغرافيا وتداعيات تأثيراتها ، فالتواصل الجغرافيّ التركي ــ السوريّ ومثله التركيّ ــ العراقيّ يفرض خصوصيّة علاقات لا يتمتع بها واقع الإنفصال الجغرافي التركي ــ ببقيّة الإمتداد العربيّ ، لا في المغرب العربي ، ولا في المشرق العربي ، فضلاً عن جنوب جزيرة العرب ، بل ويصبح التواصل الجغرافيّ التركي ــ السوريّ ومثله التركيّ ــ العراقيّ لازمةً بنيويّةً وبوابة وحيدة ، تفرض حتميّ عبورها على ــ ولأيّ بناءٍ علائقيّ استراتيجيٍّ ثابت بين الدولة التركيّة وكلّ أصقاع العرب ، وبالتأكيد لا يشكّل البحر الأبيض المتوسط بديلاً للتواصل البريّ أعلاه وإنْ شكّل البعد الرديف بين جغرافية أطرافه ، والتي لا تختلف عنها بين الشمال الأفريقي وجنوب أوروبا . يُضاف إلى الحقيقة الجغرافيّة السابقة حقيقة ديموغرافيّة كرديّة على طرفيّ الحدود ( التركية ــ العربية من ناحية والتركية ــ الإيرانية من ناحية أخرى ) تمتعت بخصوصيّة المسكوت عنه في السياسات المتبعة إلى الأمد القريب ، حيث برز إقليم كردستان في الشمال العراقيّ بعد الإحتلال الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣، واعترفت السلطات السورية بالمشكلة المزمنة لمواطنيها الأكراد في الشّمال الشّرقي السّوري عبر التصدي لملف ( التجنيس ) ، ورفع الظلم التاريخي عن تلك الشريحة من المواطنين.

بينما ما زال الجانب التركي يختزل مشكلة مواطنيه الأكراد إلى بعدٍ أمنيٍّ بحت ، منذ أكثر من عقدين أو يزيد ، بل ويصرّ على رؤيته الضيقة المتأزّمة تلك فهماً ونهجاً وحلول ؛ تلك الحقيقة الديموغرافيّة ــ التي لا يمكن تجاهلها ــ تلعب دوراً مؤسِساً وأساسيّاً في العلاقات بين تركيا والعالم العربي ، في كلّ تمظهراتها ، الإيجابيّة والسلبيّة ، يفوق بما لا يقاس ما يُعزى من أدوار وتأثيرات للخصوصيّات المعزوّة للأقليات الأخرى بكل تلاوينها . من هنا فإنّ تتبع مختلف جوانب الأزمة السوريّة في تطورات أيامها وساعاتها الأخيرة ،داخليّا وإقليميّاً ، عربيّاً ودوليّاً ، يجعل من العامل الجغرافي ( التواصل البريّ للجغرافيا السوريّة ــ التركيّة) والتداخل الديموغرافي ( الأقلوي على جانبيّ الحدود ) مسألتين تلقيان بتأثيرات خصوصيّاتهما على المجريات اليوميّة للأزمة السوريّة بشكل لا يشبه أو يتشابه مع الحالات الأخرى المستدعاة على حدود سوريا مع العراق أو لبنان أو الأردن لأسباب متعددة منها :

١ــ القوة الإقليميّة للدولة التركيّة من ناحية وأطلسية دورها التاريخي المعروف من ناحية أخرى .

٢ــ طموحات الدور التركيّ التي لم تعد تخفيه سياسات حكومة حزب العدالة والتنمية إقليميّا وحتى أطلسيّاً في صراع القوى والمصالح الدّوليّة في منطقتنا ،خاصّةً بعد بروز التسابق على الإستحواذ على مصادر الطّاقة المتوقعة في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط .

٣ــ عودة الدور التركي إلى الإنسجام الكليّ ،والإنضواء بلا مواربة ــ رغم قنابل الدخان السياسيّ الدّعائيّ والدعاوي ــ مع سياسة الإدارة الأمريكيّة الراهنة في مرحلة الإنسحاب الأمريكيّ من العراق ، في رصٍّ صفوف للإصطفاف (الأطلسي ــ الإعتداليّ العربي ) بمواجهة الجبهة المقاوِمة المتبلورة في قوسها من إيران إلى فلسطين ــ كما يتوقع المراقبون ــ بعد إنجاز الإنسحاب الأمريكيّ المبرمج من العراق في نهاية العام . ٤ــ اشتداد الهجمة شراسة على الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة واستهداف سياستها بالإتهامات ــ حتى السينمائيّة رديئة الإخراج ،مثالها الآني : مخطط اغتيال السفير السعودي لدى الولايات المتحدة الأمريكيّة ( عادل الجبير) ــ والمؤتمرات والقرارات والتسريبات لأخبار خطط مناورات عسكريّة صهيونيّة ميدانيّة ناجزة ، والتي ــ حسب ذات التسريبات ــ لايمنع وضعها موضع التنفيذ إلّا خلاف إجرائي ( أمريكيّ ــ صهيونيّ ) يتعلق بالتنسيق بين الطرفين فقط لاغير ، أي أنّها قضيّة توقيتٍ لا أكثر !!! زد على ذلك نشر اشاعات صفقات تسليحيّة لذخائر نوعية ( صفقة ٣٩٠٠ قنبلة خارقة للتحصينات بين دولة الإمارات العربيّة المتّحدة والولايات المتّحدة الأمريكيّة ) ، وإدخال سلاح الجوالأمريكي القنبلة العملاقة الخارقة "" للبلوكوزات "" زنة ١٤ طن ، أحدث منتجات شركة "" بوينغ "" التي تحملها الطائرات القاذفة المقاتلة " ب٢ " التي لا تكشفها الرّادارت ، إلى آخر ترسانة الحرب النفسيّة والميدويّة المدروسة والمكثّفة ، لا ضدّ إيران فقط ، ولكنْ ضدّ القوس المقاوم من إيران إلى فلسطين ، مروراً بالسّاحة اللبنانيّة وانقساماتها ، ومحاولات إشعال تناقضاتها ، على أنّ الحلبة الساخنة تبقى الأزمة السّوريّة وتسارع تطوّر سيناريوهاتها ، ما طُبّق منها أو ما هو قيد التنفيذ ، أو البدائل المحتملة من خططها فعلى ما يبدو أنّه :

أولاً ــ ثبت استحالة السيناريو ( التونسي ــ المصري ) في سوريا ، لانتفاء إمكانيّة الوقيعة والفصل بين النظام ورأسه كما حصل بين الرئيس التونسيّ المخلوع ( زين العابدين بن علي ) ونظامه ، هذا الرئيس الذي لم يستجب لصيحات الجماهير الغاضبة ــ كما يشاع ــ أبداً ،دون استهانةٍ منّا بإرادة تلك الجماهير وتضحياتها ، ولكنْ كان للأمر الأمريكي له بالتنحي فصل القول وفيصله ، ولتخلي جيشه عنه طلقة الرحمة على رئاسته ، تماماً كحالة زميله المصري المخلوع الآخر ( حسني مبارك ) ، مما لم يتوفر في سوريا فلا الجماهير المليونيّة احتلت الساحات ، خاصّة في الحواضر المدينيّة الكبرى ، ولا النظام ضحّى برأسه ليستمر في حماية شخصيّاته ، ومواقعه ومصالحه ، بل على العكس تماماً فلقد تشخصن النظام في رئيسه كحامل مشروع مستقبل الإصلاح والتغيير ، ووحدة الوطن وسلامته ، فضلاً عن أنّه ليس معروفاً عن الرئيس الأسد استزلامه أو تبعيّته لروما العصر ( الولايات المتّحدة الأمريكيّة ) بل إنّ كل مواقفه وسياساته تجاه اليانكي وسياساته تُذكّر بتاريخٍ كتب على أرض سوريّة أيضاً ، تاريخ الملكة ( زنّوبيا ) وهي تتصدّى لـجبروت ( روما ) غير عابئة بالثمن ، وفي حسابها الأخير ما تورِّثه للأجيال من تاريخٍ تفخر به وتبني عليه .

ثانياً ــ سقط السيناريو الناتوي الليبي اعتباراً من لحظة إشهار الــ ( الفيتو ) المشترك ( الروسيّ ــ الصينيّ ) بوجه المشروع الغربي ( الفرنسي ــ البريطاني ــ البرتغالي ) المقدّم إلى جلسة مجلس الأمن لإدانة العنف ""الدّولتيّ من وجهة النظر الغربيّة "" في سورية مع ما يترتّب عليه من قرارات وإجراءآت دوليّة مناسبة لاحقة .

ثالثاً ــ يبقى النموذج العنفي الذي نشهده بكل عوامله ومحفّزاته ،تمظهراته ونتائجه وتمخضاته ، فليس مصادفة الإقرار وإنْ مخاتلةً بوجود جماعات العمل المسلح في الشارع السوري من قبل مجموعات معارضة الخارج ( المجلس الوطني السوري برئاسة السيد برهان غليون، مجلس الإنقاذ السوري برئاسة السيد هيثم المالح ، رئيس التنسيقيّات السيد محمّد رحّال ، إلخ من الرؤساء الكثر والناطقين والناشطين والمحللين والمحرّمين الذين يملؤون الشاشات المتحفزة المتحمسة ولله فقط ولعيون الثوّار السوريين الأشاوس ) !!! ، مقروناً دائماً بلازمة التبريرات والتأكيدات ، من مثل حقّ الدفاع عن المظاهرات السلميّة !!! من قبل ( المنشقين الشرفاء عن الجيش المجرم المحتل !!! ) ، ومسؤوليّة النظام عن أسباب العنف وتسبيبه ، بعد طول نكرانهم (مجموعات معارضة الخارج ) للعنف الذي مارسه "" هؤلاء السلميون المسالمون "" الذين طالما سخر الذين نصّبوا من أنفسهم ناطقين باسم ( الثورة السلميّة ) من الإشارة إليهم بـ ( المندسين ) من قبل السلطات التي أصرت على التمييز بين هؤلاء ( العنفيين ــ الوظيفيين ) وبين المتظاهرين السلميين حقاً أصحاب المطالب المشروعة المحقّة ،التي استغلّ هؤلاء العنفيّون حِراكها ، لتتتالى التصريحات ــ التدخلات ، ومن قبل الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية ، الذي سمح لنفسه بالطلب من المسلحين عدم الإستجابة لبيان وزارة الدّاخليّة السّوريّة المانح للمسلحين ــ الذين لم تتلطخ أياديهم بالدماء ــ العفو لقاء تسليم سلاحهم وجنوحهم للسلامة والسلم ، ثم ليُعلَن من تركيا ، وبشكلٍ شبه رسمي " تركي " ، وعلى لسان العقيد الفارّ ( رياض الأسعد ) المستلم من نفسه قيادة ( الجيش السّوريّ الحرّ ) !!! ( يذكرني بجيش لبنان الحرّ ) أنّ جيشه العرمرم بالآلاف ( ١٠ ــ ١٥ ألف ) قد بدأ عملياته ، وأمّا ميدانها فعلى اتساع الساحة السورية ، وبنك أهدافها هي ــ بتواضعٍ ــ كل الجيش العربي السوري وأمّا التسليح فهو خفيف إلى متوسط ، ومصدره ــ وهنا تبلغ الملهاة قمّة بلاهتها ــ هو المُشترى من عناصر ( الأمن السوري الفاسدة ، حسب قوله بالحرف ) ، فتصوروا عناصر أمن تبيع سلاحها ، وتعود لتنام قريرة العين بعد مائدة عشاءٍ عامرة ، دون مجرد سؤالها أو مساءلتها عن سلاحها ، وفي كل جيوش الدنيا يحاكم العسكري "" ميدانيّاً "" على مسؤوليته لمجرد فقدانه سلاحه ، ولو ضياعاً فكيف بالبيع ؟ !!!

حقاً لقد أجبرني ذلك الرجل على الشّك بقدراته العقليّة ، لا بحثاً عن أسباب مخففة لارتكاباته ، بل لازدراء منابر توفرها الغرضيّة والتعبويّة الميدويّة المنحازة لأمثال هؤلاء ، ضاربة عرض الحائط بوعيّ المشاهد وحقّه في الاحترام وخاصّة احترام مداركه ككائن عاقل ؛ إلّا أنّ ( جيش النكتة هذا ) يجب النظر إليه بجديّة لتواجده على أرض دولة تركيا التي يعلن مسؤوليها تدخلها في الشأن السوري الداخلي ،بل وصرّح رئيس الوزراء التركي السيد ( آردوغان ) أنّ الوضع في سوريا شأن داخليّ تركيّ !!! فهل يشكل هذا ( الجيش الفرقعة ) صنف من النوع الطرواديّ الزائف لما يستقبل من الأيام ؟ !!! فإذا أُضيف للمشهد الإجتماع ( العربي ــ التركي ) في المغرب ، ومقررات اجتماع وزراء الخارجيّة العرب الذي رافقها ، وقراره التعجيزي التدخلي بالطلب من سورية التوقيع خلال ثلاثة أيام ــ وقيل بلا اعتراض أو نقاش !!!ــ على بروتوكول ( لجنة المراقبين ) في قفزٍ استفزازي على تمتع سوريّة بصفة ( الدولة ذات السيادة ) وبلغة تخلو من لياقة التخاطب الدبلوماسيّ ، بل وبلهجةٍ مهددةٍ متوعِدة ، وانبراء المراقب العام لجماعة ( الإخوان المسلمين ) في سوريا ( السيد محمّد رياض الشقفة ) إلى الطلب من تركيا التدخل في سوريا وإنْ بمخاتلة فاقعة ، في تناغمٍ مع جوقة الحرب النفسيّة المستنفرة ، تصبح الصورة أكثر جلاءً في تظهيرها . فهل السياسة التركيّة الحالية ستجرّ بلدها إلى الدور الذي اضطلعت به ( الإرجنتين ) في ( نيكاراغوى ) السندنستية عام ١٩٨٧ فيما عُرف بحرب ( عصابات الكونترا ) بدعم وتمويل من إدارة الرئيس الأمريكي ( رونالد ريغن ) حينها ؟ !!!

وأمّا اليوم فتمويل الدور التركي سيكون عربيّاً بلا أقنعة ، وستكون الرعاية والتوجيه أمريكو ــ صهيونيّ بكليّته كما أصبح التصريح به بلا حاجة للإستنتاج أوالتلميح . سيناريو بديل الحرب التي تُرجَّح استحالتها ، لأسباب ليس المقال مجال حصرها ، سيناريو لا يتمنّاه وطنيّ لوطنه . وأعود إلى التشديد على عامل الجغرافيا الذي يسمح باستدعاء نموذج ( عصابات الكونترا ) وييسره ولو مخياليّاً ، بالمقابل فخصوصيّة العامل الديموغرافي العابر للحدود ( السّوريّة ــ التركيّة ) يلعب واقعيّاً ضدّ تطبيق النموذج النيكاراغوي المُستدعى ، ولكنْ تبقى للسياسات الحمقاء المندفعة ــ خاصّة بعامل الإنتهازيّة السياسيّة ، ويقينيّة تقريريات الإيديولوجيا ــ أخطاؤها المرعبة وحتّى القاتلة .....


الثلاثاء، 15 نوفمبر 2011

أيّتها المعارضات السّوريّة ...إنها سوق السياسة وإنّه ــــ والله ــــ المزاد

من قلم : د. منير وسوف

إنّ بسيط استعراضٍ بانوراميٍّ سريعٍ لتطور تعاطي الإعلام ـــ خاصة المرئي الناطق بالعربيّة ـــ والمهتمّ بالشأن السّوري منذ بواكير البداية في الأزمة "" السّورية ـــ المأساة "" ، يستلفته استحضار وجوه وأسماء وتسميات وشعارات، وتغييب وجوه وأسماء وتسميات وشعارات ، وفق المراحل والأدوار والبرامج ، بل وحتى وفق المقاصد والتطورات إنْ لم يكن التطويرات ، المفترضة منها والإفتراضيّة ، فضلاً عن الوقائع على الأرض وزوايا تصويرها ومواقع وتموضع المصورين !!!
وتبسيطاً "" للإستعراض ـــ العرض "" سيكون مفيداً تفقيره ( من فقرة وليس من إفقار ) مع مراعاة التسلسل الزمني ما أمكن في مسلسل اللامعقول السّوري ، المستمر العرض ، لدراما الدم والدموع والمآسي ، في السيناريو المتطور لحظيّا ، ولو أنّه المؤطَّر تصميميّاً ـــ ومنذ عقدين على الأقل ـــ والذي كان كتاب ( شيمون بيرس ) "" الشرق الأوسط الجديد """ إعلانه الأشهر ، وقد ذاع صيته للمرة الأولى بعد حرب الخليج 1991 وأثناء مفاوضات ""التسوية"" بين كيانات النظام الرسميّ العربيّ والكيان الإسرائيلي ( وبالأخصّ في مؤتمر مدريد) ، بعد أن تم إنضاجه في الثمانينات ومطلع التسعينات في بعض دوائر الخبرة والبحث في واشنطن ( للمراجعة : الشرق الأوسط الجديد للمستشرق برنارد لويس ) ، ومن ثمّ تبنيه وتطويره من قبل حزب العمل الإسرائيلي( مرحلة اسحق رابين ــــ شيمون بيرس )، وجرى الإعلان عنه ، وقبلته العديد من الدول العربية ورأت فيه تحولاً كبيراً في تاريخ المنطقة ، لا بل وتحوّلاً في الصراع "" العربي ـــ الإسرائيلي "" !!!
ثمّ ما تبعه من تعديلات وتطويرات ، من ( شرق أوسط كبير ، إلى موّسع ، إلى غيره من الخرائط المشاريعية ) على ضوء التطورات ـــ التحولات : ""الجيوــ بوليتيكوــ استراتيجيّة ""، منذ انهيار المنظومة السوفيتيّة وانفراد ""الإدارات الأمريكيّة"" باتخاذ القرار في السياسات الدوليّة وتوجهاتها وحتى توجيهها، وبالشكل التدخليّ المسلح بلا أقنعة ( احتلال العراق ومأساته : مثله الصارخ ) ، على أنّ القاسم المشترك في كلّ "الدراسات ـــ السيناريوهات" و"التصميمات ـــ المشروعات" ، المرسومة في دوائر الخبرة والبحث لمنطقتنا( في "واشنطن" وحلفائها ، "وخاصة في "تل أبيب" المعنيّ اأوّل ) هو المصلحة "" الأمريكيّة ـــ الإسرائيليّة المترابطة عضويّاً "" في منطقتنا ، راهناً ، ومستقبلاً في المدى المنظور على الأقلّ .
من وجهة النظر تلك يمكن الإختزال الحوادثي لمتابعة المجريات المتلاحقة ، وإقتصار العرض ( تعسفيّاً لتعذر الإحاطة الشموليّة والشاملة ) لما يجري على مسرح اليوميّات السّوريّة في تعاطي الإعلام ـــ خاصة المرئي الناطق بالعربيّة ــ في استحضاره أو تغييبه ، أو حتّى تنكيره أو استنكاره "" وجوه وأسماء وتسميات """ وابتكاره لشعارات متجددة ، تماشياً مع إعلانها والهدف السياسيّ المرحلي السريع أو المسرع ( أسبوع أو أيّام ) في سباق مع الزمن !!!، وتهميشه لأخرى ، بل والسخرية من رافعيها وشيطنتهم وحتى نقل تظاهرات تخوينهم والتنديد بهم ،( باسم الأمانة الصحفيّة والموضوعية المهنيّة و ............ إلى آخر المعزوفة المحفوظة ، وبلغةٍ حقاً خشبيّة ) ، كما حصل في صحن الجامعة العربيّة بين المعارضات السّوريّة ، المشهد الذي أطلق عليه ـــ بحقٍّ ـــ بعض الظرفاء ،وبكوميديّة سوداء ساخرة ، إسم :""" موقعة الجامعة """ متناسياً ذلك الإعلام ـــ وبتعمُّد غبيٍّ أومتغابي يستغبي المشاهد ـــ أنّ متابعه " " يُميّز جيّداً بين " الإعلام المهنيّ الموضوعيّ " وذلك الذي يغادر رسالته تلك إلى دور " الناشط السياسيّ المتحزّب " : هذا أولاً ، وثانياً : إنّ الأحداث مازالت حديثة حيّة ، وبالتالي فالمراهنة على النسيان وتعب الذاكرة رهان خاسر ، وإذاً فلنبدأ بــــ :
آ ـــ ""الفقرة ـــ المرحلة"" الأولى : ( شاهد عيان ) ، وقد غادر هذا الـ ( الكومبارس ) خشبة المسرح بعد أن ملّ المشاهد دوره
وقد استجاب المخرِج بعد إنهاء تجهيز البديل لنفس الدّور، والعذر في استخدامه كان استحالة تواجد المراسل الصحفيّ المهنيّ ، بسبب منع ( النظام السوريّ ) تلك القنوات من التواجد الميدانيّ لتغطية الحدث !!! تبرير ينقصه قويم المنطق وتبرره الديماغوجيا لا غير ، فالأمانة المهنيّة قيمة أخلاقيّة ثابتة لا يبرر عذر ـــ أيّاً يكون ـــ استباحتها أوالتلاعب بمصداقيتها .
ب ـــ ""الفقرة ـــ المرحلة"" الثانية : ( الناشط السياسيّ ) ، وقد حلّ مكان ( شاهد عيان ) ، وبنفس الدور مع زيادة الجرعة ( الثوريّة ) والتحريضيّة لتتلاءم مع اللبوس الجديد ، في تقاسيم متناوبة مع ( ناشط حقوق الإنسان ) ومراكزه المتنقّلة ، والذي لا يختلف أوتختلف في الدّور أو المحتوى ، ولا عجب حين يكون السيناريست ذات السيناريست ، والمخرج نفس المخرج ، على ذات المسرح ، وإدمان ذات الجمهور المتابع ولكنْ لا المأخوذ .
ج ـــ ""الفقرة ـــ المرحلة"" الثالثة ، قد تداخلت زمنيّاً ، مع المرحلتين السابقتين ، وأسّ حضورها استضافة ( مثقّفين ومحللين سياسيّين ) من كل المشارب ، لتتالى الخطابات المؤدلَجة والمؤدلِجة ، الواقعيّة قليلها والرغبويّة جُلّها، في استعراضات تسويقيّة إلاّ قلّة ، ومُوحاً بها مسترسلة إنْ تجاوبت !!! ، أومُقاطَعة لضيق الوقت إنْ خالفت !!! ، وللأسف بعضها سوقيّ المستوى والذوق ، بل وخادش شتائمي ، مع الإستزادة والمزيد من الشحن العاطفي ، والتحشيد التهييجيّ والإيحاء الفتنوي ، والتلاعب بالعواطف الدينيّة لجمهور جريح ، بل وجرحه ملتهِب ، هنا أصبح واضحاً الفرق بين الثقافيّ والثقافويّ ، بين الشعبيّ والشعبويّ ، بين المسلم المتديّن الحق ، والمسيّس الإسلامويّ الذي لا يجد غضاضة في استخدام قدسيّة الدين الأبديّة ورقةً في دنيوية السياسة الزائلة وآثامها ، بين الأستاذ الرساليّ الرؤيوي ،والمربي المسؤول بحقّ ، وذلك حامل اللقب بلا جدارته .
أسماء وشخصيّات كانت نجمات البرامج والشاشات غابت أو غُيّبت ، ( "المفكر العربي" عزمي بشارة ) قال ما عنده ، أو ما عليه قوله بمناسبته، وتفرّغ كما يبدو لشؤون تنظيم مؤتمرات المعارضات السوريّة وهمومها ، ( د .بسّام أبو عبد الله أستاذ القانون ) لم يعد في جعبته مزيداً توظفه ( قناة الجزيرة ) لاستفزاز المستفَزين الجاهزين لحفلات الردح ، فضلاً عن تجاوز الحدث السّوري فترات التحمية والتشجيع إلى مباشرة مباريات القتال الدامي المميت بلا رحمةٍ وبلا عقل ، ( د. طالب ابراهيم ) أصبح ثقيلاً على السياسات الإعلامية المعتمدة بمحاججاته وقدراته ، أمّا (د. أحمد الحاج علي ) فلن يتقدم في انتقاده ، أو يُضيف مستجيباً لإيحاءآت مستجوبه ـــ المذيع ، لنصل إلى الإعلامي ( شريف شحادة ) الذي يُتصل به ليُقاطَع ويُغالَط ، وكأنّه لا يكفيه سوء الإتصالات !!!
هكذا مرّ كلّ هؤلاء (الموالون للنظام السوري كما يوصَفون ، طبعاً .عزمي بشارة لم يعد منهم !!! ) ولم نعد نسمع لهم صوتاً أونرى لهم صورة ، بالتواقت مع مقاطعات وتوقيع عقوبات بحقّ وسائل إعلاميّة سوريّة !!! ( "قناة الدنيا" السّورية مثالها ) ، لكأنّ فقرة المحلل السياسيّ قد استنفذت أغراضها أو أُصيب بالكساد سوقها فأُحيلت إلى الأرشيف أو إلى مستودع السلع المنتهية الصلاحيّة ، فهل الحفظ أو سواه من مآلات إعلاميّة أصبح مصيرها ؟ !!!
كلّ التلاوين عُرضت في لوحة صخبٍ إعلاميٍّ مشوِش واللوحة لم ينته استعراضها ، وإنْ كانت خيبة المشاهد في الرئيس من خطوطها ، وتدرج المحبوك من مزج وخليط ألوانها اللاعذراء أبداً ، هو المهيمن على الإنطباع السائد حتى اللحظة .
د ــــ ""الفقرة ـــ المرحلة"" الرابعة والمستمرة العرض منذ البداية ، باستضافة أو استدعاء ــــ لا فرق ـــ المعارضين السياسيين ، وعرض المطلوب من منطقهم ومناظراتهم ،وحتى المقبول من رؤيتهم المستقبلية للأزمة وتصورات مخارجها ، تسويق آرائهم وبعضها هوامات وشطحات أحلام يقظة ، تقديم رجل السياسة في بعضهم وتلميعه، والتلويح بتصلّب الدكتاتور المستبد في بعضهم الآخر وتمريره ، إبراز ""المراد المطلوب تسويقيّا سياسياً"" من مؤتمراتهم وتجمعاتهم وتحالفاتهم وعلاقاتهم ، وإشهار تسميات تنظيماتهم أو التعمية عليها حسب العرض والطلب ، هكذا وبقدرةٍ "" ميديوية "" مبرمجة يغيب إسم ( تنسيقيّات الثوة السوريّة ) وأصوات ممثليها في المدن والحارات ـــ هذا إذا كانت قد وُجدت أو كان لها الحجم والإنتشار المُدّعى ــــ و يُغيّب لمصلحة ( الهيئة العامّة للثورة السّوريّة ) ، مولود " ثوريّ " آخر أكثر استجابة لمتطلبات سياسات ( المجلس الوطني السوري ) ورعاته الإقليميين والدوليين .
أمّا تسميات أيام "الجمعة" واختياراتها ، فهو الأكثر مدعاة للتساؤل ، ليس بسبب طبيعة التسمية وحسب ، ولكن في حصرية التسمية بأيام " الجمعة " وكأنّ الـ " ثورة " في كمون بقيّة الأيام ، أو في وضع التزامٍ بالدوام الرسمي واحترامٍ لمقتضياته ولوائح الدوام !!!

إنّ مما يدعو للمزيد من التساؤل والأسى ، إدراك أكثرنا لمدى التلاعب التاريخي المديد بأقدار أوطاننا ، وبمصير أمتنا ، ومع ذلك نقتتل ونتذابح ونتناحر !!! وفي العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين مازلنا نجترّ مأساة ( قبائل قتلت قبائل ) !!!
أنعيش في عصرنا ككل الأمم المعاصرة ، أم أننا ما زلنا ـــ وكما يبدوــــ في ذلك العصر الدموي الأسود الذي يعتزّ به البعض ؟ !!! ...
أفليس من صوت للعقل ؟ أفليس من صحوة لضمير ؟
ألم نخرج بعدُ من بداوتنا وجاهليتنا وتخلفنا وثأريتنا وكلّ ما لا يرفع الرأس من خصال مشينة ؟
أم أنّنا تهاونّا فهُنّا فغدونا في ""سوق السياسة "" سلعةً طالها الكساد ، حتى وصلت سويتها القيميّة في التسويق إلى لغة المزاد ؟ !!!!

ستربتيز عربي ثوريّ على أرصفة العالم‏‏


من قلم : د منير وسوف





من يتذكّر فيذكر تلك المرأة الحمصيّة ( هالة الفيصل ) وهي تمشي عارية في أمريكا احتجاجاً على لا شرعيّة الإحتلال الأمريكيّ للعراق ( وكأنّ هناك احتلال شرعيّ في تاريخ العالم !!!) ؟


لم تكن تحتجّ وتستنكر جريمة العدوان الأمريكي واحتلاله لبلدٍ عربيٍّ (العراق) فقط ، فهذا جانب من صورة العري العربيّ الذي رمّزته باحتجاجها عارية في شوارع أمريكا ،ولكن وفوق ذلك ، فقد كان إعلاناً عن زيف دثار شرف "النظام العربي الرسميّ" اللاشرعيّ ، بل والذيلي الرثّ ،الذي تواطأ وتآمر وساهم ،فدبّر تيسير ممارسة زنى الإحتلال الأمريكي ،لا في العراق فقط ، بل في كلّ شبر من وطن العرب .


تلك المرأة السوريّة ،العاريّة ،المحتجّة لم تهتبلها مناسبة لاستعراض أنوثتها في عرض " ستربتيز" شوارعيٍّ ، في بلادٍ لا يشكل العريّ فيها جريمة ولا جنحة ، بل ولا عمل طائش خارق للعادة ، إنّما أرادتها ، وبالدرجة الأولى رسالة لكل عربيٍّ ، ولكل حرٍّ في هذا العالم ، تفضح درجة الهمجيّة " الراقية " للرأسماليّة المتوحشة ، وتعريتها وأدواتها ، بما فيها "النظام العربي الرسميّ" بكل أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ فيه ، من كلّ رمز شرف ،حتى من ورقة التوت .
وأمّا اليوم ، فاحتجاجها العاري لم يعد فقط كل ما ذكر سابقاً ، وليس هو لوحة حيّة ،وباللحم العربي العاري المستباح ، لفنانةٍ رسّامة " بورتيه " أبداً ، بل يرقى لمستوى نبوءة إنسان معذَّب ينتمي للعدالة المفقودة في عالم جائرٍ ، مُزيَّف ومُزيِّف ، كلّ مافي سياساته وممارسته بضاعات أسواقٍ رخيصة ، مغشوشة ومزيَّفة ، فهل يصدّق عاقل في كلّ العصور ، لا في عصرنا فقط ، ومشاربه ، فانضم إلى قافلة أعدائه المنادين بإزالته ، ومكتشفاً ظلمه وطغيانه وجنونه وعدأنّ قاتل ( غيفارا ) غيلةً ، يرفع راية عدالة ثورته ، ويصدح بإعلاء شعاراتها ؟ فيصبح مجرموا الـ ( ناتو ) أبطال تحرير الشعوب المنتهكة حقوقها ، وخاصة في أرجاء ( بلاد العرب أوطاني ) ؟ !! ويصبح (جيفري فيلتمان) بطلاً " ثوريّاً ميدانيّاً " وقائد عمليات إنجازات ثوريّة ، وتنبري السيّدة ( هيلاري كلنتون ) لتضم إلى حقيبة مهامها وظيفة آمر فصيلة تنفيذ " فتوى القتل القرضاوية " بحق ( القذافي ) ؟ بغض النظر عن استحقاق القذافي القتل عن أفعاله ، أم واجب العقلاء وحقه ، في علاجٍ من أمراضه التي يصدح بتعدادها ، من انقلب على أمس خدمته أو صداقته ، ولكلٍ غاياته م صلاحه وعائلته للحكم ، وكل ذلك صحيح ، ولكن توقيت الإكتشاف ـ المعجزة يثير التساؤل !!، خاصة بعد سنوات حكمه المديد لأربعة عقود ونيّف، من الغرائبية المنفّرة والإستبداد الكريه .
إنّها جوقة الستربتيز السياسي بكل عناصر تمامها ، وقد اعتلت بصوت عالٍ مسرح ما يسمى المجتمع الدولي ( البراغماتي الأمريكي حقيقة ) ، والأكثر كاريكاتورياً وقبحاً وفجاجةً فيه، بعض الابطال الدمى والثوّار الكومبارس الذين لم يعد لهم من نشيدٍ وطني إلاّ الإيديولوجيّة الجلبيّة ( من نسبتها الثابتة لـ " أحمد الجلبي " الأشهر) المتوسلة التدخل الناتيوي بكل السبل وبأيّ ثمن ، حتى لو بمصير " العراق ـ العبرة " بلا اعتبار ، أو بالمسار الليبي التدميري الدامي بلا حساب ، إلاّ حسابات سانّي الأسنان على ثروة ليبيا ومستقبلها ، أو ولوغ أصحاب الثارات والأحقاد وعقد النقص المزمنة في دم الإخوة باسم لأهداف السامية لثورة الحريّة على الديكتاتورية ، بعد أن كان معظمهم ، وإلى الأمس القريب ، وبالإسم ، من أعمدة نظام القذافي ، قبل انقلابهم عليه في أوضح ( انقلاب ) بمعونة من كان الجميع يسمّيهم ( القوى الإمبرياليّة الخالقة والراعيّة للأنظمة الديكتاتورية القمعيّة ومنها نظام معمّر القذافي ) ، فهل تلك القوى الإمبريالية ، عينها، أصبحت وبلمسة سحر " معجزةٍ ثوريّة "، راعيةً لثورات " الربيع العربي " ؟


وهل أصبح يطلق اسم " ثورة " بغوغائيّة وارتجال على كل ما هبّ ودبّ من حركات ؟


حتى ولو كانت انقلاباً صُراحاً من أطرافٍ في نظامٍ تتصارع مع أخرى ، راكبةً المطالب المحقّة لجماهير الشعوب المحرومة المهمّشَة ؟!! نعم : الكرامة عمود الإنسانيّة الفقري ، لا جلدها ولا كساءها فقط ، وبالمقابل فالمهانة والذّل والعبوديّة للحاجة ، هو السحق الهمجيّ للإنسانيّة وتمزيق جلدها ، وهتك ستر عفافها فضلاً عن إلقاء ثوبها إلى نار الظلم والإستبداد .
نعم : العدالة ، بكل قواميس تعريفاتها ، وصادق أشكال تطبيقاتها ، شرط الإنسانية اللازم ، في إبراز حقيقة تمظهراتها ، وبالمقابل فالفساد والمحسوبيّة والسلوك المافيوي والتسلقيّة والأرزقيّة ، هي من بعض السلوكيات المرضيّة الشّاذة المشوِّهة لسفر العدالة ، والمجهِضة حتى للجنين من أسس مفهومها ، فضلاً عن تجسّدها ، والتمتع بسواء يناعها .


نعم : الحريّة أسّ شروط الوجود الإنساني ، والهواء الذي لا غنى لحياةٍ عن ضرورته ، وبالمقابل فالقمع والكبت والإرهاب ، الفرديّ والفئوي والدّولتي والإمبريالي، وبكلّ أشكاله ، الجسدي ، والفكري الايديولوجي المقدّس أو الوضعي ، والمتخلف الشعبوي ( وهو الأخطر في مجتمعات التخلف وبقايا البنى والمفاهيم القروسطيّة ، المستمرّة برعايةٍ دؤوبةٍ ومبرمجةٍ ، في ظهرانينا ) هو القاتل والخانق والوائد لكل حريّة ، حتى حريّة البكاء التى تصبح مكبوتة ومراقبة ، بل مشروطة ومُجنّسة ( من جنس ) ، فالبكاء للنساء لا للرجال !!! مع كل ما يلحق من ملاحق التنميط الثقافوي المتخلف الذي أزاح ثقافة التنوير الحقّة ، محتلّاً ، وبصيغ الوباء ، معظم منظومة الذهنية العربيّة القائمة ، في نكوصٍ صاخبٍ ، عن العصر الحديث والعصرنة الحداثيّة وعليهما ، إلى سالف عصور انحطاط عُرفت في تاريخنا ، ووسمت بسوادها ، لا مرحلتها فقط وما تمخضته من رزايا مشوِّهاتها ، بل مازالت قصّة مرضنا المزمن المقيم وجوهره ، وواقع الحال شاهد نطوق .
نعم نؤمن بالجماهير ، بحراكها ، بحقوقها وعدالة مطالبها وخياراتها ، وخاصةً بحقّها في "الكفر" بوجود " الجلّاد العادل !!" والأنظمة الأبوية المتصلبة المتسلطة ، وبحقّها في الوصول إلى سنّ نضجها وممارستها مسؤوليتها ، عن نفسها وأوطانها ، فكلنا من تلك الجماهير التي تشعر بحقّها المهضوم ووجودها المهان ، ليس اليوم فقط ، وليس ممن يُسمَّون بحكامها فقط ، وهم ولاة ودمى ، ما خلا استثناءآت اغتيلت أو في طريقها ، ولكن منذ أصبحت ( سايكس ـ بيكو ) خريطة طريق العرب إلى ما رُسم لمستقبلهم اللازاهر الذي نعيشه ، لكنْ أن تصبح الجماهير العربيّة ومطالبها المحقّة مطيّة لكل راكب ، وبئراً لكل صاحب دلو ، حتى لدلاء أمثال ( الفرنسي ـ الإسرائيلي ب.ه.ل : برنار هنري لوفي ) الغني عن التعريف ، فضلاً عن اصطفافٍ لا ينتهي من أصحاب التنظيرات النيوليبراليّة الجديدة ، الذين استفاقوا على " العربي الثائر " ، وساحاته وميادينه ، وبانتقائيّة مقصودة ،فتركوا لحبرهم العنان تنظيراً وتأطيراً ، استشراقيّاً في قصوره المعرفي بالحدّ الأدنى ، وصولاً إلى مداه المتشفي ، بالتحريض واستدعاء الثارات من مرحلة نهوضٍ قوميّ عربيٍّ ، بشيطنتها ، وربط كل موبقات الواقع الذي صنعه وكرسه التحالف اللامقدّس ( الغربي ـ الصهيوني ـ الإقليمي العربي ) بها ، ونسبته غالباً للمرحلة الناصرية بعينها ، ( حتى أنّ " ونيس المبروك " اللّيبي ، وعضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين ، لم يفكر في حديثه بعد مصرع " القذافي " على " قناة الجزيرة " مع المذيع " محمد كريشان " إلاّ بتغيير إسم شارع " جمال عبد الناصر " في " بنغازي " !!! مما أثار استهجان حتى المذيع ، وعلى الهواء مباشرة ) ، مع التبشير الشامت بنهاية المشروع النهضويّ العربي ، وسقوطه تحت سنابك غزو الإسلام السياسي القادم منتشياً بنصره على صهوات " ناتويّة " مجاهدة !! ـــ اللهم ثبّت علينا نعمة العقل فلا نُجنّ ، وصحيح الإيمان فلا نضلّ .
أوليس ذلك هو العهر السياسي العاري بلا أقنعةٍ أو رتوش ؟


أوليس ذلك هو قيادة العطاش إلى السراب الخادع عوضاً عن الماء القراح ؟


فكيف إذا أصرّ البعض ممن وجد نفسه فجأة قائداً بلا أهليّة ولا مؤهَّل ؟ وثائراً عبر شاشات لها أجنداتها وولاة أمرها !!، بلا ماضٍ نضاليٍّ معروفٍ له ، هذا إنْ وُجد ، ويتكلم باسم البيت الأبيض الأمريكي وموظفي وزارة الخارجيّة الأمريكيّة ومتحدثينها ، وينصت إلى نصائحها ـــ التوجيهات ، خصوصاً بعدم الإستجابة لنداءآت ( النظام السوري ) والحوار معه ، ورفض حتى المهل المقدمة من وزارة الداخلية السوريّة للمسلحين !! الذين لم يعد ينكر وجودهم أحد ، لتسليم السلاح بمقابل طيّ الصفحة وعدم التعقب والعقاب ، في سابقةٍ معبِّرة وخطيرة ، وأصبح له في الـ ( كي دورسيه ـ وزارة الخارجيّة الفرنسيّة ) عضداً ، وفي وزارة الخارجيّة البريطانية ناطقاً ، وفي اسطمبول ""حاضرة سلطنة بني عثمان "" مقرّاً وحاضناً ، ومن مجلس انقلاب ليبيا الناتوي ( المجلس الوطني الإنتقالي الليبي) صنواً وقدوة ومعترِفاً ، ومن ملوك وأمراء النفط ، الثوّار الغيارى ، ممولاً ( ومرشداً أعلى ) لديمقراطيّة مثاليّة بعراقة ممارستها ، يطبقونها في مجتمعاتهم ، خاصةً في ( البحرين ) !!! إنّ فجور هؤلاء البعض من قنّاصي فرص تعبير الجماهير عن عذاباتها ، ومطالبتها المشروعة بالإصلاح والتغيير ، يرقى إلى سويّة خيانة قضايا تلك الجماهير ، بل وتعهير مشروعيتها ، حين تُدقُّ الأسافين والشروخ بين حريّة الشعوب وحريّة أوطانها ، بطلب الأجنبي المستعمِر ( والدم العراقي والليبي مازال يهرق على يديه ويد صنائعه ) في تنازلٍ مخزٍ عن السيادة والإستقلال ، الذي طالما كان هدفاً ونشيداً صدحت به حناجر نفس ذات الجماهير الهادرة .


إنّه الـ "" الستربتيز الثورجيّ "" الذي يمارسه بعض قراصنة المعارضات وقنّاصي فرص الفراغ السياسي وتصحراته في قاحل حياتنا السياسيّة العربيّة ، ليس في الحارة وبين الأهل فقط ، بل وعلى أرصفة العالم ، فرفقاً بالشعوب وعذاباتها ، ولن يترفق بها أحد إنْ لم تبادر هي للرفق بحالها ، فهل ستبادر تلك الجماهير لأخذ زمام أمورها بيدها ؟


أم سيستمر كيل الضربات على رؤوسها حتى يستمر دوخانها وفقدانها القدرة على التوجه بعد كلّ العبث المتعمّد ، والتشويش المتواصل على صحيح الإتجاه ؟ !!!


الأربعاء، 21 سبتمبر 2011

العلاقات السورية ـ التركية والأمن القومي العربي ( 5‏ ) :



السيناريو الأسود والبراغماتي " آردوغان " :

بقلم : د. منير وسّوف القوي

اليوم وأكثرمن أيِّ يومٍ مضى ،لا أزال كما كنتُ دائماً ،من الدّاعين ـ بجديّةٍ المسؤوليّة المواطنيّة ،وبصادق الإنتماء العربي ـ لعلاقات ("سوريّة ـ تركيّة") جادّة وراسخة ،لا بل متجدّدةٍ ونامية ،على أساس الإحترام السياديّ المتبادل المتكافئ ،والعمل بموجب المعاهدات الثنائيّة المتبادلة ،نصاً وروحاً ،وباحترام كامل للشرعيّة الدوليّة في إطارها الأشمل الأعم ،دعوةٌ لم ولن تفتَّ في عميق مسؤوليتها وموضوعيّة ضرورتها ،لاغيوم ولا عواصف ،آنيّة أوسابقة ،ولاحتّى مستقبليّة محتَملة ،وفي ابتعادٍ عن الإستسلام لمنطق "نظريّة المؤامرة" دون نفيها بالمطلق ،أو البناء عليها أساساً مقيماً لأسِّ كلّ حدثٍ دّاهمٍ في أصقاع أمّة العرب ،وخاصّة في تجنّب مواقف شخصنة سياسات الدّول ـ كلّ الدّول بالمعنى السياسي للدولة الحديثة ـ تركيّة كانت أو إيرانيّة ، روسيّة كانت أوأميركيّة ،فرنسيّة كانت ...أو ... فالسياسات ترسمها مصالح الدول الفاعلة ،لا "الدول ـ البيادق"،سواء كانت المصالح استراتيجيّة ،أومتغيّرة في إطارها ،أوحتى مستجدة فمعدّلة في مسارها ،وتنفذها (السياسات )الإمكانيّات المهيأة والمعدّة (قوى دول مهيمِنة ،أحلاف استراتيجية ،قديمة قائمة ،أوآنيّة التلاقي على مصلحة مشتركة داهمة)،ومن ضمن تلك الإمكانيّات ،استخدام الدّور الوظيفي للأدوات المحليّة والإقليمية وحتى الدوليّة (الدول ـ البيادق ،الحركات السياسيّة المخترقة أوالتابعة ،بعض المؤسسات ،معروفة التمويل والدّور في كلّ ،ومن كلّ حقب وصوب وصقع ....)،كلّ ذلك في ظرف التحقق المتاح لتلك السياسات ومسرحها الممكن التحقيق والحضور،أمّا الايديولوجيا ـ وحتى المقدّس منها ـ وكلّ الحديث الأخلاقي والتغني الإنساني ،إلى آخر "الموشّح" المكرور حتى الملل ،فلا دور له أكثر من بعض المؤثرات الديكورية ،السمعيّة ـ البصريّة ،وحتى خدعها التصويريّة المتقدّمة بالتقنيّة "ثلاثية الأبعاد" فلا تعدو عن كونها من "عدّة الشغل" ومستلزماته ،وكلّ العزاء ـ بلا شماتة ـ لشاتمي الماكيافيلية الدّائمة (على وزن الثورة الدّائمة)،بالوفاة المستمرة المقيمة لمنطقهم الرّثّ ،المطمئن بسذاجتة، والسقيم برغبويته ـ المهزلة.
وحتى لا نسترسل في مقدّمةٍ قد لا يفها سفربحاله أمام طوفان اللغو "الميديوي"وضجيجه ،وحروب "الشاشات الصفراء" رغم عالي تقنيّتها، وحمّامات غسيل الأدمغة بأبشع الأفكار والصور،ولغة انحطاط سقيم عصورٍ عُرفت ـ بجدارةٍ تليق بنا وبها ـ بـ (عصور الإنحطاط) ،نقطع بالسؤال : ماذا حصل ؟!
لن أعود للسرديّة الحوادثيّة ـ الحدثيّة منذ إحراق ابن مدينة (سيدي بوزيد) التونسيّة ،الـ (بوعزيزي) نفسه ،وحتى اليوم ،مما يحفظ يوميّاته كلّ متابع ،بل سأتوقف ـ تأطيراً للموضوع ومحاولة مطابقة العرض وعنوانه ما أمكن ـ مع المسارالتركيّ في البارز من مواقفه المقتربة والمقاربة للحدث العربي ككلّ ،والذي تدرج مع الوقت في تمظهرات خضعت للعامل الجيوبوليتيكي ،والعلائقي بكل أصنافه ،وحتى المصالحي المحلّي والصغير ،فلقد بدأ ناصحاً بحذرٍ وضبابية (مع تونس) ، فناصحاً أخلاقياً وعظياً إيمانياً (مع مصرـ مناشدة آردوغان لمبارك : كلنا فانون ॥إلخ॥) ليتقدّم خطوة (مع ليبيا)وبانتهازيّة براغماتيّة مصالحيّة ،لاتشكّل عيباً في لغة السياسة ،وإنْ حملت كلّ ملامح العيب في لغة المواقف المبادئيّة بمعارضته الموقف الفرنسي التدخلي ،انتقاماً منه ،لمعارضة الأخيرانضمام تركيا للإتحاد الأوروبيّ ،ولعدم حصول الأتراك على ضمان مصالحهم الواسعة في ليبيا ،في المرحلة المحتملة لما بعد "القذافي" ،ليعود فيلتحق بالسياسة الأطلسية في ليبيا بعد الإعتراف الأطلسي بدور ومصالح تركيا بانعقاد مايسمّى بـ (مجموعة التنسيق ) بشأن ليبيا في اسطمبول،ليصل إلى مواقفه المندفعة أخيراً ،قبل لجمها المؤقت ،'''كما يبدو''' ،فيما يخص الجانب السوري من الحدث العربيّ ،المسمّى بـ (الثورة السوريّة) ।

وبالعودة للسؤال ماذا حصل ؟ وما الذي طرأ محفزاً للتركي دوافعه ،مفعِّلاًعوامل تبدلاته ؟
الجواب واضح يسير:هو الإعتراف الأطلسي للتركي بحصته من الكعكة الليبية ،جواب يستولد سؤال بالتداعي: أشراكة هي أم رشوة برسم الآتي ؟ !
هنا تصبح الإجابة سوداويّة ،إنْ لم تكن كارثية ،فالسياسة التركيّة نهلت ،وما زالت من ينبوع البراغماتيّة بلا ارتواء ،محركها في كل خطواتها مصالح الدولة التركيّة إقليمياً ودولياً ،وهذا حقّها على قاعدة أنّ الدول ليست "تكايا" ولا جمعيات خيريّة ،لكنّ المخيف في الأمر أنْ تصبح مصالح الدولة ـ كلّ دولة لا التركيّة فقط ـ في خدمة سياسة داخليّة شعبويّة تبحث عن صوت الناخب والأغلبيات ،بأيِّ وبكل ثمن ،حتى لو أصبح الثمن سياسة تدخليّة استقوائيّة ، تضرب عرض الحائط بكل المبادئ الناظمة للعلاقات الدولية ،والمواثيق المتفق على احترامها بين الجيران ، بطارئ دعاوى ضبابيّة التحديد ،كتهديد أمن الجار،وكالعامل الإنساني ،أوالجرائم ضدّ الإنسانيّة ،أوتهديد السلام الدولي ،إلى آخر المعزوفة التي نعيش ملحمتها الأخيرة على المسرح الليبيّ ،وقبلها على المسرح العراقي المقيم ،دون نسيان السودان والصومال ،والمسبحة تتكرر وتكر ...
ولئن كنت ،قبل سنتين ونيّف ،قد كتبت مشيداً بالسياسة التركيّة مترجمة بالموقف الآردوغاني في "دافوس" وبالحرف ،وبغض النظرعن الهدف التركي من موقفه ذاك ،سواء التحشيد الإنتخابي الدّاخلي وهذه لعبته "الديمقراطية" ،أو ممارسته الإبتزازية للأوروبي الصّاد له على باب الإتحاد الأوروبي ،وذلك حقّه السياسي في اللعب بكل أوراق القوة ،أو في إرادته "المشروعة" و"المفهومة" للعب دور إقليمي جيوبوليتيكي يليق بحجمه الذي يعتقده ،خارج الحلف الأطلسي ـ القيد ـ الذي يسلب منه أكثر مما يعطيه في ظلّ المتغيّرات الدوليّة المتسارعة ،والمشاريع المعدّة والمصرح بها بلا لبْس ،خاصة فيما يسمّى بـ (منطقة الشرق الأوسط )،كتبت وبالحرف:
((واليوم :حين ينتفض رئيس الوزراء التركيّ ،السيّد ( رجب طيّب أردوغان ) على همجيّة عصابة القتلة في الكيان الإرهابي الصهيوني الغاصب ،لا يجب فهم ذلك بتبسيط بدويٍّ بدائي،ولا بتسخيفٍ مفهوميٍّ ثأريّ ،أو بنرجسيةِ ذاتٍ متضخمة أعرابيّة ،بل بموقف رجل دولة مسؤول ، يرفض لغة الحكّام التُّبَّع ،الذين يبررون عدوان عصابة صهيون ،ويشرعنون جرائمها ،تبريراً للاشرعيتهم المغتصِبة للشرعيّة القوميّة لأمّة العرب ، نعم هذا الـ (أردوغان) ليس شريكاً في النظام اللاشرعي الغاصب للشرعيّة في وطن أمّة العرب ، هذا النظام الإقليمي (اللاعربي) ـ السايكسبيكوي ـ البلفوري ـ الصهيوني ـ الكامب ديفيدي ـ الوادي عرباوي ـ الأوسلوي ، الذي يرفع العقيرة بالخطر الإيراني ،ويرى الأمن القومي العربي متحققاً بالأساطيل الأمريكيّة ، بالإحتلال الأمريكي ـ الصهيوني ، بل ويشرعن الإغتصاب والإحتلال، ويشرحه بوقاحة صفيق موظّف ، وعلى لسان حاكم مصر،الحارس لمعبر رفح ،بأوامر صهيو ـ أمريكية ،هذا الـ (أردوغان )الذي يقول: لا يمكن السكوت عمن صمتوا إزاء ما حدث في غزة.. و يجب ان تأخذ حماس مكانها على الساحة الديمقراطية الفلسطينية) ،هل يمكن أنْ يرتقي التّبّع ،رغم جلالاتهم ،وفخاماتهم ،إلى بعض قامته ؟ بل إلى بعض البعض منها ؟ )).
تُرى ماذا أقول اليوم ؟! والجواب بلا تردد :
من ذات موقع المسؤوليّة المواطنيّة ،وصادق الإنتماء العربي ،وفوق ذلك من منطقٍ سياسيٍّ ملتزم وسليمٍ بالمطلق ،سأكرر قولي أعلاه لوتكرر ذات الموقف التركي ،وهو ما التزمته من احترامٍ للسياسة التركيّة في بداية اشتباكها (الدبلوماسي ـ القانوني ـ الإعلامي) مع الكيان الصهيوني ،العام الماضي ،في أعقاب القرصنة الصهيونيّة على اسطول الحريّة لكسر الحصار عن "غزّة " وارتكابها كالعادة مجزرتها على السفينة التركيّة " مافي مرمرة " ،قبل أنْ يخبو( الإشتباك) تدريجيّاً ،ليتحول إلى قائمة مطالب للتفاوض ،على شاكلة المفاوضات بين الكيان الصهيوني وسلطة " رام الله " ،وصولاً إلى الموقف التركي المشين من القافلة الثانيّة من اسطول الحريّة هذا العام !!!، حقيقة كم من الماء جرى في مجرى النهر خلال عام !!!.
واليوم ،ومع تصاعد المواقف المناوئة وبنبرةٍ عدوانيّة لاتخلو من وعيد للسياسة السوريّة ـ حتى الساعة ـ في أوساط ما يسمّى بـ (المجتمع الدولي) ،وتراجع بعض الأصدقاء إلى مواقف دعمٍ ليّنة ،بل غير بريئة وملتبسة ،وظهور اسطفافات تخرج من السّر إلى العلن بتناغمٍ أوركاستري صريح ،يصبح المشهد في السيناريو الأسود الكارثي متبلوراً بلا الحاجة حتى للتعديل ،فالأسبوع "المعطى" من مجلس الأمن قصير ،والتهويش الإعلامي إلى اشتداد ،ودوّامة العنف المجنون كما فِعْلُ إخماده إلى اشتداد ،فهل أصبح مسرح جريمة التدخل الأطلسي جاهزاً ؟ وطبعاً بتمويلٍ عربيٍّ سخيّ ،وهل تركيا هي الذراع الأطلسية ؟ خاصة بعد التغييرات في القيادة العسكرية التركية ،ربّما لمنع كلّ اعتراض على قرارٍ سياسيٍِ تدخليّ جاهز، وهل هنالك من إحياءٍ للتحالف الإستراتيجي "الصهيوني ـ التركي" مقرراً ترجمته العمليّة باعتماد " خط عرضٍ ما" في المجال الجويّ السوري ؟ ودائماً برعاية أمريكيّة ـ أطلسيّة ،وتمويلٍ تحت الطلب من وفرة العائدات البترودولاريّة لممالك وإمارات النفط والغاز .
إنّه السيناريو الأسود ،وهاوية الدمار،فلن تكون سوريّة لقمة سهلة القضم لطامع ،ولايسيرة الهضم لجائع ،وتفجيرها ـ لاقدّر الله ـ سيهلك الجميع ،لاسيصيبهم فقط بالشظايا ،ولن يكون الحليف الإيرانيّ على الرصيف ،ولا المقاومة الوطنية اللبنانية منتظرة شدّ الحبل على عنقها ،كما ولن تكون قواعد العدوان في مأمنٍ وفي كلّ المواقع ،ولن ينعم مغامر براغماتي بالأمان ،وخاصة مهندسوا السياسات التركيّة الجديدة المستجدّة وربابنة استراتيجيات بنيانها ،ولينتظر الإقليم ،كلّ الإقليم ،زلزالاً يطيح بالجميع ،حتى بمن يتصور أنّه من الثوابت والقواعد الممأسسة المؤسِسة ،إنّها تراجيديا اللعنة وملهاة الجنون ،والتي تثبت في كلّ حالاتها ومنها ما نوصفه بـ ـ تراجيديا اللعنة وملهاة الجنون ـ فضلاً عن سنين العسل السوري ـ التركي وكبيرطموحاتها الواقعيّة، تثبت وبلا جدالٍ أنّ العلاقات السورية ـ التركية وبالتداعي الحتمي تثبيت أسس الأمن القومي العربي لا يمكن أنْ تكون إلاّ مرتبطة مترابطة ،ولا خيار آخر ،تمامًا كترابط الفرات بمائه والجغرافيا بموقعها دون أنْ نُخيّر أونختار ،فهل سينتصر العقل والضمير؟ أمْ أنّنا كلنا إلى الهاوية ماضون ؟

السبت، 12 سبتمبر 2009

لستُ توتـالـيتـاريّـاً أبـداً ، ولكـنّي "ضدّ الديـمقراطـيّـة" .. انتخابات واضطرابات ، سراب الديمقراطيّة وبؤس اللاعبين؟

بقلم : د. منير وسّوف القوي

في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين ،قرننا الحالي ، وأمام كل انتخابات "تقريباً"،وخاصة في ما يسمّى بـ (العالم الثاني = بالتحديد العالم خارج الأوروبي الغربي ـ الأمريكي الشمالي )،أصبح لدى المهتمّين بالسياسة وتطوراتها ،ميدان بحثٍ مستجدٍّ يتعلق بتوقعات الإجابة ،لا عن النتيجة في صناديق الإقتراع التي اختزلت إلى حدود تقنيّةٍ ،مُراقبَة بنزاهةٍ أوبغرضيّةٍ ووصايات ،ولكن عن "نتائج النتيجة" ومستتبعاتها ،عن أيّة ألوان ،ومنها لون الدم ،ستصبغ الساحات على وقع انقسامات المجتمعات وتحشيد الأنصار المترافضين ،وعن رصد لغة الحملات الدعائيّة المرافقة للـ "معارك الإنتخابيّة"وعوامل التأثير في مجرياتها ،خاصة في مناخ "عولمة" تُنصِّب من سادتها "قيِّمين وأوصياء"على جزءٍ من عالم ـ (العالم الثاني) ـ ،يُصّرون على أنّه " قاصر" يحتاج إلى رعايتهم وهديِّهم ليمتلك أسباب النضوج ،والسياسي بالتحديد ،طبعاً من وجهة نظر " المرشد العولمي الأعلى" ،ومختبراته ومراكز دراساته ،وهو هنا الأمريكي بلا لَبْس .

فإذا جاءت صناديق الإقتراع بنتيجة تتوافق مع ريح شراع السياسة الأمريكيّة ـ الأطلسيّة ومصالحها ،فهي مقبولة ،ولا بأس أنْ يُشار إلى بعض العيوب والسلبيّات ،وحتى بعض التزوير،لكنْ "الموضوعيّ المحدود"!! الذي لا يؤثِّرعلى النتيجة !! ،وتلك هي الشفافية !!التي تُطهِّر الإرتكاب ،حتى لو كان تدمير بلدٍ ،ومجازر قتلٍ أعمى لمدنيين أبرياء ،بالمئات والآلاف ،كما تظهرها لوحة الإجرام السوريالية ،على ساحة الدم الممتدة على مساحة رقعة البلاد الأفغانيّة ،وبعض الباكستانية ،دون نسيان المأساة العراقية .
أمّا إذا كان العكس ،وجاءت النتيجة مخالفة للمطلوب "العولمي" ومخططاته ،فهي عمل شيطانيّ تخريبي ،ومُعطى إرهابيّ ،يهدد الأمن والسلم الدوليّ !! وهنا لا يعتدُّ لا بالشفافية ،ولا بالنزاهة ،ولا برأيِّ الناخب ،الذي يصبح إرهابي ،وفي أحسن الأحوال مُضَلََل أو انتخب تحت ضغطٍ وابتزاز !!،كما ولا يعتدُّ لا بشهادة المراقب النزيه المحايد ، ولو كان رئيس أمريكيّ سابق (الرئيس كارتر) ،حتى ولا بإقرار المهزوم بالنتيجة !! كما حصل ويذكره الجميع في ،ومع الإنتخابات الفلسطينية "اليتيمة" التي هُزمت فيها "فتح" ،وأقرت فيها بانتصار" حماس " التي وصلت "انتخاباً" إلى السلطة الأوسلوية الهزيلة ،المستكثَرة على "بعض" شعب فلسطين على هزالها !! .
ورغم إيماني بالديمقراطيّة أسلوباً في ممارسة السياسة وإدارة العملية السياسية ،ولستُ هنا بمناقض نفسي أبداً ،وليس ذلك استباقاً لدفع اتِّهام باللاديمقراطيّة أومعاداة الديمقراطية ،وقد قلتُ في العنوان مستبقاً إنّني (ضدّ الديمقراطيّة) ،ولكنْ أينَ وكيف ؟!!
وليس ذلك لدفع اتِّهام بالدعوة إلى نموذجٍ مُحدّدٍ في الحكم ،أوبتأييدٍ بلا تفكيرٍ لصيغ تعتورها الكثير من النواقص والسلبيات ،أبداً .

فللحقيقة والواقع أعترف أنني شاركتُ وأشارك في كل الإنتخابات الفرنسية ،لا لأنّ الديمقراطيّة في فرنسا "كاملة الأوصاف" ومثالية ،أبداً ،فالكثير من الإنتقادات المحقّة تطالها ،بل ومن عصيِّ السلبيّات تشوبها ، ومنها :
1ـ نسبة المشاركة الضعيفة ، حتى في الرئاسيات ،فهي لم تتجاوز الـ (30 بالمئة) ،بمعنى أنَّ قرابة الـ ( 70 بالمئة ) لا يشاركون ، هامشيوا الرأي انتخابيّاً ،ولكنّه "خيارهم الحرّ" ،ومع ذلك فذلك "العزوف الإختياري" سـلبية لها أسبابها ،والتي لا يمكن قبول تحميل مسؤوليتها للناخب فقط فذلك ليس بمنطق عادل أومقبول .
2ـ أنّ الـ (30 بالمئة) المشاركون ،هم من يقرر توجهات الـ ( 100بالمئة) من الفرنسيين،لا سياسيّاً فقط ،ولكن في كلِّ شؤون الحياة ،وكما هو واضح :فذلك لا عادل بالمطلق ،وتلك شائبة أخرى تعتور الديمقراطيّة في فرنسا ،لكنّها هكذا .
3ـ بالتأكيد فهؤلاء الـ (30 بالمئة) ،يراعون مصالحهم "هم" ويخدمونها بالتشريعات ،والقوانين والمأسسة ،برغم كل محاولات الحلول التصالحيّة ،التي يحاولونها في برامجهم لخلق حالة من التوازن المصالحي المجتمعي في مجتمع طبقي رأسمالي ،مُتفقٌ على تعريفه ،متوافق عليه ،بلا ايديولوجية ديماغوجيا شعاراتيّة ،ومن الجميع ،وهذا لا عادل أيضاً رغم الإتفاق والتوافقية.
لكنَّ كل ذلك ،وانتقادات أخرى كثيرة ،لم تحل دون المشاركة الإنتخابيّة ،وإنْ كانت أقلوية ،والقبول شبه الإجماعي الفرنسي بالآليّة الديمقراطيّة ،وبنتيجة ما يقرره صندوق الإقتراع ،وبالإحترام شبه المقدّس للدستور وللنظام العام ،ومن الجميع ،الأقليّة قبل الأغلبيّة ،
ففي الرئاسيات الأخيرة عام( 2007 )،كانت بعض استطلاعات الرأيّ ،ومعظمها أحياناً ،ترجِّح فوز المرشّحة الإشتراكيّة (سيغولين رويال) على مرشّح اليمين (نيقولا ساركوزي) ،وحملت النتائج السيّد (ساركوزي) رئيساً إلى قصر الأليزية ،حسناً ،لم يسمع أحد اتهاماً بالتزوير ،ولا باللانزاهة ،ولا بنقص الشفافية ،وخاصّة ،لم يسمع أحد بلجان مراقبين ،لا دوليين ولا محليين ،ولم تخرج المظاهرات العارمة ،لا "العفويّة" ولا "المفبركة" ،ولم تعم الإضطرابات ومعارك الشوارع الدموية ،ولم يتخوف أحد على فرنسا ومستقبلها الذي أصبح على (كفِّ عفريت ) !!،وخاصة لا ذكر للثورات البرتقاليّة ،ولا الزرقاء أو الرماديّة ،المتروكة لفلكلوريّات" ديمقراطيّة شوارعنا الحيّة".
ببساطة شكلت الإنتخابات الرئاسية آلية ممارسة حياة سياسيّة ،مشرعنة دستوريّاً ،وتقريراختيار توجهات مجتمعية ،معروضة برامجيّاً ،بانتظار تطبيقاتها على مدى سنوات خمس ،والحكم على نجاح أو فشل "ساركوزها" وسياسته في محطة الرئاسيات المقبلة عام(2012).
هكذا هو الإستحقاق الرئاسي الفرنسي ،وكلّ استحقاقٍ اقتراعي أو انتخابي فرنسي آخر ،ولذلك أُدلي بصوتي ،وأعتبره حقاً وواجب ،بل واجب قبل أنْ يكون حقّ ،وكثيرون مثلي بالتأكيد ،ولو كنّا أقليّة الـ (30 بالمئة) من الفرنسيين فقط .
هكذا أعيش الحياة السياسية في فرنسا ،بصيغة مواطنيّة ،حقوقاً وواجبات ،بعيداً عن استعراضيّة فارغة بتلك الـ (فرنسا) ،أو ادّعاء تواضع بائس بانتماءٍ لا يزيد عن وثيقة رسميّة ،شرفٌ هي "نعم" ،بل وأكثر، تستحق الإخلاص والإحترام ،عرفاناً ممن كُرِّم بها ،وعليه فلا أعتقد أنَّ مُنصفاً يمكنه الإنتقاص من سلوكي الديمقراطي ،وعرفاني بالفضل ،بل وإيماني بالديمقراطيّة ،في رحاب مجتمعٍ يقدّم الحد الأدنى لإمكانيّة ممارستها ،ولو ببعض عيوب ،أو حتى شوائب ،تقرربعض تفارق المثال المتوخّى " داليّاً " عن محموله "أو مدلوله"واقعيّاً ،كما يقول بعض المعرفيّين المتخصصين بفقه الألسنيّة وتصانيف أقسام علم الكلام .
هكذا لا أجد حرجاً في معاداتي للديقراطية على إطلاقها دون اعتبار لشرطيّة صحتها ،نشأة تاريخيّة وثقافة مجتمعيّة ومأسسة تطبيق ،في استنكاري للديقراطيّة ـ الفتنة ، للديمقراطية ـ الطوطم والمطيّة ، للديمقراطية ـ العجائبيّة الشافية من كل العلل وتراكمات التخلّف ،إنّها "تعويذة وتميمة" العولمة المعاصرة ،تماماً كماركسية الأمس وعلميتها " المقدّسة "المعصومة ـ العاصمة.
إنَّ غوغائيي "النيوليبرالية" ،بكل الإمكانيّات الميدية واللوجستيّة المتاحة لهم ،قد وصلوا ،وبغسل العقول الساذجة ،وبشراء الأبواق الكتبة "المارينزيين" ،من نهّازي الفرص ومتورِّمي الأنا ،وضدّ كلِّ منطق علمي ،نعم قد وصلوا إلى تسويق (روشيتا) الديمقراطيّة ،وتعميم ببغائية اعتناقها ،وتأكيد مفعول وصفتها الشافية حتى لتحضيرالقبائل البدائية في أدغال الأمازون وغابات الكونغو !!!
ديماغوجيّة ايديولوجيّة ممنهجة ،وتكنولوجيا فائقة التطوّر،وأقلام للبيع ،وألسنة بكل اللغات ،لاالسياسيّة فقط ،كلّها موظفة في خدمة "السيّد" المتفوِّق الحضاري ،الأبيض "البشرة" ،أومستبطنه المتماهي بقاهره لقدأصبحت "انفلونزا ثقافيّة" وبائيّة النشر والإنتشار،أين من خطرها خطر"انفلونزا الخنازير" ؟!!
فالعلميّة وبلا تواضع العلماء (وقد كثروا !!)،حتى بتبسيطها لمفهوم الديمقراطيّة واشتراطاتها ،وبغضٍّ اتّفاقيٍّ عن أصل النشأة والتطور ومساراته ،تتطلب في الممارسة حدّاً ضروريّاً أدنى ،تختزله أقانيم ثلاثة ،تقيم عمادها ،وتمنحها الحيويّة والحياة :

1ـ الحـريّـة :بجناحيها ،للوطن وللمواطن ،فأين نحن ،كعربٍ ،منهما ،وأوطاننا مزقٌ سايكس ـ بيكويّة وكيانات استعماريّة التأسيس والتنفيذ ،وحتى تلك ،فبعضها محتلٌ كلُّه (فلسطين ،العراق) أوبعضه (الجولان وأجزاء من جنوب لبنان ،ومدن وجزر مغربيّة)،وبعضها مشاريع تقسيم مقسّم ،وتجزئة مجزأ (العراق ،الصومال ،اليمن ،السودان ،لبنان ،وحتى الباقي للفلسطينيين تحت الإحتلال....... ) !!أمّا المواطن !! فتسمية مجازية ،إذْ لا مواطن بلا وطن ،فضلاً عن مفهوم "الرّعيّة" التي تشربناها بلا تفكير،وبتربية خنوعيّة ،تسلطيّةٍ ومتخلّفة ،فغدونا معها "قطيعاً آدميّ القسمات" مُفرغ من آدميته ،وبلا مبالغةٍ أوخجل ،غدونا قطيعاً من الدواب على قدمين ،في حظائرمسوّرة بالحديد والنّار،أُريد إقناعنا أنّها أوطان !!.
2ـ العـقلانيـّة : وهنا تبلغ حيرة التفكيرذروة الإرتباك والتشتت ،حين تصفع محاولة بحثه عنها (عن العقلانيّة) ظواهر الخرافيّة الغبيّة ،لا الأساطيرية المؤسِسة ،بل الخرافيّة المستسلمة لمعطى الطبيعة وخوارقه الموهومة المتوهمة ،في نكوصيّة حتى عن "الإيمان المسطح المريح " بلا إعمال العقل ،فكيف بالإيمان بدلالات براهين العقل وإعمال آلياته التي أنعم الله بها على الكائن المفكِّر الإنسان ؟ !! هذا معرفيّاً .
وأمّا الواقع ،فألعن وأدق رقبة ،حين تشلُّ عاديَّ الحياة الإنسانيّة وقدسيّتها أفعالٌ مقزِّزة دنيئة ،لاتكفي بشاعة الجريمة لوصفها ،حين تنفلت الغرائز في سفالاتها العرقيّة والإثنيّة ،المتعصّبة الدينيّة والطائفيّة السياسيّة ،الجاهليّة القبليّة والهمجيّات العشائريّة العمياء ،ولنا في عراق "اليوم " في السودان والصومال ،في اليمن والجزائر ،وفي لبنان ولسنوات خمسة عشرة ،سيرة عارٍ سلوكي وخيبة لا تشرِّف ،وصفحة تاريخ عِبرة سوداء لانفلات العصبيّات وسقوط العقل والعقلانيّة ،لا مرّة ،بل مرّات ،مما يسمح بطرح سؤالٍ " استفزازي " :
إذا كان من أهم صفات الكائن البشري مقدرته على التعلم ومراكمة الخبرات ،فكيف يُصنّف فاقد تلك المقدرة الموجودة بالمبدأ ؟!!
وما الإسم الذي يدعى به عندما يُعطِّلها ويتخلّى ،إرادوياً ،عن استعمالها في حال ثبات وجودها ؟!!
3ـ صندوق الإقتراع :
الأقنوم الثالث ،هو ما نراه ،وهو الجانب التقني ،والبعد العملياتي لممارسة الديمقراطيّة ،في شكلها دون المضمون أو بصرف النظرعنه ،مما يصرف الإهتمام ،ولو آنياً ،عن الإقنومين الأولين المؤسسين بالعمق لمضمون الديمقراطية والتي لاتستقيم بتجاهلهما أوإهمالهما ،في تركيزٍ " فينومينولوجي" على الديكور ،وحركات الممثلين إيقاعيّة الإخراج على المسرح ،دون اعتبار للموضوع ـ العرض ،مما يحيلها إلى شكلانيّة فارغة من المضامين ،المغيّبة بسابق ترصُّدٍ أوسهو دعيٍّ جهول !!
فإذا كانت مقولة : " لا ديمقراطيّة بلا ديمقراطيين " تظلُّ صحيحة بقويم المنطق وحكم العقلانيّة ،فبهما كذلك "لا ديمقراطيّة بلا تربة مؤهِلةٍ وواقع ـ رافعة من تراكم تاريخٍ :
ثقافيٍّ ـ تربويٍّ ـ ذهنيٍّ بنيويٍّ ديمقراطي ،مع دفع الثمن المتوجب ،وفي كل الأوقات ،فلا مجانيّة في المكاسب إلاّ في المنطق الإنتهازي ،والديمقراطيّة مكسب حقيقي مكتسب بالتضحيات ،لا واجهة انتهاز وشعار يهدهد أحلام يقظة "مناضلي الصالونات وأرصفة المقاهي وأقلام كتبة الموسم المارينزي الآفل " .
تبقى الديمقراطيّة في بلدان (العام الثاني) ،وبأسفٍ لكنّه الواقع ،تأمين لقمة العيش الكريم ،الطبابة المدروسة وإنجازبرامج الصحة والتعليم ومحو الأميّة ،التقدّم المدروس بثبات في مشاريع البنى التحتيّة ،في الخطط الزراعيّة والتصنيعيّة ،في إصلاح وتطوير بنى الإدارة وإجهزتها ،في الخروج بالمنظومة التشريعيّة من القروسطيّة إلى العصرنة .......إلخ
والأهم بلورة هويّة الأوطان واقعاً حتى لا يصبح الطموح الحق حنين حالمٍ وقصائد وقوفٍ على الأطلال !!!........ نعم مازالت الديمقراطيّة في بلداننا ثوريّة التأسيس والإنجاز ،وبالتالي كان ومازال الديمقراطي في مجتمعاتنا هوالثوري فقط ،وفي كلّ سويّة وموقع ،لا النيوليبرالي الثقافوي المتغرِّب والمبهور ،ولا الوسيط ـ المرتبط (الكومبرادور) .
الديمقراطيّة ـ الديكور لإرضاء الآخر الوصيّ ،" المرشد العولمي الأعلى" و"الأخ الكبير" ليست لمجتمعاتنا ،ليست من طبيعتها ولن تقدّم حلاً لمشاكلها وحاجاتها ،بل بالعكس فلتتحضر المجتمعات الواهمة بنعيمها إلى المزيد من الأزمات والخنادق المتواجهة ،وإلى المنتقى لها ولشعارات بؤس لاعبيها من ألوان "قوس قزح" ،طبعاً بالإضافة إلى لون الدم الحاضر أبداً ،وكافيّاً معبّراً ما حصل في إيران مؤخّراً .
فليس ارتجالاً ولا مزاجيّة ،لا وليس التزاماً بصيغة من الصيغ في التطبيق ،بل بعد ملّي التفكيرإنّني أكرر :
"""لســـتُ توتـالـيتـاريّــاً أبـداً ،ولكـنّي "ضـــدّ الـديـمــقـراطـيّـة"""!!
،وآملي أنّني لستُ وحيداً """!!!!!!

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2009

"الأسلوب العراقي" في حل المشاكل ؟! ..


بقلم : د . منير وسّوف القوي

("الأسلوب العراقي" في حل المشاكل):
جملة جاءت على لسان السيّد وزير الخارجية الفرنسيّة (برنار كوشنير) في توصيفه تعاطي "نظام الأمر الواقع ـ نظام المنطقة الخضراء في بغداد ـ" أسلوباً مستحدثاً ! !في الأزمة التي افتعلها مع سورية ، في أعقاب يوم الأربعاء ١٩/٨/٢٠٠٩ ،لا "الدامي" فقط ،ولكن "الإجرامي الشنيع" ،وهوليس الوحيد المعزول كما يُراد تصويره ،بل حلقة أخرى فاجعة ،في يوميات العراق وأهله في "نعيم" الإحتلال وأعوانه ـ الأدوات ،ومنهم أزلام "نظام الأمر الواقع " العتيد!!،وعلى خلفيّاتٍ لم تعد تخفى !! ،والذين لا زالوا يُصعِّدونها بالتصريحات ـ المواقف ،المبرمجة لأسبابهم الصغيرة البائسة ،وآخرها :
معاودة رئيس ""حكومة الأمرالواقع ""العراقية ( نوري المالكي ) اتهام سورية بتمرير المقاتلين ،مخالفاً ما كان سبق أن أعلنه في السابق من تعاون سورية الأمني مع العراق!!.
في حين أكّد وزير خارجية حكومته أن "العراق" ماضٍ في تحركه نحو "محكمة دولية" باعتبارها "جهة محايدة" بين سورية والعراق!!، وإن أشار إلى أن المحكمة ليست موجهة ضد سورية(فقط) !!
وفي حين تتسارع الدبلوماسيات الإقليمية (الإيرانية والتركية) خاصة ،للعب دور الوسيط ـ الإطفائي ،وتتوالى التمنيات الدولية ،حتى الأمريكية ( سنصدق!!)،باللجوء إلى التهدئة والحوار،فإن رموز أجنحة "نظام المنطقة الخضراء في بغداد "يزدادون غلوّاً وتعنتّاً ،وكأنّ الشمّاعة المبررة لفشلهم قد وقعوا على اكتشافها ،كما اكتشف (اسحق نيوتن) قانون الجاذبية !!
مع أنّه كان من الأكثر فائدة لهم الذهاب إلى (أرخميدس) ،ليؤكِّد لهم أنَّ ظاهرته لا تشمل مركبهم المنخور ،المليء بالثقوب ،وأنّه غارق غارق .
حتى أنَّ الرئيس بشار الأسد ،وفي المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس القبرصي ،وبصريح الكلمات قال في ردٍّ قاطع على السؤال : حول الوساطة بين سورية والعراق وآفاق العلاقة السورية العراقية والأسباب الحقيقية للتوتر بين البلدين وكيفية معالجتها :
(لا أستطيع أن أتحدث عن الآفاق لأن الآفاق مرتبطة بأكثر من طرف ونحن طرف من الأطراف ولكن نستطيع أن نتحدث عن طموحات سورية بأن تكون العلاقات جيدة مع الدول العربية دون استثناء وإذا كانت العلاقة جيدة فيجب أن تكون أفضل وإذا كانت سيئة فيجب أن تكون جيدة ..أسباب المشكلة واضحة وعندما تتهم سورية بقتل عراقيين وهي تحتضن 2ر1 مليون عراقي تقريباً "وطبعاً هذا واجبها" فهذا اتهام أقل ما يقال عنه إنه اتهام لا أخلاقي .. وعندما تتهم سورية بأنها تدعم الإرهاب وهي تكافح الإرهاب منذ عقود عندما كانت دول في المنطقة وخارج المنطقة تدعم نفس الإرهابيين فهذا اتهام سياسي ولكنه بعيد عن المنطق السياسي وعندما تتهم بالإرهاب ولايوجد دليل حول هذه الاتهامات فهذا خارج المنطق القانوني أيضاً) : فسورية جادَّة في تعاونها مع العراق وكل العرب ،وهذا ماذهبتُ إلى تأكيده في مقال سابق على صفحات شام برس بتاريخ 27 آب 2009 بعنوان :
(سلاح جديد وشاهد ملك آخر) :
(٨ـ أنَّ سـوريّة جادّة في قبولها التعامل مع "نظام الأمرالواقع" ،في المنطقة الخضراء ،لالشرعيّة يمثلها كما يُتوهَم ويُصَوَّر،ولا لنفعيّة انتهازيّة رخيصة ،ولكن لواقعيّة سياسيّة ،تأخذ في الحسبان معاناة شعب العراق الشقيق ،ومستقبل العراق المُهدَّد ،دون المساومة على الموقف المبدئي الثابت في رفض الإحتلال ومفاعيله ،نتائجه ومفرزاته ،وفي رأس الأهداف زوال الإحتلال والحرص على وحدة العراق واستقراره .) .
والسؤال : هل وصل الجواب إلى الأزلام ـ الأدوات ؟ وهو حتماً وصلهم فهو علني ، وبكلمات قمّة هرم الدولة في سورية ، نعم الدولة لا كما يحلو لهم التصوّر في موشوريّة فهمهم السقيم ، ومفردات لغتهم الشللية ـ الطائفية والمريضة ، وللمزيد ،مع أنّه لا يستزاد :
١ـ لسورية لغة واحدة وحيدة في التعاطي مع العراق الشقيق وكل العرب ( بأن تكون العلاقات جيدة مع الدول العربية دون استثناء وإذا كانت العلاقة جيدة فيجب أن تكون أفضل وإذا كانت سيئة فيجب أن تكون جيدة ).
٢ـ أنَّ سورية تعرف بوضوحٍ أسباب المشكلة ـ الأزمة التي افتعلها أزلام "نظام الأمر الواقع ،وتحيط بالخلفيات الخسيسة التي تحرّكها فـ (أسباب المشكلة واضحة) ،يعرفها مفتعلوها ،كما يعرفها العالم ،فالساحة العراقية ليست بالعصيّة على الفكِّ والفهم رغم عظيم عقدها وتعقيداتها .
٣ ـ إنَّ السوّية الدنيئة لإتهامٍ بإجرامٍ شنيع ،ولسورية حاضنة معاناة العراق الشقيق ،وبعقود سبقت وصول الطارئين على ظهور دبّابة المُحتَّل ،تجعل وصمه بـ "اللاأخلاقية "حقاً يناله بامتياز(اتهام أقل ما يقال عنه إنه اتهام لا أخلاقي ) ،وهو( أقل ما يقال عنه ).
٤ـ تعودت سوريا على جوقات "الزجل"السياسي النشاز قبلاً ،كالأربعطشـ ـ شباطيّة ،بمبدعي بهلواناتها ومقيمي ملحقاتها ،عانت منها وأسكتت ضوضاءها ،وتعودت أكثر الصبر على سفهاء القوم ،لا اتقّاءً لشرورهم وهي جسيمة ،ولكنْ لحجرهم ليس إلاّ ،والغدُ كشّاف ،فالسياسة ومنطق السياسة شيء ،والحمق السياسي وخاصة ما يترتب عليه من اتهام سياسي ،هو الإفتراء الغبي المفضوح بعينه ،شيء آخر ومختلف حديّاً ،وذلك ما قاله الرئيس بشّارالأسد :(اتهام سياسي ولكنه بعيد عن المنطق السياسي ) ،لكنْ ،وبلا عذراً ، فأزلام نظام المنطقة الخضراء في بغداد ليسوا بالسياسيين ،بل حفنة من ممثلي الكومبارس البائسين في الأجهزة الوظيفية للسلطة الواحدة الوحيدة ،سلطة لإحتلال ،والباقي من قبيل الديكور القبيح .
٥ـ ليس مفاجئاً أنْ يكون اتهام هؤلاء "الطارئين" لسورية بـ " الإرهاب " لا قانوني ،رغم تاريخها في مقارعة الإرهاب ـ بكل أشكاله ،والعنف الإجراميّ الأعمى بالخاصّة ـ ،وعلى من ؟ على الشقيق الجريح المنكوب !! نعم ليس مفاجئاً ،ولا مستهجناً ،ببساطة لأنّ كل حاملي لقب "مسؤول" في حكم الأمر الواقع في العراق ،المحتل بهم وبسيّدهم الغازي ،هم لا شرعيّون ،بل مجرمون خونة ،مغتصبوا شرعيّةٍ ،خطفة شعبٍ ،وباعة أشلاء وطن ،من موقعهم المدان هذا ،فكل ما يصدر عنهم ،وخاصّة أراجيف اتهاماتهم ،هو افتراء ،باطل ولا شرعي ،بل وخارج على القانون بالمطلق ،وبكل منطقٍ قاربه ،لأنّه سفه (خارج المنطق القانوني أيضاً ) .

شام برس