من قلم : د. منير وسوفإنّ بسيط استعراضٍ بانوراميٍّ سريعٍ لتطور تعاطي الإعلام ـــ خاصة المرئي الناطق بالعربيّة ـــ والمهتمّ بالشأن السّوري منذ بواكير البداية
في الأزمة "" السّورية ـــ المأساة "" ،
يستلفته استحضار وجوه وأسماء وتسميات وشعارات، وتغييب وجوه وأسماء وتسميات وشعارات ، وفق المراحل والأدوار والبرامج ، بل وحتى وفق المقاصد والتطورات إنْ لم يكن التطويرات ، المفترضة منها والإفتراضيّة ، فضلاً عن الوقائع على الأرض وزوايا تصويرها ومواقع وتموضع المصورين !!!
وتبسيطاً "" للإستعراض ـــ العرض "" سيكون مفيداً تفقيره ( من فقرة وليس من إفقار ) مع مراعاة التسلسل الزمني ما أمكن في مسلسل اللامعقول السّوري ، المستمر العرض ، لدراما الدم والدموع والمآسي ، في السيناريو المتطور لحظيّا ، ولو أنّه المؤطَّر تصميميّاً ـــ ومنذ عقدين على الأقل ـــ والذي
كان كتاب ( شيمون بيرس ) "" الشرق الأوسط الجديد """ إعلانه الأشهر ، وقد ذاع صيته للمرة الأولى بعد حرب الخليج 1991 وأثناء مفاوضات ""التسوية"" بين كيانات النظام الرسميّ العربيّ والكيان الإسرائيلي ( وبالأخصّ في مؤتمر مدريد) ،
بعد أن تم إنضاجه في الثمانينات ومطلع التسعينات في بعض دوائر الخبرة والبحث في واشنطن ( للمراجعة : الشرق الأوسط الجديد للمستشرق برنارد لويس ) ، ومن ثمّ تبنيه وتطويره من قبل حزب العمل الإسرائيلي( مرحلة اسحق رابين ــــ شيمون بيرس )، وجرى الإعلان عنه ، وقبلته العديد من الدول العربية ورأت فيه تحولاً كبيراً في تاريخ المنطقة ، لا بل وتحوّلاً في الصراع "" العربي ـــ الإسرائيلي "" !!!
ثمّ ما تبعه من تعديلات وتطويرات ، من ( شرق أوسط كبير ، إلى موّسع ، إلى غيره من الخرائط المشاريعية ) على ضوء التطورات ـــ التحولات : ""الجيوــ بوليتيكوــ استراتيجيّة ""، منذ انهيار المنظومة السوفيتيّة وانفراد ""الإدارات الأمريكيّة"" باتخاذ القرار في السياسات الدوليّة وتوجهاتها وحتى توجيهها، وبالشكل التدخليّ المسلح بلا أقنعة ( احتلال العراق ومأساته : مثله الصارخ ) ، على أنّ القاسم المشترك في كلّ
"الدراسات ـــ السيناريوهات" و"التصميمات ـــ المشروعات" ، المرسومة في دوائر الخبرة والبحث لمنطقتنا( في "واشنطن" وحلفائها ، "وخاصة في "تل أبيب" المعنيّ اأوّل )
هو المصلحة "" الأمريكيّة ـــ الإسرائيليّة المترابطة عضويّاً "" في منطقتنا ، راهناً ، ومستقبلاً في المدى المنظور على الأقلّ . من وجهة النظر تلك يمكن الإختزال الحوادثي لمتابعة المجريات المتلاحقة ، وإقتصار العرض ( تعسفيّاً لتعذر الإحاطة الشموليّة والشاملة ) لما يجري على مسرح اليوميّات السّوريّة في تعاطي الإعلام ـــ خاصة المرئي الناطق بالعربيّة ــ في
استحضاره أو تغييبه ، أو حتّى تنكيره أو استنكاره "" وجوه وأسماء وتسميات """ وابتكاره لشعارات متجددة ، تماشياً مع إعلانها والهدف السياسيّ المرحلي السريع أو المسرع ( أسبوع أو أيّام ) في سباق مع الزمن !!!،
وتهميشه لأخرى ، بل والسخرية من رافعيها وشيطنتهم وحتى نقل تظاهرات تخوينهم والتنديد بهم ،( باسم الأمانة الصحفيّة والموضوعية المهنيّة و ............ إلى آخر المعزوفة المحفوظة ، وبلغةٍ حقاً خشبيّة ) ، كما حصل في صحن الجامعة العربيّة بين المعارضات السّوريّة ، المشهد الذي أطلق عليه ـــ بحقٍّ ـــ بعض الظرفاء ،وبكوميديّة سوداء ساخرة ، إسم
:""" موقعة الجامعة """ متناسياً ذلك الإعلام ـــ
وبتعمُّد غبيٍّ أومتغابي يستغبي المشاهد ـــ أنّ متابعه " " يُميّز جيّداً بين "
الإعلام المهنيّ الموضوعيّ " وذلك الذي يغادر رسالته تلك إلى دور "
الناشط السياسيّ المتحزّب " : هذا أولاً ، وثانياً : إنّ الأحداث مازالت حديثة حيّة ، وبالتالي فالمراهنة على النسيان وتعب الذاكرة رهان خاسر ،
وإذاً فلنبدأ بــــ :
آ ـــ ""الفقرة ـــ المرحلة"" الأولى : ( شاهد عيان ) ، وقد غادر هذا الـ ( الكومبارس ) خشبة المسرح بعد أن ملّ المشاهد دوره
وقد استجاب المخرِج بعد إنهاء تجهيز البديل لنفس الدّور، والعذر في استخدامه كان استحالة تواجد المراسل الصحفيّ المهنيّ ، بسبب منع ( النظام السوريّ ) تلك القنوات من التواجد الميدانيّ لتغطية الحدث !!!
تبرير ينقصه قويم المنطق وتبرره الديماغوجيا لا غير ، فالأمانة المهنيّة قيمة أخلاقيّة ثابتة لا يبرر عذر ـــ أيّاً يكون ـــ استباحتها أوالتلاعب بمصداقيتها .
ب ـــ ""الفقرة ـــ المرحلة"" الثانية : ( الناشط السياسيّ ) ، وقد حلّ مكان ( شاهد عيان ) ، وبنفس الدور مع زيادة الجرعة ( الثوريّة ) والتحريضيّة لتتلاءم مع اللبوس الجديد ، في تقاسيم متناوبة مع
( ناشط حقوق الإنسان ) ومراكزه المتنقّلة ، والذي لا يختلف أوتختلف في الدّور أو المحتوى ، ولا عجب حين يكون السيناريست ذات السيناريست ، والمخرج نفس المخرج ، على ذات المسرح ، وإدمان ذات الجمهور المتابع ولكنْ لا المأخوذ .
ج ـــ ""الفقرة ـــ المرحلة"" الثالثة ، قد تداخلت زمنيّاً ، مع المرحلتين السابقتين ، وأسّ حضورها استضافة
( مثقّفين ومحللين سياسيّين ) من كل المشارب ، لتتالى الخطابات المؤدلَجة والمؤدلِجة ، الواقعيّة قليلها والرغبويّة جُلّها، في استعراضات تسويقيّة إلاّ قلّة ، ومُوحاً بها مسترسلة إنْ تجاوبت !!! ، أومُقاطَعة لضيق الوقت إنْ خالفت !!! ، وللأسف بعضها سوقيّ المستوى والذوق ، بل وخادش شتائمي ، مع الإستزادة والمزيد من الشحن العاطفي ، والتحشيد التهييجيّ والإيحاء الفتنوي ، والتلاعب بالعواطف الدينيّة لجمهور جريح ، بل وجرحه ملتهِب ،
هنا أصبح واضحاً الفرق بين الثقافيّ والثقافويّ ، بين الشعبيّ والشعبويّ ، بين المسلم المتديّن الحق ، والمسيّس الإسلامويّ الذي لا يجد غضاضة في استخدام قدسيّة الدين الأبديّة ورقةً في دنيوية السياسة الزائلة وآثامها ، بين الأستاذ الرساليّ الرؤيوي ،والمربي المسؤول بحقّ ، وذلك حامل اللقب بلا جدارته .أسماء وشخصيّات كانت نجمات البرامج والشاشات غابت أو غُيّبت ،
( "المفكر العربي" عزمي بشارة ) قال ما عنده ، أو ما عليه قوله بمناسبته، وتفرّغ كما يبدو لشؤون تنظيم مؤتمرات المعارضات السوريّة وهمومها ،
( د .بسّام أبو عبد الله أستاذ القانون ) لم يعد في جعبته مزيداً توظفه
( قناة الجزيرة ) لاستفزاز المستفَزين الجاهزين لحفلات الردح ، فضلاً عن تجاوز الحدث السّوري فترات التحمية والتشجيع إلى مباشرة مباريات القتال الدامي المميت بلا رحمةٍ وبلا عقل ،
( د. طالب ابراهيم ) أصبح ثقيلاً على السياسات الإعلامية المعتمدة بمحاججاته وقدراته ، أمّا
(د. أحمد الحاج علي ) فلن يتقدم في انتقاده ، أو يُضيف مستجيباً لإيحاءآت مستجوبه ـــ المذيع ، لنصل إلى الإعلامي
( شريف شحادة ) الذي يُتصل به ليُقاطَع ويُغالَط ، وكأنّه لا يكفيه سوء الإتصالات !!!
هكذا مرّ كلّ هؤلاء (الموالون للنظام السوري كما يوصَفون ، طبعاً .عزمي بشارة لم يعد منهم !!! ) ولم نعد نسمع لهم صوتاً أونرى لهم صورة ،
بالتواقت مع مقاطعات وتوقيع عقوبات بحقّ وسائل إعلاميّة سوريّة !!! ( "قناة الدنيا" السّورية مثالها ) ، لكأنّ فقرة المحلل السياسيّ قد استنفذت أغراضها أو أُصيب بالكساد سوقها فأُحيلت إلى الأرشيف أو إلى مستودع السلع المنتهية الصلاحيّة ، فهل الحفظ أو سواه من مآلات إعلاميّة أصبح مصيرها ؟ !!!
كلّ التلاوين عُرضت في لوحة صخبٍ إعلاميٍّ مشوِش واللوحة لم ينته استعراضها ، وإنْ كانت خيبة المشاهد في الرئيس من خطوطها ، وتدرج المحبوك من مزج وخليط ألوانها اللاعذراء أبداً ، هو المهيمن على الإنطباع السائد حتى اللحظة .
د ــــ ""الفقرة ـــ المرحلة"" الرابعة والمستمرة العرض منذ البداية ، باستضافة أو استدعاء ــــ لا فرق ـــ المعارضين السياسيين ، وعرض
المطلوب من منطقهم ومناظراتهم ،وحتى
المقبول من رؤيتهم المستقبلية للأزمة وتصورات مخارجها ،
تسويق آرائهم وبعضها هوامات وشطحات أحلام يقظة ،
تقديم رجل السياسة في بعضهم وتلميعه، والتلويح بتصلّب الدكتاتور المستبد في بعضهم الآخر وتمريره ،
إبراز ""المراد المطلوب تسويقيّا سياسياً"" من مؤتمراتهم وتجمعاتهم وتحالفاتهم وعلاقاتهم ، وإشهار تسميات تنظيماتهم أو التعمية عليها حسب العرض والطلب ، هكذا وبقدرةٍ "" ميديوية "" مبرمجة يغيب إسم
( تنسيقيّات الثوة السوريّة ) وأصوات ممثليها في المدن والحارات ـــ هذا إذا كانت قد وُجدت أو كان لها الحجم والإنتشار المُدّعى ــــ و يُغيّب لمصلحة (
الهيئة العامّة للثورة السّوريّة ) ، مولود " ثوريّ " آخر أكثر استجابة لمتطلبات سياسات
( المجلس الوطني السوري ) ورعاته الإقليميين والدوليين .
أمّا تسميات أيام "الجمعة" واختياراتها ، فهو الأكثر مدعاة للتساؤل ، ليس بسبب طبيعة التسمية وحسب ، ولكن في حصرية التسمية بأيام " الجمعة " وكأنّ الـ
" ثورة " في كمون بقيّة الأيام ، أو في وضع التزامٍ بالدوام الرسمي واحترامٍ لمقتضياته ولوائح الدوام !!!
إنّ مما يدعو للمزيد من التساؤل والأسى ، إدراك أكثرنا لمدى التلاعب التاريخي المديد بأقدار أوطاننا ، وبمصير أمتنا ، ومع ذلك نقتتل ونتذابح ونتناحر !!! وفي العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين مازلنا نجترّ مأساة
( قبائل قتلت قبائل ) !!!أنعيش في عصرنا ككل الأمم المعاصرة ، أم أننا ما زلنا ـــ وكما يبدوــــ في ذلك العصر الدموي الأسود الذي يعتزّ به البعض ؟ !!! ...
أفليس من صوت للعقل ؟ أفليس من صحوة لضمير ؟ألم نخرج بعدُ من بداوتنا وجاهليتنا وتخلفنا وثأريتنا وكلّ ما لا يرفع الرأس من خصال مشينة ؟أم أنّنا تهاونّا فهُنّا فغدونا في ""سوق السياسة "" سلعةً طالها الكساد ، حتى وصلت سويتها القيميّة في التسويق إلى لغة المزاد ؟ !!!!